مهرجان اصيلة مدرسة وبنعيسى كان مثقفا كونيا

الرباط – حاوره: عبدالحق بن رحمون
أكد المفكر والأكاديمي العراقي عبد الحسين شعبان لـ(الزمان) الدولية، إن الراحل محمد بن عيسى، «يمثل بالنسبة له المثقف الكوني، «الذي يتسامى، خارج حدود الإصطفافات الضيقة» حيث تظل جهود الراحل، أيقونة في تأسيس مركز فكري وسياسي عالي المستوى، تناقش فيه مختلف القضايا ذات البعد العالمي.
كما وصفه أنه «يمتاز بجملة أنيقة، وفكرة رشيقة، وعبارة عذبة، بهذا المعنى أعطى «صورة حقيقية لما يجب أن يكون عليه المثقف والمثقف الكوني بالتحديد.»
وأكد في هذا الاطار، المفكر الحسين شعبان، في حواره مع صحيفة (الزمان) بمناسبة مشاركته في»خيمة الإبداع»، المخصصة لتكريم روح ومسيرة مؤسس منتدى أصيلة وأمينه العام السابق، الراحل محمد بن عيسى، تحت شعار: “محمد بن عيسى.. رجل الدولة وأيقونة الثقافة”، في إطار فعاليات الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي الـ 46 ، التي تنعقد من 26 أيلول (شتنبر) إلى 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2025 بحضور شخصيات بارزة من الأوساط الدبلوماسية والفكرية والثقافية، أن بن عيسى «يمتاز بجملة أنيقة، وفكرة رشيقة، وعبارة عذبة، بهذا المعنى أعطى صورة حقيقية لما يجب أن يكون عليه المثقف والمثقف الكوني بالتحديد.»
قيم السلام والتسامح:
كما كشف المفكر شعبان وهو يرسم صورة عن صديقه الراحل، وقال إن بن عيسى «هو عابر لهذه الثقافات وللبعد الكوني الإنساني الذي مَثَّل القيم المهمة: قيم السلام، قيم التسامح، قيم الاستفادة من المنجز البشري وتوظيفه في خدمة الانسان، لأجل خدمة مجتمعه أولا في المغرب والعالم العربي، والمنطقة التي نعيش فيها، وخدمة الانسان في كل مكان.»
يحب الجمال والغناء:
وفي هذا الحوار كشف الحسين شعبان، حقائق تذكر لأول مرة في سيرة الراحل محمد بن عيسى من خلال علاقته بالموسيقى والمرأة، وهذه الحقائق لم تتطرق إليها المداخلات والشهادات في « خيمة الابداع. وقال إن «محمد بن عيسى أولا جميل ويحبُّ الجمال؛ هذا أولا. اثنين، كان له صوت جميل أيضا، يغني لمحمد عبد الوهاب، ويغني أحيانا لفريد الأطرش، ويطرب حقيقة، ويحترم المرأة، وهو مؤمن بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل. للأسف لم يجر التطرق خلال الحديث في «خيمة الإبداع عن موقفه من المرأة على سبيل المثال.
وأضاف المفكر والأكاديمي شعبان، وهو يتحدث عن موقف بن عيسى من المرأة، وقال» لذلك كان كثير من النساء معجبات بمحمد بن عيسى يرونه الرجل الجنتلمان، الذي يحترم المرأة ويقدر مكانتها، ويقدر دورها في الحياة، ويسعى لتمكينها وتأهيلها، وفي نفس الوقت يتعامل معها باحترام كبير وبرقة عالية.»
