المغربي كمال أخلاقي يتحدث لـ الزمان عن حكايته مع القصيدة

261

المغربي كمال أخلاقي يتحدث لـ الزمان عن حكايته مع القصيدة
الشعر جعل منّي صعلوكًا ليلياً وشبحًا لا يرى نفسه بالنَّهار
حاوره عبدالحق بن رحمون
كمال أخلاقي شاعر مغربي له أكثر من جبل، وأكثر من حزن في إشراقات الأبد. إنه شاعر كان على مشارف الموت، لكنه عاد إلى الحياة بمعجزة وبإلحاح منها أي الحياة ليكتب قصيدة كانت بانتظاره، مثل أي امرأة تعشقه، إذ حدث فجأة أن لوحت له بيديها من بعيد في ابتسامة جد متفائلة حد الجنون. وعندما زالت منه الحمى كان يمد يده العرقانة إلى ماء القصيدة وينتشل جثته منها ويحيا من جديد، وهذا بعض من خلجات ودفقات صدق روحه الحزينة لما قال في قصيدة أفعال لأجل لاشيء
سوف يأتي دوري
عندما تذهبون جميعا إلى الحياة
سأكون فارغا وجاهزا لأخذ نصيبي بالكامل
فقط لا تلتفتوا لخيالاتي
ربما تتعثرون بلزوجتها
في الطريق
عدا ذلك فأنا ضاحك
وليس لدي ما أخشاه
بالأمس شربت كأسا ووقفت طويلا أمام المرآة
ولهذا نجد كمال أخلاقي شاعر على أقل من الانتظارات المشرقة ببصيص من الأمل المنشود، بعد أن كابد مرارة المرض والألم، وعاش تجربة شعرية مريرة استلهم منها قصائد كانت تتقطر بمعاناة اعتصرها في أبجدية توسل منها متنفسا، وترجمة لمكابداته. وقال لـ الزمان أفضل أن أحيا بغزارة كي أكتب أقل، مؤكدا في ذات الوقت أن التجربة في الحياة هي مدخل أساسي لخلق التجربة الشعرية، أما النشر فهو في رأي كمال أخلاقي غالبا ما يخضع لترتيبات من نوع مغاير، وقد يتحول عند البعض إلى سلطة ضاغطة وهذا هو المأزق الأخطر.
وفي حديث كمال أخلاقي عن حكايته مع القصيدة يقول إنها كثلة مكثفة من أفكار وأمكنة ورؤى وتفاصيل، لا يمكن العثور عليها في الكتب ، مؤكدا من جهة أخرى أنها هي التي تميز بصمة الشاعر في النهاية.
وفيما يلي إليكم تفاصيل حديث هذا الشاعر عن حكايته مع الشعر الذي دار في الحوار التالي
ماحكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبها والمراحل التي تمر منها ؟
أنا أفضل أن تسألها عن حكايتها معي، فأنا أبدو كالعبد المأمور هي التي تحدد موعد اللقاء وهي التي تخلف الوعد مرات ومرات وهي التي يحق لها طرق بابي دون استئذان، وهي التي جعلت مني صعلوكا ليليا، وشبحا باهتا لا يكاد يرى نفسه بالنهار، وهي التي تكتبني دون أوراق ودون حبر هي القاتل وأنا المقتول، هي التي في حضرتها أرتعد وفي غيابها أرتعد.
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟
لا شعر بدون صدق، أعتبر الصدق مكونا أساسيا في الشعرية والقول الشعري وهو العملة الغير قابلة للصرف وهو أيضا وجه الشاعر في مرآة القصيدة وما بعدها، أما الخيال فهو من أكبر الفخاخ المنصوبة في طريق الاستعارة.
المناوشات الذهنية
ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك؟
هي مثل فيروس السيدا القاتل، المرحلة الأولى مرحلة كمون تتشعب بهدوء في شريان الدم والأعصاب لكن دون أعراض واضحة بعد ذلك تبدأ المناوشات الذهنية على جبهة الأرق قبل أن تنتقل إلى جبهة الورق حيث تدور أمُّ المعارك، تاركة وراءها عشرات القتلى من السجائر وكؤوس النبيذ وأسطوانات موسيقى الكانتري. لكن الحمى عندما تزول أمد يدي العرقانة إلى ماء القصيدة وأنتشل جثتي مني وأحيا من جديد.
هل بمستطاعك أن تكتب قصيدة كل يوم؟
مستحيل..مستحيل؟؟ حتى لو حاولت أنا ولم يسبق لي أن حاولت في ذلك فهي حتما ستمانع لأن المغامرة تسوء و قيمة فعل الكتابة هي في تلقائية وطراوة الكلمات والجمل والأفكار وأكبر تهديد قد يشل حركة تكوين القصيدة هي سلطة الشاعر وتسرعه لإنجاز المهمة.
تظل اليد حيرى
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
القصيدة التي لم أكتبها يا صديقي، هي القصيدة الحلم المكتملة المختومة بأحمر الاستعارة اللامع، الذي تتراءى لي مياهه من بعيد دون قدرة على لمسه، تظل اليد حيرى لا تمسك بما يجري به النهر إياه..إنها طائر النهر الّذي لا أراه أما القصائد القديمة فهي كثيرا ما تبدو شاحبة و تنقصها لمسة ما لتعيد لها بريقها، ربما تشيخ، لكنها حتما لا تموت في لاوعي كاتبها وقارئها أيضا ربما..
