المعهد العلمي في بغداد وبواكير إنشاء المجمع العراقي – ابراهيم خليل العلاف

المعهد العلمي في بغداد وبواكير إنشاء المجمع العراقي – ابراهيم خليل العلاف

عندما كتبت رسالتي للماجستير عن (ولاية الموصل :دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922) وقدمتها الى مجلس كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1975 بأشراف شيخي واستاذي الاستاذ الدكتور عبد القادر احمد اليوسف ، وقفت عند شخصية عروبية قومية تنويرية كان لها دورها في حركة النهوض العراقي منذ اواخر العهد العثماني وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921   وهي شخصية ثابت عبد النور (1890-1958) وهو كما كتبت في وقتها ( نيقولا عبد النور)   وهو خريج كلية الحقوق في استانبول ومن ال عبد النور الاسرة المسيحية الموصلية العريقة ، وقد اشهر اسلامه وتسمى باسم ( ثابت عبد النور)  .

وكان للمرحوم ثابت عبد النور دور كبير في الحركة العربية القومية في الموصل من خلال جمعيتي ( العلم) و(العهد) السريتين .  فضلا عن التحاقه بالثورة العربية الكبرى 1916 التي قادها الشريف حسين شريف مكة ضد الحكم العثماني . وخير من تابع نشاط هذا الرجل هو المؤرخ الموصلي الكبير المرحوم الاستاذ عبد المنعم الغلامي في كتابه ( اسرار الكفاح الوطني في الموصل 1908-1925) وطبع الجزء  الاول ببغداد سنة 1958 وطبع الجزء  الثاني ببغداد سنة 1968.

وقد يكون من المناسب ان اشير الى ان الاخ الاستاذ  اسامة مهدي ابراهيم جاسم قد كتب عن ثابت عبد النور رسالة ماجستير عنوانها (ثابت عبد النور .. سيرته ودوره ) .

وما يهمني اليوم ان اناقش مسألة تحدثت عنها مع الاخ  الدكتور أحمد الحصناوي ، وهي ان هناك من الكتاب والمؤرخين من يرى في تأسيس ثابت عبد النور ( المعهد العلمي ) سنة 1921 اساسا من اسس المجمع العلمي العراقي الذي تأسس بموجب نظامه ذو الرقم (62 لسنة  1947.

الذي اريد ان اقوله وبدون الدخول في التفاصيل ، ان فكرة انشاء (المهد العلمي ) هي من المفكر والمربي الكبير المرحوم الاستاذ ساطع الحصري ، وان ثابت عبد النور التقى به على ظهر باخرة وهما في طريق عودتهما الى العراق بعد انتهاء الحرب العظمى 1914-1918 ووقوع العراق تحت الاحتلال البريطاني وتشكيل الدولة العراقية الحديثة ، وكان العرب قد اسسوا قبيل الحرب العالمية الاولى نواد وجمعيات في استانبول وحتى في بعض المدن العربية ومن ذلك (النادي الادبي)  في استانبول . ويقينا ان المثقفين العرب وجدوا ان الضرورة تقتضي منهم ان يتجمعوا في تنظيمات ثقافية وسياسية لها اهدافها ومراميها في تشكيل الشعور الوطني والوعي القومي .

لذلك اتصل ثابت عبد النور بمجموعة من الشباب ، وقدموا طلبا الى وزارة الداخلية لتأسيس تجمع ثقافي باسم ( المعهد العلمي) سنة 1921. وقد افتتح المعهد العلمي رسميا يوم 30 من كانون الاول سنة 1921 وكان ذلك وسط احتفال كبير حضره عدد من الكتاب والصحفيين وعلماء الدين ، وحضر الملك فيصل الاول ملك العراق الاسبق رحمه الله 1921-1933 الاحتفال شخصيا واثنى على فكرة المعهد العلمي ، واشاد بجهود مؤسسيه .

كلمة الاحتفال

وقد القى ثابت عبد النور كلمة في الاحتفال قدم فيها الشكر للملك فيصل الاول ووضح اسباب واهداف تأسيس المعهد .كما القى سليمان فيضي وهو ايضا من الرجالات الوطنيين كلمة ، وكذلك فعل الدكتور محمد مهدي البصير .

كان ياسين الهاشمي من المرحبين بتأسيس المعهد ، والقى كلمة أكد فيها حاجة العراق وهو ينهض الى هكذا مؤسسات .. وختم الشاعر الكبير معروف الرصافي الاحتفال بقصيدة جميلة قال في مطلعها :

لعمرك   أن الحر لايتقيد

الا فليقل ماشاء في   المفئد ُ

اذا انا قصدت القصيد فليس لي

به غير تبيان الحقيقة مقصد

ومعهدُ علمٍ أسسته عصابة

من القوم تسعى للنجاح وتجهدُ

ما أريد ان اؤكده ، ان المعهد العلمي حظي بترحيب كبير من لدن الاوساط  الدينية والوطنية والصحفية والبلدية حتى انهالت عليه التبرعات المالية  من الاهالي ، ومن وزارة المعارف ، ومن امانة العاصمة خاصة بعد ان نشرت الصحف منهاجه ونظامه الداخلي وقد وصلت مصروفاته خلال  السنة 1922-1923 الى (20211) روبية ، والروبية عملة هندية كانت  موجودة في العراق وتساوي الروبية (75)  فلسا .

كانت الهيئة التأسيسية للمعهد العلمي تتألف فضلا من ثابت عبد النور من صادق حبة وحسين فوزي ونوري فتاح وحسين النقيب ومحمد باقر الحلي وحمدي الباجه جي ومحمد حسن حبة وابراهيم الواعظ  وفائق شاكر وعلاء الدين النائب وتوفيق السويدي واحمد عزت الاعظمي  والشيخ محمد رضا الشبيبي وكلهم من رموز الحركة الثقافية والعلمية في العراق خلال العشرينات من القرن الماضي فيهم الشاعر والكاتب والاديب والسياسي ورجل القانون ورجل الاقتصاد .