وتابع «ولذلك مثل نموذجا حقيقيا للرجل العصري الذي يميل الى الحداثة وإلى التنوير والى الشعور بالمساواة الانسانية. وهذا مهم جدا. «
شعبان و اليوسفي وبن عيسى وبن زكري:
كما أبرز المفكر والأكاديمي العراقي عبد الحسين شعبان جوابا على أسئلة (الزمان) روابط الصداقة والعلاقات المشتركة التي جمعته بالراحل محمد بن عيسى وأيضا بشخصيات سياسية وحقوقية وفكرية بالمغرب. وقال « في الواقع ربطتني علاقة طويلة الأمد نِسبيا مع الراحل محمد بن عيسى، وهذه ترافقت مع عدد من الأصدقاء المغاربة في آن واحد، منذ النصف الثاني من التسعينيات؛ ارتبطت بصداقة تعمقت مع مرور الأيام مع الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، الذي كان زميلا لنا في المنظمة العربية لحقوق الانسان، وفي اتحاد المحامين العرب، وفي اتحاد الحقوقيين. وعندما أصبح رئيسا للوزراء استدعانا لحوار، وهذا الحوار منشور نشرته في كتابي الذي هو بعنوان «سعد صالح..الضوء والظل»، وعدت وكتبت عنه مادة مطوله بعد رحيله بعنوان «عبد الرحمن اليوسفي: «الإجماع حين يكون استثناءً « .
وأضاف الأكاديمي شعبان، أن صداقته ارتبطت بنفس الفترة بعلاقة صداقة أيضا «مع محمد أوجار، وزير حقوق الإنسان آنذاك، ومع الأستاذ عبد العزيز البَناني، ومع إدريس بن زكري، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، موضحا» أن هذه كلها صداقات ممتدة مع الصديق الراحل محمد بن عيسى، الذي التقيت به في بلدان مختلفة.»
وجبة غذاء في ضيافة الملك عبد الله بالسعودية:
كما تطرق الحسين شعبان وهو يتذكر في حديثه مع (الزمان) أبرز اللقاءات التي جمعته بالراحل بن عيسى، التي كانت بالسعودية، وقال « كان هناك جمع من الموجودين في باحة معينة بعد حفل غذاء، أقامه ولي العهد آنذاك الملك عبد الله لاحقا. وعندما انتهى حفل الغذاء ازدحم المشهد عند الباب، فأنا تباطأت أقدم خطوة وأؤخر خطوة أخرى لكي يتقدم محمد بن عيسى علي، وهناك مجموعة من الأمراء كانوا، فما كان منه بطرافته المعهودة إلا أن قال بصوت عال : «لا، لا، لا، لا يمكن لي أن أتقدم أنا على مركز فكري عريق». فالتفت الأمراء إلى الخلف وإذا بهم يشاهدون حوارنا أنا ومحمد بن عيسى.»
أكاديمية بن عيسى للثقافة والدبلوماسية:
وعن علاقته بأصيلة قال المفكر شعبان جوابا على سؤال (الزمان) «حضرت موسم أصيلة على مدى هذه السنوات الطويلة، ودائما كان محمد بن عيسى، يمثل بالنسبة لي مدرسة، بل هو أكاديمية حقيقية.»
وأضاف أن أبواب هذه الأكاديمية مختلفة، ومن بينها «باب الدبلوماسية وخاصة الدبلوماسية الثقافية التي تمثل القوة الناعمة لاستخدام الأدب والفن والقيم الإنسانية التي وظفها مع الثقافة لخدمة الهدف الأسمى ذات البعد الإنساني.»
وتابع شعبان في حديثه أن «هذه الأكاديمية لها باب أخرى هي باب الثقافة بالأساس، وهذا الباب هو باب واسع لأن الثقافة تؤدي إلى التنمية، ولا تنمية بدون ثقافة، ولا تنمية بدون سلام، أي أن الثقافة تحتاج إلى سلام، ولا سلام بدون عدالة، أي أن السلام يحتاج إلى عدالة، لذلك هذه القيم المشتركة تنغرس في فكرة المواطنة التي تقوم على الحريات، وسعي لتوسيع دائرة الحريات، وتقوم على المساواة بين البشر بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي، أو اللغة أو العرق أو الدين أو غير ذلك، وتقوم أيضًا على فكرة العدالة. ودائما ما كان يؤكد أيضا أن العدالة الحقيقية هي العدالة الاجتماعية.»