هل فعلا كل قصيدة كتبتها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟
ربما عشر خصلات أو أكثر.. كلما لمست ما تبقى من شعر الرأس أحسست بفداحة الورطة. لقد غزاني الشيب وأنا في السنة الثانية بعد الأربعين لهذا سأهتف في وجه الحاضر هرمت.. هرمت من أجل هاته المجاهل التي تقذفها نحوي عيون القصيدة.
لايهم تساقط الشعر
دائما أنت تخاف من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدو مثل تلميذ مواظب على الحضور، وخوفك من هذا المجهول هل يوازيه خوفك من تساقط شعرك وإصابتك بالصلع؟
لايهم الصلع، لايهم تساقط الشعر، ليس مهما ولا مخيفا أن تجف القريحة، ولا تهم المواظبة والحضور، المهم هو أن تكون شاعرا، وحين تكونه بالفعل ستدرك بكل تلقائية أن كل هاته الأمور تبدو ثانوية، وأحيانا تافهة، ستدرك أنك عشت حياتك لتكون شاعرا فقط.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لاينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟
شخصيا، أفضل أن أحيا بغزارة كي أكتب أقل فالتجربة في الحياة هي مدخل أساسي لخلق التجربة الشعرية وبهذا المعنى تصير القصيدة كثلة مكثفة من أفكار وأمكنة ورؤى وتفاصيل، لا يمكن العثور عليها في الكتب فقط وهي التي تميز بصمة الشاعر في النهاية، أما النشر فهو غالبا يخضع لترتيبات من نوع مغاير وقد يتحول عند البعض إلى سلطة ضاغطة وهذا هو المأزق الأخطر.
هل أنت مقتنع تماما بوجود ضرورة أن يمارس عليك أحد ما وصاية على ما تكتبه، ويحاسبك على أخطائك ويتغاضى على صوابك؟
إذا كان الأمر يتعلق بالنقد وبالقراءة والتوجيه فهذا سيكون أمرا جيدا، لكن للأسف عمل الناقد في مجال الشعر، وخصوصا في المغرب به نقص كبير ولا يواكب غزارة وتنوع الإنتاج الشعري عندنا. أغلب ما يكتبه النقاد المغاربة وهم في الغالب شعراء فهو يتناول تجارب مشرقية وخليجية حتى يتسنى لهم نشرها في المجلات التي تمنح المكافئات المالية للكتاب، وحتى ينسجوا علاقات تمكنهم من زيارة أكبر عدد من البلدان، ربما تقاس التجارب الشعرية والنقدية عندنا بهذا المعيار.. يبدو الأمر مؤلما بالفعل.
طبقات مستحوذة للرأي
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظر مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والإبداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
لو عشنا ثورات ثقافية بالفعل في السابق لما احتجنا لكل هذا الدم لنُزيل حاكما متجبرا وديكتاتورا مجنونا..لأن الثورة الثقافية الحقيقية لا يمكن أن تنجب مثل هاته الأنظمة التي لم تأت من كوكب آخر بل أنتجتها طبيعة الثقافة السائدة التي تكرس الجهل والفساد و الوصولية…أنا متأكد أننا بعيدون كل البعد عن بلورة قيم مجتمعية وثقافية تحدث تغييرا ما وكل ما سيقع ويقع هو استبدال المساحيق والأصباغ التي لا تتحكم فيها طبقات مستحوذة للرأي والسلطة والثروات، وهنا يحضرني مقطع شعري للشاعر المكسيكي الرائع أوكتافيو بات يقول فيه إننا لا نعرف ما ان كنا نعيش شروقا أم غروبا لقد ولى زمن الأفكار العظيمة دون رجعة .
حلبة الكبار
هل من الضروري أن تكون منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء…. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك من يرى أن الشاعر قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟
كنت في السابق أتمنى أن أصير عضوا في اتحاد كتاب المغرب، و كان يبدو لي الأمر غاية في الأهمية لتحقيق الوضع الاعتباري والدخول لحلبة الكبار، الآن بعد سنوات طويلة من تحقيق ذلك، أكتشف كم كنت واهما، بل غبيا، لأن هاته المؤسسة تتصل بي كل ثلاث سنوات، من أجل أن أدفع في حسابها المالي مبلغ 300 درهما، مقابل حضور مؤتمر لا أعرف ما جدوى انعقاده، لا أذكر أن استدعاني اتحاد كتاب المغرب لحضور مهرجان شعري، أو ملتقى خارج مدينتي، وحتى عندما زرت العراق بدعوة من وزارة الثقافة العراقية لحضور مهرجان المربد الشعري سنة 2009 وكنت المغربي الوحيد الذي لبى هاته الدعوة، رغم خطورة الوضع الأمني، لم يكلف اتحاد كتاب المغرب نفسه عناء مكالمة هاتفية لشكري، على تمثيل الثقافة المغربية. لا يهمني الآن أي اعتراف، فأنا شاعر مغربي، عضو اتحاد كتاب المغرب الّذي كنت أحلم بالانتساب له، والأكيد أنه غير موجود في الواقع.أما بيت الشعر فقد أخبرني الشاعر محمد بنيس بعضويتي فيه وكنت آخر عضو يكمل اللائحة طبقا للقانون الأساسي للبيت، حين فوزي بجائزته قبل أن تحول بطاقة عضويتي إلى شاعرة أخرى أهم وأجدر بها مني.
/4/2012 Issue 4183 – Date 25 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4183 التاريخ 25»4»2012
AZP09