المواجهة والمواربة بين داعش والجيش ؟- مقالات – عبد الحسين شعبان‮ ‬

معركة الرمادي.. متى وإلى أين؟

المواجهة والمواربة بين داعش والجيش ؟- مقالات – عبد الحسين شعبان

تعدّ محافظ الأنبار ومركزها مدينة الرمادي أكبر محافظات العراق مساحة، حيث تبلغ 138.500 كم2  ويقطنها نحو مليوني نسمة، وهي تقع غرب العراق، وترتبط بحدود طويلة مع سورية والأردن والمملكة العربية السعودية، وتلاصق محافظة صلاح الدين ومركزها تكريت، وتتجاور محافظة الأنبار مع محافظة كربلاء (منطقة النخيب). مثلما هي قريبة من بغداد العاصمة، حيث يبعد مركز المحافظة (الرمادي) 100 كم عن بغداد، في حين تبعد الفلوجة عنها بنحو 50 كم.

مؤخراً وقع مركز المحافظة (الرمادي) بالكامل بيد تنظيم داعش، بعد أن اضطرّت قوات الجيش العراقي إلى الانسحاب، مثلما تركت قوات الشرطة المحلية وقوات الجيش وقوة مكافحة الإرهاب مواقعها، يضاف إلى ذلك إن طيران قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لم يقدّم الدعم المطلوب بحيث يرجّح جهة القوات العراقية على جهة داعش، وظلّ أهالي الرمادي طوال نحو عام يدافعون عن مركز المحافظة ضد داعش وهجماتها وانتحارييها، مثلما يستنجدون بتسليحهم والعشائر العربية، ليتمكّنوا من الاستمرار في المواجهة، لكن المعركة في نهاية المطاف حُسمت لغير صالحهم بسبب اختلال موازين القوى.

وقامت داعش بعد استيلائها على الرمادي بتدمير مباني الحكومة الأساسية، الأمر الذي اضطرّ فيه السكان المدنيون، ولاسيّما النساء والشيوخ والأطفال إلى هجرة جماعية هرباً من انتقامها، ويقدّر عدد الذين تركوا منازلهم نحو 200 ألف شخص بحثاً عن الأمان حسب تقدير المفوضية العليا لحقوق الإنسان، ويعاني النازحون من ظروف قاسية بسبب الإجراءات الأمنية المشدّدة التي أدت إلى اكتظاظهم عند مشارف العاصمة بغداد، وذلك بسبب مطالبتهم بإيجاد كفيل شخصي لهم، بزعم الخوف من تسلل بعض العناصر الإرهابية من تنظيم داعش أو غيره.لقد سبّب وقوع مركز محافظة الأنبار بيد داعش صدمة جديدة، بخصوص قدرة الجيش العراقي وفاعليته، ناهيك عن تماسكه وعقيدته العسكرية، وهو أمر طالما شكّك به الأمريكان، الذين ظلّوا يؤكدون أنه بحاجة إلى تأهيل وتدريب طويلين. من جهة أخرى، فإن الصدمة شملت أوساطاً عراقية وعربية غير قليلة، بسبب لا أبالية الولايات المتحدة ، لدرجة أن هناك من اتّهم الإدارة الأمريكية إلى ترك الأنبار تقع بيد داعش وتركيزها على مصفاة بيجي، ومثل هذا الرأي لم يكن حكراً عن بعض العراقيين والعرب، بل هو ما قال به جون ماكين رئيس لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الأمريكي.

