المغربية نجوى الهجهوج تذكّر بالأندلس الضائعة

280

المغربية نجوى الهجهوج تذكّر بالأندلس الضائعة
البساطة تغدق الألفة على الجمال
فيصل عبد الحسن
أفتتح المعرض التشكيلي للفنانة نجوى الهجهوج في قاعة النادرة بالرباط يوم 12 أبريل 2012 وقد تميزت لوحاتها المعروضة بكونها امتدادا لأسلوبها في الرسم في معارضها العديدة السابقة، التي بدأتها بمساهمتها بعدة لوحات في معرض جماعي عام 2000 في معهد موسيقي تمارة في مدينة الرباط تحت عنوان موسيقى وألوان و كذلك في المعارض التالية بعد تلك السنة، في معارض جماعية و فردية، وأسلوبها المتميز في الرسم يمزج بين الرسم التجريدي، والرسم الواقعي، وقد تميزت واقعية الفنانة من خلال رسمها لشخصيات مغربية بسيطة، وهي تؤدي أعمالا أو تقف كبورتريه لرسمها، وهي بزيها التقليدي المتعارف عليه في المجتمع القروي المغربي، والفنانة كعادة الواقعيين منذ الفنان الفرنسي الواقعي الأول كوربيه الذي أشتهر بلوحة الجناز عام 1848، والذي رسم في لوحته الشهيرة تلك صورة تمثل جنازة ومشيعيها وكان مع المشيعين كلب المتوفي وقد بدا على الكلب في اللوحة الحزن الشديد لوفاة صاحبه، ومن تلك اللوحة الريفية الحزينة أنطلق أسلوب الرسم الواقعي في فرنسا، وقد أنطلق في إيطاليا قبله بقرنين وبالضبط في القرن السادس عشر على يد الفنان الايطالي كارفاجيو والذي أهتم برسم الحرف الزراعية، والصناعات التقليدية في الريف، والمزارع على أطراف المدن، وقد اهتمت الفنانة المغربية نجوى الهجهوج برسم الملابس التقليدية، وبرعت في أظهار جمالها، وتنوعها، وربما يعود سبب هذا إلى دراسة الفنانة نجوى الهجهوج للفنون التقليدية في بدايات حياتها الفنية، وقد أورثتها هذه الدراسة المعمقة محبة هذا الأسلوب في الرسم، إذ بدت الفنانة في معظم لوحاتها مهمومة بعرض الأسلوب الفلكوري لملابس شخصياتها التي ترسمها، فصارت تلك الشخصيات وكأنها قادمة من عمق البادية أو من المزارع في أحضان الوديان في جبال الأطلس.
والفنانة التي حصلت عام 2010 على شهادة استحقاق من غرفة الصناعة التقليدية في مدينة الرباط و الصخيرات، في الابداع والابتكار حصرا، وحصلت عام 2006على شهادة تقدير دولية من ادارة مهرجان الرباط الدولي تحت عنوان شباب الفرح والحياة، وأمضت السنوات بين 1991ــ2001 في دراسة حرة للفن التشكيلي، ومزج الألوان لتهذيب رؤيتها البصرية، مع دراسه لعلم النفس لمدة سنتين، وقد اعطاها هذا التنوع في الدراسة مع تجربة الحياة مخيلة ثرة وأبتكارات فريدة في المزج بين ألوانها و اختيار موضوعات رسمها، وقد أتسمت اللوحات التي عرضتها في معرضها الجديد بالخلط بين التجريد والرسم الواقعي، كما أسلفنا، مما أعطى الأنطباع لدي المتلقي بأنها لم تستقر بعد على لون خاص في الرسم يميزها كفنانة لها خبرة طويلة في عالم التشكيل، وبالرغم من أن الفنانة فطرية، وقد تتبعت التأثيرات النفسية التي تورثها حركة الفرشاة على لوحة الرسم، والألوان إلا أن ثقافة بصرية تقود فرشاتها، وتجعلها ترسم ما يحرك الذاكرة لتستعيد ذكريات واحداثا منسية، فترف على بالها كصور وامضة، كأنها قادمة من أحلام قديمة منسية، ولم يبق منها في الذاكرة غير صور مشوشة وألوان باهتة، وأخرى متلألأة بألوان حارة، مستعيدة في كثير من اللوحات الزي الاندلسي وما خلفته هجرة المورسكيين الأوائل من الاندلس إلى بلاد المغرب بعد طرد المسلمين منها، وأستقرار مئات الألاف منهم في شمال المغرب والجزائر، والذين نقلوا معهم أزياءهم، وطرق عيشهم، وفنونهم، وعمارتهم.
وفي الكثير من لوحاتها الواقعية تجد لوحات تمثل الفقيه المغربي، الذي عادة لا يسمى بهذا الأسم إلا حين يكون حافظا للقرآن الكريم ويجيد تلاوته، وهي ترسمه كما يظهر في الجوامع أو في المزارات أو في التكيات وزوايا المساجد، وهي عادة ترسمه بحجم كبير لما موضوع القداسة، للدين الاسلامي ورموزه التشكيلية في ذهنها من تبجيل وتوقير، وفي أحدى لوحاتها المعروضة بحجم كبير 1.2 م في 1.5 م يبدو الفقيه وكأنه يطير في سماء اللوحة، ويستقر جالسا فوق غيمة، وهو يفتح القرآن الكريم بين يديه ويضعه بتبجيل في حضنه، ويجلس متفكرا في الآيات التي يتلوها، وإلى جانبه ريشة سوداء تطير في السماء، ودواة كتابة إلى الجانب الآخر، والسماء الزرقاء تحيط به من كل جانب، وهو يخلع فردة من خفه ليضع قدمه فوقها والآخرى يستبقيها فيها، دلالة على الأنشغال العميق بما يفكر به، واللوحة تشعر المتلقي بالأحساس الشعبي المغربي بالاحترام العميق أتجاه الرموز الدينية، وتعكس روح التدين العميقة المغروسة في وجدان معظم أفراد الشعب المغربي، وكذلك التمسك بالهوية الاسلامية بالرغم مما يواجهونه في حياتهم من تغريب، وتأثيرات قادمة من أوربا، والتي ما فتئت تحاول إرسال حملات التنصير منذ أستعادة الاندلس من أيدي المسلمين، لمحاولة تنصير من تبقى منهم في إسبانيا بالقوة منذ عام 1492 وهي سنة سقوط غرناطة، أخر المعاقل الاسلامية في إسبانيا، وما تلا تلك السنة في العقود التالية من محاولات، وبمختلف وسائل الأغراء، والتي تحاول إلى الوقت الحاضر وبمختلف الطرق التأثير في معتقدات الناس في هذه البلاد من خلال بعثات التبشير المسيحي، وألوان وموضوعات الفنانة نجوى الهجهوج ذكرت بالإندلس الضائعة.
/5/2012 Issue 4190 – Date 3 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4190 التاريخ 3»5»2012
AZP09