
المهن الجميلة باتت ضئيلة – جمال السوداني
ليس لتحسن معيشة الناس ، من تسبب في ذلك .. حيث أخذت تنقرض هذه الأعمال المفيدة ، يوما بعد يوم ، فالبطر ، و التبذير ، كانا وراء ذلك . فلقد كانت هناك أعمال عديدة ، تقدم خدمة كبيرة للفقراء ، و البسطاء ، و لمتوسطي الأحوال ، و لمن لا يستطيع الذهاب للأسواق القريبة ، أو البعيدة ..
حيث كان هنالك شخص يبيع القماش ، المحمول على العربانة الجميلة ، يتجول في المحلات ، و يقف عند أبواب البيوت ، فتلتم حوله النسوة ، يختارن ما يعجبهن من أنواعه ، و أسعاره ..
و كان أيضا هناك شخص يجوب الأزقة ، يقايض الملابس بالمواعين ، و الكاسات . فما يستغنن عنه من ملابسهن ، أو ملابس العائلة ، يبدلنه بما يفيدهن من ( الصيني ) ، إذ كانت تطلق هذه التسمية على المصنوع من السيراميك : المواعين ، و الكاسات ، و الأكواب . و كن يسمين الكاسة ب( المنچاسة ) ..
و كان أيضا هناك شخص يبيع الكبة المطبوخة ، و بالعربانة الجميلة ، و يصيح : ( كبة لوز ) ، و هي كروية بالمرق الأصفر ..
و كان هناك العديد من محلات الريافة ، في بغداد .. و تكاد أن تنقرض هذه المهنة ، يروفون الملابس . و هناك كانت محلات تبيع التحف و الزوالي ، يروفون ما أصاب السجاد و الزوالي ، من تلف ، كالثقب ، أو الحرق ، أو بسبب ما أكله الفأر منها . لقد غدت هذه الأخيرة نادرة الوجود ، في سوق الإنتيكات ..
و كذلك ، كان هناك شخص يخيط المواعين ، و القواري المكسورة ، يدخلوه إلى البيوت ، و يصلح ما تكسر من هذه الأدوات السيراميكية ، بفن يبهر الناظرين ..
و كان هناك شخص يقوم بطلاء الصواني ، و الصفاري ، و القدور ، والتي تسمى ( الجدورة ) النحاسية .. و أيضا يدخلوه إلى البيوت ، و يقوم بعمله الفني المتقن ، فيرجع الأدوات باللمعات الرائعة ، و كأنها جديدة ..
و هناك كانت محال ، تكاد أن تختفي تماما .. محال فصال الأحذية ، إذ يقصدها من تعود عليها ، إما للإعجاب بالحذاء المفصل ، أو بمقاس قدمه الخاص . و كان المفصل أغلى من الجاهز ..
و كانت إمرأة تجوب المحلات ، تركب الأسنان .. و غالبا ما كانت كبيرة في السن ، فيدخلوها البيوت ، و تفحص النساء اللائي يرغبن بتركيب سن بديل محل المفقود ..
و حتى بائعي اللبلبي ، و الباقلاء ، و الشلغم ، و الشوندر .. قل تواجدهم في المحلات ، و إنحسروا في أماكن محددة ، قريبة من المدارس ، أو الساحات ، أو محال بيع المقبلات ، أو الخمور ..
و كذلك ، قلت محلات الخياطة ، الرجالية منها ، و النسوية .. بسبب سهولة ، و سرعة الحصول على الجاهز منها ، و بسبب غلاء أسعار الخياطــــــــــــــــــة . فلقد كانت الملابس المفصلة في عقود خلت ، أرخص من الملابس الجاهزة ، عدا البدلات الرجالية . و النساء قد تعودن على خياطة يعرفنها ، تخيط الملابس في بيتها الذي تسكنه ، و غالبا ما تسكن في نفس المحلة ..



