لا يزال الوضع خطراً في الأنبار سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإنسانياً، ليس على الصعيد العراقي فحسب، بل احتمال امتداداته عربياً، خصوصاً وأن المحافظة تلتقي حدودياً واجتماعياً واقتصادياً وروابط قرابة عشائرية، مع ثلاث دول عربية كما جرت الإشارة إليه، وهي سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية، الأمر سيشكّل خطراً على هذه البلدان، فإضافة إلى الانتقال من وإلى سوريا، فإن داعش قد تضع ضمن خططها استهداف الأردن والمملكة العربية السعودية.إن تطوّر الأحداث وبعض الانتقادات وردود الفعل دفعت بالرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الاجتماع مع كبار مستشاريه لتدارس الوضع في العراق، وتأكيده على دعم حكومة حيدر العبادي بشأن استعادة محافظة الأنبار ومركزها الرمادي، وقد حضر هذا الاجتماع 25 مستشاراً بينهم نائب الرئيس جو بايدن ووزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع آشتون كارتر ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس ومدير وكالة الاستخبارات العسكرية جون برينان والجنرال لويد أوستن قائد القوة المركزية الأمريكية وغيرهم.

علامات استفهام

إذا كان نحو عام قد مرّ على سقوط الموصل، ولم تتمكّن القوات العراقية والبيشمركة الكردية من استعادتها، فهل ستتمكن من استعادة الأنبار بسرعة؟ الشكوك وعلامات الاستفهام لها ما يبررها، علماً بأن الجميع يرفع الصوت عالياً بشأن نقص الأسلحة، ولاسيّما المتطوّرة، في حين تتربّع داعش وتحاول تثبيت أقدامها في خطوات ستراتيجية جديدة لا تقوم على الهجوم فحسب، بل تسعى بعد هجومها لاحتلال المدن والبقاء فيها والعمل على إدارتها، ضمن خطط شاملة تربوية ودينية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وأمنية وقانونية وثقافية، وذلك في إطار تنظير سياسي جديد مفاده إقامة داعش ، الأمر الذي يستلزم لمجابهة الإرهاب والتصدّي لداعش، أساليب جديدة.

تعتبر مصفاة بيجي ومدينة الموصل ذات أهمية حيوية لواشنطن، التي تضع خططها وفقاً للاقتراب أو الابتعاد عن مصالحها، فهي لم تحرّك ساكناً، وهي تشاهد كيف يتم اغتيال الحضارة واجتثاث التاريخ، حين أقدمت داعش على تفجير متحف الموصل والعديد من المساجد والجوامع والكنائس والأديرة وأماكن العبادة والمكتبات، إضافة إلى النمرود العظيم ومدينة الحضر التاريخية، فما بالك حين تكون الأنبار ليست بتلك الأهمية.

الأنبار اليوم تمرّ بكارثة إنسانية حقيقية وهي مدينة منكوبة مثل الموصل وأزمتها مركّبة، مثلما هي الأزمات في النزاعات المسلحة، خصوصاً وإن داعش لا تعير أي اهتمام لأية قواعد قانونية دولية أو وطنية، حيث أصبحت منذ نحو عام مسرحاً للعمليات الإرهابية والدمار والخراب، فضلاً عن تصفية حسابات بين بعض المتنفذين فيها، أما الوجه الإنساني فإنه يتمثّل بالنزوح الجماعي، خصوصاً وإن ما يوجع القلب هو أن الفرار من داعش وإرهابها واجهه لا مبالاة وقيود من جانب السلطات الحكومية، بزعم احتمال وجود إرهابيين بين صفوفهم.المعركة قد تطول وقد تبدأ متقطعة لعدد من الأسباب، أولها أن الجيش العراقي لا يزال ضعيفاً ومُنهكاً، بل مثقلاً بما حصل في الموصل ومؤخراً في الأنبار، وهو يفتقد إلى عقيدة  عسكرية موحّدة وأن تأسيسه كان أقرب إلى اتحاد ميليشيات، حيث لا يتمتّع بالمهنية المطلوبة والحرفية المفترضة والولاء الوطني، بل إن ولاء  بعض منتسبيه وقادته، للطائفة أو القومية أو الجماعة السياسية.

