المهرجانات – حسن النواب

361

كلام صريح

ظاهرة‭ ‬المهرجانات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬في‭ ‬البلاد؛‭ ‬تسترعي‭ ‬الانتباه‭ ‬حقاً؛‭ ‬إذْ‭ ‬تكادُ‭ ‬لا‭ ‬تُطوى‭ ‬أيام‭ ‬الشهر‭ ‬حتى‭ ‬تجد‭ ‬مهرجاناً‭ ‬ثقافياً‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬بغداد؛‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المحافظات؛‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬ثقافي‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬أسبوع‭ ‬واحد؛‭ ‬لقد‭ ‬حضرت‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد‭ ‬في‭ ‬دورته‭ ‬الثالثة‭ ‬والثلاثين‭ ‬قبل‭ ‬شهرين؛‭ ‬وكانت‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬البصري‭ ‬الراحل‭ ‬حسين‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف؛‭ ‬ولمستُ‭ ‬فارقاً‭ ‬شاسعاً‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬والضيافة‭ ‬وشفافية‭ ‬تعامل‭ ‬الإداريين‭ ‬مع‭ ‬ضيوف‭ ‬المهرجان؛‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬حضور‭ ‬الجمهور‭ ‬اللافت؛‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬والدورات‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬أقيمت‭ ‬بعد‭ ‬زوال‭ ‬النظام‭ ‬القمعي؛‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬المائز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدورة،‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬اكتساب‭ ‬تجربة‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬وتجاوز‭ ‬أخطاء‭ ‬وهفوات‭ ‬الدورات‭ ‬السابقة؛‭ ‬ويبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬خريطة‭ ‬عمل‭ ‬لوجستية‭ ‬واضحة،‭ ‬وضعها‭ ‬المشرفون‭ ‬على‭ ‬المهرجان؛‭ ‬ونجحوا‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬مفرداتها‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق؛‭ ‬لقد‭ ‬أدهشني‭ ‬حضور‭ ‬الجمهور‭ ‬النوعي‭ ‬طيلة‭ ‬أيام‭ ‬المهرجان؛‭ ‬وامتلاء‭ ‬مقاعد‭ ‬قاعة‭ ‬القراءات‭ ‬الشعرية؛‭ ‬والتقتير‭ ‬بعدد‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬يقرؤون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جلسة؛‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬الدورات‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬الفوضى‭ ‬هويتها؛‭ ‬والضيافة‭ ‬البائسة‭ ‬مع‭ ‬توتر‭ ‬وارتباك‭ ‬المشرفين‭ ‬عليها‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يحسب‭ ‬ضد‭ ‬هذه‭ ‬الدورة؛‭ ‬هو‭ ‬عشوائية‭ ‬الدعوات‭ ‬الموجَّهة‭ ‬للضيوف‭ ‬العرب؛‭ ‬وقد‭ ‬علمتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬جاءت‭ ‬وفقَ‭ ‬اجتهاد‭ ‬فردي‭ ‬وعلاقات‭ ‬شخصيَّة؛‭ ‬وليت‭ ‬الأمر‭ ‬انتهى‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد؛‭ ‬فلقد‭ ‬اشتكى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الضيوف‭ ‬وتذمَّروا‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬تعامل‭ ‬موظفي‭ ‬مطار‭ ‬البصرة‭ ‬معهم؛‭ ‬وحين‭ ‬عادوا؛‭ ‬انبرى‭ ‬أحدهم‭ ‬وكتب‭ ‬بلؤم‭ ‬واضح‭ ‬عن‭ ‬مشاهداته‭ ‬لواقع‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة‭ ‬الخدمي؛‭ ‬وكأنَّه‭ ‬حضر‭ ‬بمهمة‭ ‬صحفية‭ ‬لتقصي‭ ‬أحوال‭ ‬البصرة؛‭ ‬وتجاهل‭ ‬عن‭ ‬عمدٍ‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬المريب‭ ‬الحضور‭ ‬البهي‭ ‬للجمهور‭ ‬والقراءات‭ ‬الشعرية‭ ‬الرائعة‭ ‬والضيافة‭ ‬التي‭ ‬امتازت‭ ‬بالأناقة‭ ‬والكرم‭ ‬البصري‭ ‬الباذخ‭. ‬ولذا‭ ‬أدعو‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد‭ ‬العريق‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬القادمة،‭ ‬أنْ‭ ‬يضعوا‭ ‬في‭ ‬خاطرهم‭ ‬مهمة‭ ‬انتقاء‭ ‬الضيوف‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬منجزهم‭ ‬الإبداعي‭ ‬وتوجهاتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬وموقع‭ ‬حضورهم‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬بلدانهم؛‭ ‬وأن‭ ‬يبتعدوا‭ ‬عن‭ ‬المجاملات‭ ‬والمنافع‭ ‬الذاتية،‭ ‬قبل‭ ‬اختيار‭ ‬ضيوف‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد‭ ‬الشعري‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬علامة‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬مهرجانات‭ ‬الإبداع‭ ‬العربي؛‭ ‬ولم‭ ‬تمض‭ ‬سوى‭ ‬أسابيع‭ ‬حتى‭ ‬تشرَّفتُ‭ ‬بحضور‭ ‬مهرجان‭ ‬تامرَّا‭ ‬الذي‭ ‬أقيم‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬ديالى‭ ‬مدينة‭ ‬البرتقال‭ ‬والبلابل؛‭ ‬بالوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقام‭ ‬مهرجان‭ ‬حديثة‭ ‬الثقافي؛‭ ‬فاحتار‭ ‬المدعوون‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬مهرجان‭ ‬سيحضرون؟‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬حضر‭ ‬ليوم‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬ديالى‭ ‬وشدَّ‭ ‬الرحال‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬النواعير‭ ‬والمآذن؛‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬تامرَّا‭ ‬كان‭ ‬التنظيم‭ ‬مدهشاً؛‭ ‬فالشاعر‭ ‬توضع‭ ‬بيده‭ ‬بطاقة‭ ‬حمراء‭ ‬زاهية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أحد‭ ‬الإداريين؛‭ ‬كأنَّها‭ ‬دعوة‭ ‬لحضور‭ ‬زفاف؛‭ ‬وحين‭ ‬يفتحها‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬موعد‭ ‬قراءة‭ ‬قصيدته‭ ‬الشعرية؛‭ ‬وتلك‭ ‬مبادرة‭ ‬حضارية‭ ‬راقية‭ ‬جداً؛‭ ‬لم‭ ‬أشهد‭ ‬مثلها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مهرجان‭ ‬حضرته‭ ‬طيلة‭ ‬عمري‭ ‬الشعري؛‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬لاحظتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬وجوه‭ ‬الشعراء‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مهرجان‭ ‬حضرته؛‭ ‬فالذي‭ ‬رأيتهم‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد؛‭ ‬وجدتهم‭ ‬أمامي‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬تامرَّا؛‭  ‬لقد‭ ‬خطرت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬فكرة‭ ‬استثمار‭ ‬مصاريف‭ ‬هذه‭ ‬المهرجانات‭ ‬لأهداف‭ ‬إبداعية‭ ‬أخرى؛‭ ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنَّ‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬مهرجان‭ ‬يقام‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬ما؛‭ ‬مكرَّسٌ‭ ‬للقراءات‭ ‬الشعرية؛‭ ‬فيمكن‭ ‬تحويل‭ ‬تكاليف‭ ‬المهرجان‭ ‬إلى‭ ‬مسابقة‭ ‬إبداعية‭ ‬في‭ ‬جنس‭ ‬أدبي؛‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬اجترار‭ ‬القصائد‭ ‬والشعراء‭ ‬على‭ ‬المنصَّة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام؛‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬مكافآت‭ ‬مجزية‭ ‬للأدباء‭ ‬المبدعين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المحافظة،‭ ‬تعينهم‭ ‬على‭ ‬طبع‭ ‬كتاب‭ ‬وسد‭ ‬رمق؛‭ ‬وهذا‭ ‬المقترح‭ ‬يسري‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المهرجانات؛‭ ‬باستثناء‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد‭ ‬المعروف‭ ‬بهويته‭ ‬الشعرية؛‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬محراب‭ ‬وفنار‭ ‬جميع‭ ‬المهرجانات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العراق؛‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬الكثير‭ ‬أنَّ‭ ‬المهرجانات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أصبحت‭ ‬تتكاثر‭ ‬بطريقة‭ ‬مثيرة؛‭ ‬فهناك‭ ‬مهرجان‭ ‬الجواهري؛‭ ‬مهرجان‭ ‬الكميت‭ ‬في‭ ‬ميسان؛‭ ‬مهرجان‭ ‬مصطفى‭ ‬جمال‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬الناصرية؛‭ ‬مهرجان‭ ‬المتنبي‭ ‬في‭ ‬الكوت؛‭ ‬مهرجان‭ ‬تامرَّا‭ ‬في‭ ‬بعقوبة؛‭ ‬مهرجان‭ ‬الفلوجة؛‭ ‬مهرجان‭ ‬هيت؛‭ ‬مهرجان‭ ‬أكيتو؛‭ ‬مهرجان‭ ‬السرد؛‭ ‬مهرجان‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر؛‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬المتنبي؛‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬الكرادة‭ ‬مثل‭ ‬مقهى‭ ‬رضا‭ ‬علوان‭ ‬وقهوة‭ ‬وكتاب؛‭ ‬إنَّ‭ ‬تنوع‭ ‬المهرجانات‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬ظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬مدهشة؛‭ ‬تفتقر‭ ‬لها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية؛‭ ‬وتحمل‭ ‬هذه‭ ‬المهرجانات‭ ‬على‭ ‬أجنحتها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأمل؛‭ ‬وستنجب‭ ‬لنا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬الإبداعية‭ ‬ونكتشف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عشرات‭ ‬الموهبين؛‭ ‬لكن‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نجتهد‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬هذه‭ ‬المهرجانات‭ ‬بطريقة‭ ‬مبتكرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام؛‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تُستهلك‭ ‬وتصبح‭ ‬رتيبة؛‭ ‬فتقفد‭ ‬أهدافها‭ ‬ويتلاشى‭ ‬سطوعها؛‭ ‬وتذبل‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬ويغيب‭ ‬عنها‭ ‬الجمهور‭.‬

مشاركة