المفكرة – ايمان عبد الحسين

392

قصة قصيرة

المفكرة – ايمان عبد الحسين

اغلبنا اذا ما طوقته الافكار والهواجس وراحت تحيط به وتتزاحم على دواخله ولا سبيل الفكاك من اسرها فانه حتما سيقوم بالبحث عن وسيلة ينفض فيها هذه الافكار والهواجس وان لكل واحد منا طريقته في انهاء مرارات قسوتها فالبعض يستغرق في النوم والبعض الاخر ينقض على الاكل فيلتهمه بشراهة اما انا فانتمي إلى الناس اذا ما اصابتهم مصيبة وتنامى لديهم الشعور بالاختناق فانهم يعتمدون الامساك بالقلم ويخطون ما في دواخلهم من عبارات ليحمون انفسهم من التفتت، ويحققون لها قدراً من التماسك، وان المواد المستخدمة لدي ما كانت سوى قلم رصاص ومفكرة لا تعود الى السنة التي كنت ادون فيها انما تعود الى ثلاث سنين سابقة كنت قد اشتريتها ولم ادون فيها شيئا وبقيت على حالها والان جاء دورها وازدادت أهميتها في اعتقادي حين تنبهت على مواجهة طغيان العمر فهذه الصياغة بدات اتبعها عندما اوشكت على الاقتراب من الستين، ما وجب علي من الان وصاعدا حسب اعتقادي كتابة وتدوين كل شيء ، امضي إلى هدفي من خلال سياق ممنهج وبما ان الافكار التي تنتايني ليست على مستوى واحد من الاهمية فصار لدي ميلٍ واضح على فرز الاهم من المهم ، بدات بتقسيم المفكرة الى اقسام ثلاثة وما اعانني في ذلك انها تحتوي على اوراق بالالون ثلاثة ايضا فكان اللون الاخضرلللأهم واللون الاحمرللمهم اما الاصفر فكان من نصيب الاقل اهمية واذا كان في الامكان تغليب بعض الافكار على غيرها نتيجة لتكرار الحاحها على الذهن سوف تستاثر حتما بالباب الاكثر اهمية ، فرحت ادخل معلومة اثر اخرى وفقا لذلك ونتيجة لمقدار من التخطيط القائم على فكري المنظم على الرغم من انني إلى حين غير بعيد كانت الفوضى جزءا من شخصيتي. فلا بد من الاعتراف اذن ان اليوم ليس كالامس كما فلا بد من الاعتراف اننا نبدء ندرك قيمة الوقت ونخاف من اهداره بعد فوات الاوان ، وخوفا من النسيان ومن تعب الذاكرة وعلى وقع الهزائم التي حملتها ذاكرتي المتعبة لم تكن المحاولات التي دفعتني للكتابة وقفاً على ما بداته بل تجاوزت ذلك حتى امتدت ، لتشمل تدوين كل شيء وباتت هذه هي لعبتي المسلية فرحت أدقق في كل شخص وحدث يدور حولي وان جميع الاشارات التي دونتها في المفكرة عبر فترة من الزمن والتي التقطها من الاحداث اليومية كمواضيع لقصص قادمة كانت الأشد اهمية والأكثر قدرة على منحي الراحة والطمانينة باعتبارها ستكون سلوى لاسنين قادمة وان محاولتي في الفترة الاخيرة البحث وتلمس العثور والتقرب الى اشخاص لم اكن على صلة بهم رغم انهم يحيطون بي من سنين عديدة لاكتشف أن لهذه الصلة مع الآخر فوائد عديدة تجعل من دائرة معارفنا تتسع وتمتد وتسهل علينا ثقل الوقت وسأمه، فكانت معظم الموضوعات التي ركزت عليها بشكلٍ أساسي تتمثل على ما يحيط بى من احداث في محيط عملي الذي بعد اشهز قليلة سوف اتركه بلا عودة فاستثمرت ما يدور حولي من مشاهد فكانت في تدوين تفاحة صديقتي اميرة التي اخذت تدور من غرفة الى اخرى في الدائرة حتى صارت في النهاية في يد طفل كان ابنا للاحد الموظفات عسى ان يكون موضوعا لقصة قادمة، او تدوين لمقتطفات من قصيدة تذكرني في صباي ، وفي مواجهة حدث يبدو لي غير طبيعي، او صورة بائسة لواقع مفروض، واحيانا في سبيل الخروج من مازق سبب لي نوعا من الارتباك والحيرة وقد بدا الامل في الحصول ما اريده يبهت فمنذ ست سنوات والنتيجة ذاتها وحين تيقنت استحالة الحصول عليه بعد قرب التقاعد للاشهر قليلة دونته ايضا.

وهكذا وتحت وطأة الواقع وتحت ذرائع النسيان أخذت تكبر المفكرة رويداً رويدا وامتدت و توسعت دائرة كتاباتي فيها بحيث باتت اي حادثة او واقعة الا وتجد لها مكانا في المفكرة فاخذت في بعض الاحيان اكتب كل شيء يكون محور اهتمامي في فترة ما ويعطيني احساسا بالمتعة وفي بعض الاحيان يكون لا مانع لدي من اضافة معلومة عن فلم شاهدته واعجبني او عن معلومة طرحتها احدى اليوتيوبيات التي ادمنت مشاهدتها في السنوات الاخيرة وهي كيفية تنظيم الغرف او كيف تغسل الصحون اوكيفية ازالة التجاعيد من خلال ادوات منزلية فكل شيء اصبح  قابلا لدي للتدوين في المفكرة لانه اخذ يحقق لي نوعا من الرضا فالرغم من سني فلا ضير من اتباع ما يحدث في هذا الزمن فانه عالم صارت تحكمنا فيه الكثير من الصيغ الجاهزة. وان حمّى البحث الذي صرت امارسه باستمرار، وما زلت امارسه، جعل لدي رغبة قوية بامتلاك  اية مفكرة تقع تحت يدي ولا يهم الى اية سنة تعود انما المهم هي مفكرة استطيع تدوين كل شيء عسى انها تكون خطوة باتجاه تحقيق نوع من الراحة  او إنها مجرد محاولة للتمسك بأمل ولو ضعيف يمنحني الدعم بعد نهاية الخدمة .

مشاركة