

فاروق الدباغ
في زمن تتقاطع فيه المصالح وتضيع فيه القضايا العادلة بين التصريحات المزدوجة والتحالفات المشروطة، تنهض المقاطعة الاقتصادية كأحد أنقى أشكال المقاومة المدنية وأكثرها تأثيرًا. لم تعد المقاطعة مجرد امتناع عن الشراء، بل أصبحت فعلًا سياسيًا بامتياز، صوتًا شعبيًا موازٍ لصناديق الاقتراع، يعبر فيه الأفراد عن موقفهم الأخلاقي عندما تعجز الحكومات عن ذلك. تتجلى هذه القوة الشعبية في ما يحدث اليوم مع شركة كوكاكولا، إحدى أكبر علامات الاستهلاك في العالم، التي فوجئت بتراجع مبيعاتها في الأسواق الأوروبية ذات الكثافة العربية، إثر موجة مقاطعة انطلقت ردًا على ارتباطها المباشر أو غير المباشر بدعم الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل عدوانه على الشعب الفلسطيني. لم تتأخر الشركة في محاولة احتواء الموقف، فلجأت إلى حيلة تسويقية مكررة، حيث بدأت بطباعة أسماء عربية مألوفة مثل “محمد، علي، عمر، أحمد” على عبواتها، في محاولة لإعادة ربط منتجها بالهوية الثقافية التي تقاطعها.
لكنها لم تدرك أن وعي الشعوب لم يعد يُخدع بسهولة، وأن الاسم على العلبة لا يغطي الدم في غزة، ولا يُلغي شراكة ضمنية مع كيان يمعن في القتل والتدمير. في هذا السياق، تبدو المقاطعة أكثر من مجرد رد فعل، إنها أداة شعبية ديمقراطية بامتياز، تتجاوز الحدود وتضرب في العمق. فحين يقرر الملايين سحب ثقتهم من منتج ما، لا لأن طعمه تغير، بل لأن قيمه سقطت، يصبح لذلك القرار أثر حقيقي يربك مجالس الإدارة ويستدعي اجتماعات طارئة. الرسالة واضحة: لم يعد المستهلك العربي والمسلم رقماً في قوائم الأرباح، بل ضميراً حياً يربط الاقتصاد بالأخلاق، ويستعيد مكانته كمؤثر حقيقي في معادلة القوة. المقاطعة، بهذا المعنى، ليست فقط وسيلة للضغط، بل تعبير عن هوية أخلاقية تتشكل من جديد، وتُعلن أن الشعوب قادرة على الفعل حين تصمت الأنظمة.
وإن لم تكن المقاطعة كافية وحدها لإيقاف آلة الاحتلال، فإنها تضعف شرعيته، وتكشف وجهه، وتزعزع أركان الدعم الذي يتغذى من الأسواق الصامتة. إنها بداية تحوّل حقيقي، يقوده أفراد قرروا أن الكرامة لا تُشترى، وأن لا قيمة لأي منتج فوق حياة إنسان.
كيف هي المقاطعة في بلدك ؟



