العدالة الاجتماعية لا تستقيم مع الفقر:
وشدد الأكاديمي شعبان خلال حديثه مع (الزمان) أن «العدالة الاجتماعية لا تستقيم مع الفقر»، وشدد أنه لابد من القضاء على الفقر ، وبالتالي لا بد أن تقوم العدالة الاجتماعية على الشراكة والمشاركة. وقال «كنا نكرر نحن شركاء في هذا الوطن ينبغي أن نكون مشاركين باتخاذ القرار، بمعنى توسيع دائرة المشاركة الوجدانية الصميمية التي تعبر عن رأي الناس، وتوسيع خيارات الناس في الاختيار.»
كما استعاد المفكر الأكاديمي شعبان، ذكريات صداقته وعلاقته المتواصلة مع الأمين العام لمنتدى أصيلة ووزير الخارجية السابق محمد بن عيسى، وقال إنه «كان فردا لكنه مَثَّلَ المَجمُوع»، موضحًا « لا يمكن أن نتصور محمد بن عيسى إلا مجموع، هو واحد لكنه مثل المجموع.»
كما كشف شعبان، أن «كل واحد منا وجد في محمد بن عيسى يمثله بشكل من الأشكال، واعتقد أنه صديقه المفضل أو الأقرب إلى نفسه، هكذا كان يشعر الجميع على قدر من المساواة والحميمية والصميمية التي كانت طافحة بابتسامته العذبة في واقع الأمر.»
الشرق والغرب:
وجوابا عن علاقة بن عيسى بالشرق والغرب، أبرز المفكر شعبان أن بنعيسى «مَثَّلَ جسرًا بين المغرب العربي والمشرق العربي، ومثل جسرا بين بين أمريكا اللاتينية وأفريقيا بل والعالم خصوصا أسبانيا، البرتغال، فرنسا والخليج والعالم العربي.

الجسر الإنساني المشترك:
وشدد شعبان في حواره على «ضرورة الحفاظ على هذا الجسر، وقال «هذا الجسر لابد من إدامته. لا بد من مواصلته لأنه جسر يمهد للمشترك الإنساني.»
وهنا كشف شعبان، أن محمد بن عيسى «سعى إلى تعظيم المشترك الإنساني، وسعى في الوقت نفسه إلى تقليص الفوارق واحترامها؛ أي تقليص الفوارق ليس لوحده كافيا، وإنما احترام هذه الفوارق على أساس الحق في الاختلاف، والحق في التنوع، والحق في التعددية.» موضحا أن منتدى أصيلة الذي «يستمر مُعَمِّرًا منذ ستة وأربعين عامًا إلى اليوم هو التعبير الحي والأصيل. أولا عن مدينة أصيلة الأصيلة كما كتبت عنها قبل سنوات «أصيلة الأصيلة»، هو تعبير حي عن هذا التلاقح بين الحضارات والثقافات وبين الشرق والغرب، وبين شرق العالم العربي ومغرب العالم العربي.»
وأضاف «بهذا المعنى كان محمد بن عيسى يمثل بوصلة حقيقية للبحث عن هذه المشتركات الإنسانية.
وفي سياق هذا التنوع والاختلاف الذي تميز بهما بن عيسى قال المفكر شعبان موضحا أن بن عيسى الذي «تشبع بالثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، احترم التنوع والاختلاف، واحترم اللغات والحضارات الأخرى في المغرب وخارج المغرب.»

عيد السنة الأمازيغية:
أما فيما يتعلق بالأمازيغية قال المفكر العراقي شعبان، «أعرف موقف بن عيسى من الأمازيغيين وحقوق الأمازيغيين التي أقرتها الدولة المغربية بقرارات ملكية عُليا، خُصوصًا الاعتراف بالاحتفال برأس عيد السنة الأمازيغية، أسوة بعيد السنة الهجرية وعيد السنة الميلادية. «ولَعمري هذا التطور الذي جسدته الإرادة الملكية ولقى اهتمامًا كبيرًا من جَانب المُثقفين الذي مهد السبيل له، هو هذه الحوارات التي دارت بعضها في أصيلة، وبعضها في أماكن أخرى.»
