المنصب في الثقافة العربية بين التشريف والتكليف – حسين الزيادي

المنصب في الثقافة العربية بين التشريف والتكليف – حسين الزيادي

هناك فلسفة خاطئة ومقلقة جداً في ثقافتنا العربية فيما يتعلق بالمنصب واراها احد عوائق التنمية، وهذه الفلسفة لا نجد لها مثيلاً في الثقافات الاقليمية والعالمية، فالمنصب في ثقافتنا تشريف وليس تكليف وهذا مما يؤسف عليه، وربما يتناسى البعض انه عندما يحصل على موقع أو منصب في محيطه الاجتماعي، فإنه يكون أمام اختبار جديد وخطير امام خالقه وامام الناس وهكذا هي الحياة ، ساحة امتحان وابتلاء في كل حال من أحوالها وقد روي عن علي عليه السلام قوله: (الْولَايات مضامير الرجال) ، فالمنصب  ليس عرشاً يعتلي عليه البعض ليأمر وينهى، وليس تاجاً ينصبه المسؤول على رأسه، بل هو خدمة لقضاء حوائج الناس والارتقاء بعمل المؤسسة بكل الاتجاهات، ويجب على صاحبه بذل أقصى الجهد لأداء واجباته الوظيفية بكل وطنية ونزاهة واخلاص، ومعاملة جميع المواطنين على قدر سواء، لا تفريق بين مواطن وآخر، وتذليل كل الصعاب أمامهم لتقديم الخدمة التي يستحقونها، وحمايتهم واستشارتهم في الامور المتعلقة بالدائرة.

من عوائق التنمية في المجتمعات العربية هي النظرة الى المنصب بوصفه تشريفاً وليس تكليفاً، وهو امر ربما ادى بالبعض الى التكبر والغرور واستصغار الاخرين، وفي احيان اخرى التجاوز علناً على البعض ممن ينتمي الى دائرته، وهذا في الحقيقة الدافع الرئيس الذي دفعني لكتابة هذا المقال..

في بعض الاحيان تحجب رؤية المسؤول بفعل عبارات المديح والثناء والتبجيل وكثرة المتزلفون والمنافقون ويبدأ يعتاش على هذه العبارات متناسياً ان خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة لقلوب النوكى (الحمقى)، ويبقى شغله الشاغل استمرار البقاء في هذا المناخ وينسى المهام الرئيسة التي كلف بموجبها، فيبدأ يعيش في دوامة (رهاب السقوط) خشية من فقدانه للقيمة المضافة للمنصب، فينشغل بملاحقة كل شخص لاسيما المبدعون منهم لأنه يشعر انهم مصدر تهديد لبقائه، ويبدأ بصناعة اعداء وهميين يحاربهم بكل ماوتي من صلاحيات،  اما معاونيه فغالبا يختارهم من الطبقات الهشة خوفاً على منصبه.

ذكرى حسنة

ان تاريخ الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً مليء بشخصيات قاموا بواجبهم على أكمل وجه فكانوا أكبر من مناصبهم واستحقوا بذلك الخلود والذكرى الحسنة، ومن هنا نقول أن علينا ان نبني لثقافة جديدة تجعل من المنصب أو الوظيفة أو العمل الذي يشغله الإنسان مسؤولية وتكليف وخدمة ينبغي ان يقوم بها  على أكمل وجه، ولم يكن المنصب في حقيقة الأمر تكريماً وتشريفاً وامتيازاً لأحدٍ ، وهذا الكلام من البديهيات المؤكدة في سماء الحقيقة وإن اختلف في كثير من الأحيان على أرض الواقع نتيجة فلسفة خاطئة تعايشنا معها لسنوات طويلة، علماً ان ان عبارة (تكليف لاتشريف) باتت دارجة وغالباً ما تكون جداراً يتذرع به المكلف ويخفي خلفه دوافع نفسية تغذيها الثقافة الاجتماعية فتظهر بشكل او بآخر في تصرفاته وبعض قرارته بشكل مباشر او غير مباشر.

إن مما يؤسف له حقاً، اننا نمتلك منظومة اسلامية وبعد تاريخي وضاء تركنا العمل به ونبذناه وراء أظهرنا، واتخذناه مهجوراً، فالأمم تقتبس من تراثها ما ينير لها مستقبل أجيالها، ان عبارة الامام علي عليه السلام بكل نقائها وسموها تعد اعظم دستور إنساني بعد القرآن الكريم تحفظ للإنسانية حقوقها وكرامتها وتبلغ بها مبالغ الكمال، وهي دستور ملهم للعقول لكل صاحب منصب : «وَأَشْعِر قَلْبك? الرَحْمَة للرعِيّةِ وَالْمَحبةَ لَهمْ واللُّطْف بالإِحْسان إِلَيهِمْ وَلاَ تكونَن عَلَيهِمْ سبعاً ضارِياً تغْتَنِم أَكلَهم، فَإِنَّهمْ صِنفَانِ إِمَّا أَخ لَك فِي الدينِ وَإِمَا نظير لَك فِي الْخلْق).

ان النظرة الى المنصب ومساءلة المسؤول بأطر حضارية تشكل حجر الزاوية في انشاء دولة ديمقراطية قوية ،وان  تجسير الهوة النفسية بين صاحب المنصب والمواطن أمر بالغ الأهمية لبناء شخصية وطنية واثقة ومتمكنة، ولاشك ان ترك المسؤول يمارس سلطاته بهواه وكما يحلو له وكانه ظل الله على الارض سيدفعه الى التمادي والغطرسة ، ان الشعوب التي تهاونت في استخدام حقوقها المشروعة، واحاطت الحكام بهالة من التقديس والتبجيل وتركتهم يعملون حسب اهوائهم دفعت الثمن غاليا بعد استفحال امر اولئك الحكام والمسؤولين وتنمرهم على من كان سببا في وصولهم الى مراكز السلطة.

واخيرا ينبغي ان يتضح وهذا بات معروفاً في الساحة العراقية ان لعبة المنصب تقوم على اسس انتقائية متغيرة على الاغلب الاعم بحسب تغيرات الاوضاع السياسية للبلد ، وهو بهذا لا يتمتع بديمومة البعد العلمي او الاخلاقي للشخصية، وقد  يبدو الامر مدمرا إذا ما اعتقد الشخص بديمومه المنصب لأنه لا يستطيع التعايش مع المجتمع في حال فقدان المنصب او انتهاء مدة تكليفه..

مشاركة