المهاجرون الكرد .. ظاهرة خطيرة وليست عابرة – هفال زاخويي

المهاجرون الكرد .. ظاهرة خطيرة وليست عابرة – هفال زاخويي

المزايدات والشعارات الوطنية الفارغة والمزعجة غير كفيلة وغير قادرة على دراسة وتحليل  واستقراء الظواهر المختلفة وهي بالتالي عقيمة ولا تؤدي الى أي استنباط مفيد وبحث عن الحلول، وهذا الكلام يسري على كل المجتمعات والحكومات والشعوب، وبالأخص على الحكومات التي لم تفلح في التغلب على المشاكل العميقة والبنيوية التي تكون بالأصل هي السبب في ظهورها واستفحالها لتغدو بعد ذلك من العوامل الخطيرة لمقدمات الانهيار والهزات الكبرى التي تتعرض لها بلدانها وشعوبها.

الهجرة ظاهرة عالمية، لها أسبابها الواضحة والجلية وهي على الأغلب أسباب حياتية متعلقة بالعيش الكريم والمســــــــتقبل وتوفير الحاجيات المعيشية من مسكن وملبس ومأكل بالدرجة الأولى، وبالطبع يكون غياب العدالة والمساواة من الأسبــــــاب الرئيسة التي إن لم تـــــــــؤد الى أحداث تتسم بالتطرف والعنــــــف فهي تؤدي إلى الهروب من الواقع المؤلم والمزري الذي هيأ أرضية ردات الفعل.

مدة أخيرة

هجرة آلاف المواطنين الكورد في مدة الأخيرة من اقليم كوردستان باتجاه الغرب وبقائهم عالقين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا وفي ظروف حياتية ومناخية سيئة وصعبة للغاية ليست حالة عابرة أو رغبة لرحلة جميلة باتجاه اكتشاف عالم جديد من أجل الاستجمام والمتعة والترويح عن النفس، وليست هجرة من النعيم الى الشقاء كحالة تصوفية، بل أن هؤلاء المواطنين يسعون وراء مسببات العيش الكريم وهم يعلمون ويدركون المخاطر التي ستواجههم سواء في رحلة العبور أو الاقامة في الغرب الذي لم تعد دوله كما السابق لأسباب سياسية واجتماعية معروفة لا يسعنا الخوض فيها هنا.إنَّ غياب الرؤية المستقبلية وغياب الاستراتيجيات والخطط الكفيلة بتأمين ولو الحد الأدنى من المعيشة، وكذلك غياب عنصري العدالة والمساواة هي السبب الجوهري لظاهرة الهجرة الخطيرة الحالية التي انهمكت بها أجهزة الاعلام العالمية وأرهقت حكومات الغرب، وبكل تأكيد فانَّ غياب الرؤية والاستراتيجيات والخطط هي نتيجة لأخطاء متراكمة لممارسة الحكم لمدة ثلاثة عقود من الزمن، هذا السقف الزمني كان كفيلاً باحداث تغييرات جوهرية وبنيوية في المجتمع الكوردي لكن للأسف كانت هذه التغييرات بالاتجاه السلبي أكثر مما كانت في الاتجاه الايجابي، وهذا ليس معناه نفي وتغييب الجوانب الايجابية، لكن الطابع الغالب -كنتيجة لممارسة الحكم بشكله “الاشكالي” في الاقليم- هو طغيان السلب على الايجاب بسبب انعدام التكافؤ بين الجانبين، فالكفة كانت وما زالت مرجحة لصالح السلب، تحول المجتمع الى مجتمع اتكالي بسبب سياسة الاقتصاد الريعي الذي تبنته الحكومات المتتالية التي أدارت الاقليم، وكذلك بسبب ضعف أو غياب القوانين الكفيلة بتنظيم العمل للطبقة العاملة في مؤسسات القطاع الخاص التي لم تتبن مبدأ العدالة والمساواة وتأمين مستقبل العامل عبر قوانين الضمان الاجتماعي اضافة الى ظهور (طبقة جديدة) غدت هي القوة الاقتصادية المؤثرة بشكل غير مستند على القوانين الكفيلة بتحجيم الثراء الفاحش من خلال الضرائب التي ما زالت اغلب الشركات والمؤسسات الصحية الأهلية  وغيرها تتهرب منها.

تكوين حالة

هذه الأمور وغيرها كثير ساهمت تكوين حالة من انعدام الشعور لدى المواطن بذاته، وانعدام الثقة بالحكومات وخططها، والخوف الدائم من المستقبل.الحكومة الآن مطالبة بموقف جدي وصارم أكثر من أي وقت آخر مضى، وكذلك البرلمان وكذلك الأحزاب السياسية للاقدام على الخطوات الكفيلة للحد من هذه الظاهرة وانقاذ هؤلاء المواطنين الكورد العالقين على الحدود في تلك المجاهل المرعبة، هؤلاء مواطنون صالحون تركوا أعز ما لديهم بحثاً عن العيش الكريم وليسوا متمردين أو خارجين عن القانون، ويبدو أنَّ الوقت ما زال صالحاً لاعادة النظر في مجمل المشاكل البنيوية في اقليم كوردستان وذلك من خلال تبني مبدئي العدالة والمساوة… وتأمين سبل العيش الكريم لمواطني الاقليم الساعين للانسلاخ عن أرضهم بسبب الاوضاع، يجب وضع الحلول فالوقت ليس وقت البحث عن الحلول بقدر ما هو وقت وضع الحلول، وينبغي أن يعلم المعنـــــــــيون والقيّمون على ادارة الأوضاع أن تاريخ البشرية ليست مجرد شعارات وخطابات عاطفية بل كما يقول كارل ماركس : ” تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام”.

{ كاتب وباحث واكاديمي كُردي عراقي

مشاركة