نموذج المجتمع المدني.. وقوة الاقتراح:
من جهة ، سجل المفكر شعبان في جوابه على سؤال (الزمان) الدور النموذجي والفريد الذي أسسه محمد بن عيسى والذي «مثل نموذجا جديدا للمجتمع المدني».
وقال إن «المجتمع المدني الذي لا ينبغي أن يقوم على فكرة الاحتجاج فقط، وإنما حاول أن يُحَوِّلَ المجتمع المدني إلى قوة اقتراح، بمعنى تقديم لوائح وأنظمة وقوانين، لما ينبغي أن يكون عليه مسكوكات ومدونات خرج بعضها من الحوارات التي جرت في منتدى أصيلة، ليس على صعيد المغرب أو العالم العربي فحسب، وإنَّما على العلاقة مع العالم الخارجي وأقصد أفريقيا وآسيا وأمريكا وأوروبا.»

متعدد الثقافات .. عاش في عدة قارات:
في سياق متصل، أبرز الحسين شعبان الثقافة الواسعة التي تميز بها محمد بن عيسى، وقال «كان متعددة الثقافات لأنه عاش في قارات.» موضحا أنه «عاش في قارة أمريكا وعاش في قارة أوروبا،وعاش في قارة أفريقيا، وعاش في العالم العربي أيضا، ولذلك كان خليطًا وإن تميز بلغته العربية الفصيحة ومعرفته وإتقانه للغات الأخرى أيضا. وبنفس الوقت مَثّل خليطًا لهذه الثقافات،أخذ أفضل ما في هذه الثقافات ليَدلفَها ويَمزجُها بطريقة كيمياوية حقيقية، وكأنه محلل في مختبر كيمياوي رَصين، يخرج منها الجواهر.»
الإعلام والثقافة البصرية :
وسجل المفكر شعبان في متابعته الحديث عن ماتميز به محمد بن عيسى وخصوصا علاقته الاعلام والثقافة البصرية، وقال إنه «مَثَّل أكاديمية متعددة الفروع ، متعددة الأبواب» موضحا أنه «يمكن واحدة من منطلقاته الأولى هو الثقافة السمعية، حيث اشتغل بالإذاعة، والثقافة بالكلمة، كما اشتغل بالصحافة والثقافة البصرية. كما هو متذوق رئيس؛ بل يعتبر حجة ونموذج في الاختيارات الفنية…ثقافته البصرية مهمة، وذوقه عال وأناقته عالية جدًّا.»
وأضاف «خسارتنا فادحة فقدان الصديق محمد بن عيسى. وأختم بهذا القول أقول:
«ما أخطأتك النائباتُ
إذا أصابت من تحب»
أما الجواهري فيقول:
«يظل المرء مهما أخطأته/ يدُ الأيام طوع يدُ المُصيبِ»
الموت سيمسكه كل ما عليها فان .. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.. كل نفس ذائقة الموت.
شيئان بالحياة مطلقان.. الموت والتغيير:
وخلص الدكتور المفكر شعبان في أجوبته على أسئلة (الزمان) : «شيئان بالحياة مطلقان، الموت مطلق، والتغيير مطلق» وقال لا ثبات، لا سكونية بالكون، كل شيء يتحرك بالكون، وكل ما عدا الموت والتغيير هو نسبي.
كُلّنا نحن على هذا الطريق، رحمة الله على روحه الطاهرة.
وروح محمد بن عيسى، ترفرف في هذا المكان، في أصيلة، بل ترفرف، مثل حمامة سلام على رؤوس المثقفين من مختلف التيارات والاتجاهات واللغات والأشكال والألوان وكل شيء.»



