وثانيها أن الخلافات السياسية لا تزال تضرب أطنابها بين “الحلفاء” (الأصدقاء –الأعداء) المشاركين بالعملية السياسية، وهي خلافات إقصائية وتهميشية، وكل طرف يريد الحصول على امتيازات على حساب الآخر، ناهيك عن تلكؤ الجهود للتوصل إلى مصالحة وطنية حقيقية.وثالثها غياب إرادة سياسية موحّدة تستطيع مواجهة التحدّيات الخطرة لتنظيم إرهابي مثل داعش، ولا يمكن والحالة هذه مواجهة داعش بأجندات خاصة وفي إطار ستراتيجيات وتكتيكات غير متفق عليها.ورابعها أن الخلاف يمتد إلى أن بعض القوى تراهن على واشنطن (الأكراد، السنّية السياسية، اتحاد القوى الوطنية)، في حين إن أخرى تشكّك بنياتها وتعتبر قصفها الجوي غير مُجدٍ، بل أحياناً فيه تواطؤ مع داعش، ويذهب هذا الفريق أكثر من ذلك حين يقول أنه سيقاتل الأمريكان فيما إذا أرسلوا قوات برّية ( مثلما هي الشيعية السياسية، ممثلة بمقتدى الصدر ومنظمة بدر وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وغيرهم من جماعة الحشد الشعبي).وتراهن هذه القوى على إيران وتعتبرها المنقذ أو الظهير للتصدي لقوات داعش في حين تعتبرها قوى أخرى، ولاسيّما العشائر السنّية وكتلة اتحاد القوى الوطنية ظالعة بمسألة الهيمنة على العراق، مستغلة وجود داعش، بل إن وخطرها لا يقلّ عن خطر داعش.

تأسيس حرس

وخامسها أن البعض يراهن على الحشد الشعبي الذي يتألف غالبيته الساحقة من الشيعة السياسية، في حين هناك من يرفض دخوله إلى مناطق غرب وشمال العراق العربية السنّية، خصوصاً بعد الانتهاكات التي اتهم بها في تكريت، كما أن البيشمركة  الكردية تعارض وجوده في المناطق التي تسيطر عليها.

وسادسها هناك من يدعو لتأسيس الحرس الوطني ليكون رافداً للجيش العراقي، خصوصاً من أهالي المحافظات ليتمكّن من إدارتها، لكن هناك من يرفض ذلك، حتى أن النقاش في البرلمان لم يتمخّض عن الوصول إلى اتفاق، لاسيّما بانعدام الثقة والحرب الباردة الدائرة بين ” الحلفاء” الذين يشكّك أحدهم بالآخر.

وسابعها هناك من يطلب تسليح العشائر السنّية والبيشمركة الكردية بمعزل عن الحكومة الاتحادية، وهو ما قرّره الكونغرس الأمريكي، في حين هناك من يعتبر مثل هذا التسليح خطراً، لأن السلاح قد يذهب إلى أيدي قوات داعش، أو أن وجوده خارج موافقة الحكومة قد يؤدي إلى اقتتال لاحق، بل الأكثر من ذلك يعتبر خطوة التسليح بمعزل عن بغداد ، إنما هي تهيئة لتقسيم العراق، وهي الخطة القديمة التي جاء بها نائب الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن في العام 2007 لكن هناك من يريد السلاح والنظام الفيدرالي على طريقة  إقليم كردستان، ولاسيّما السنّية السياسية لتتمكن من التخلص من هيمنة الشيعة السياسية وتحكّمها بمقاليد الأمور في الدولة وقراراتها الأساسية.

ومع إن ظاهرة داعش ستستمر وإن كان إلى حين، لكنها ستصير إلى زوال لا محال، لأنها غير قابلة للعيش والحياة، بحكم لجوئها إلى الإرهاب الدموي، وهي بهذا المعنى ضد الطبيعة البشرية وضد كل ما له علاقة بالتقدم وبحقوق الإنسان، ولكنها بلا أدنى شك ستترك ندوباً عميقة وجروحاً غائرة في جسم العراق وكيانيته وكذلك في سوريا، إضافة إلى تأثيرها السلبي على عموم شعوب المنطقة العربية والإسلامية، لاسيّما بتغذية الصراع الطائفي والتناحر المذهبي، وتسعير نار التعصب والتطرف والغلو، واسترخاص دم البشر وحياتهم.

{ باحث ومفكر عربي