وحتى نعرف مدى علاقة (المعهد العلمي ) بفكرة (المجمع العلمي ) ، لابد ان نقف عند اهداف النادي،  ووسائله،  ونظامه ، ومنهاجه وهي تتلخص بثلاثة اهداف هي :

1- يسعى المعهد العلمي لبث  الروح العالية بين ابناء الوطن والأمة للمسابقة في مضمار الحياة مع أمم العالم المتمدن.

2- يدعم   المعهد العلمي كل المشاريع الوطنية ويذب عن الأدب ويرفع منار العلم التي أتت الزمان عليها وهي تحت حكم الجهل القاتل.

3- يعاون المعهد  المخترعين ويسعى بما لديه من الوسائل الأدبية والعادية لدى الحكومة لأخذ امتياز مشروع لأصحاب  الاختراعات .

اذا المعهد ، وعندما نعود الى منهاجه ونظامه ، نجد انه يعد مؤسسة اكاديمية ثقافية  هدفها التعبير عن شخصية وهوية البلد ، وتعزيز الروح الوطنية وتشجيع الافكار النيرة وتنمية الوعي الوطني والقومي وتشجيع العلم والابتكار بين الشباب واعلاء شأن الادب والفكر وهذه هي اهداف تتشابه مع اهداف  المؤسسة الاكاديمية العراقية المتمثلة بالمجمع العلمي العراقي الذي تبلورت فكرة تأسيسه سنة  1947 بعد مقدمات سبقت تأسيسه واقصد  اقدام وزارة المعارف (التربية حاليا ) على دعم  ما كان يعرف ب( لجنة التأليف والنشر التي أنشأتها في سنة  1945 وتحويلها  الى مجمع  علمي عراقي أخذت إسمه  كما يقول الاستاذ عبد الرحمن طارق محسن في رسالته للماجستير الموسومة   :    ( المجمع العلمي العراقي 1947م – 1970:   دراسة تأريخية) من المجمع العلمي بدمشق فسمته ( المجمع العلمي العراقي ) . وقد صدر  نظام المجمع العلمي العراقي ذو الرقم (62) لعام 1947 إستناداً الى الفقرة السادسة من المادة الأولى من قانون المعارف العامة رقم (57) لسنة 1940.

ثمة تفصيلات كثيرة تتعلق بما قدمه المعهد العلمي على صعيد محو الامية وانشاء صفوف مسائية في اكثر من (40) مدرسة في شتى انحاء العراق    .كما قام المعهد بفتح دورات تقوية لطلبة المدارس الثانوية وخاصة في العلوم واللغة العربية واللغة الانكليزية والاهم من هذا تنظيمه للعديد من المحاضرات والنشاطات العلمية والثقافية ووفق برامج معلنة  وكان يحرص على نشر الآداب والعلوم والفنون ، واقامة العروض المسرحية في بغداد وبعض المدن العراقية فأسهم في نشر الثقافة المسرحية في العراق وكان يختار المسرحيات الهادفة تأليفا واخراجا . ومعظم ما عرض من مسرحيات كان يصب في التوجه الوطني والتربوي والتحفيز على الاعتزاز بتراث الامة والعمل على احيائه .  وقد يكون من المناسب القول ان ثابت عبد النور كان له دوره في اتخاذ المعهد العلمي مكانا لتعريف الجمهور بالرجالات الذين خدموا القضية الوطنية والقضية القومية ويبدو ان سمعة المعهد تجاوزت حدود العراق حتى ان بعض الصحف المصرية والسورية كانت تتحدث عن نشاطاته ومن ذلك ما نشره عضو مجلس النواب المصري  الاستاذ حمد الباسل في مقاله الموسوم ( من بيت الامة بمصر الى المعهد العلمي ببغداد ) .

ومما أقامه  المعهد العلمي من نشاطات ثقافية ، تنظيمه سنة  1922 (سوق عكاظ)  احياء لذكرى سوق عكاظ في تراثنا العربي والاسلامي وكانت لجنة التحكيم الأدبي  في السوق  تتكون من جواد الشبيبي، جواد الصدر و  الشيخ محمد الخالصي والآب أنستاس الكرملي  و ثابت عـبد النور وداود يوسفاني  . وتولى المعهد  تقديم جوائز  للمشاركين في هذا السوق الثقافي – الاقتصادي .كما كرم المعهد عددا من الشخصيات الذين زاروا بغداد منهم الشاعر والكاتب امين الريحاني .

كان المعهد  العلمي منتدى لتنشيط الحركة الثقافية وبث الوعي بأهمية المنتوجات الوطنية وتشجيع الابتكار والابداع وهو ما تؤكد عليه اليوم النظم التربوية .كما كان مكانا لإلقاء الشعر والخطب والمحاضرات العلمية والادبية والفنية وكان له دوره في تحريك الجو الثقافي في العراق في سنوات التكوين تلك .

ربط تأسيس

اختم مقالتي هذه بالقول ، وانا احاول ان اربط بين تأسيس المعهد العلمي والمجمع العلمي العراقي ،  أن ثابت عبد النور معتمد المعهد العلمي  ، وكان افقه واسعا ، وثقافته رفيعة ، ووعيه طاغ  . فضلا عن  قيادته لحركة النشاط الثقافي والاهتمام بالصناعات الوطنية ، ومحو الامية وتنمية الوعي الوطني والقومي ؛  فانه حاول  أن يؤسس (مجمعاً لغوياً) ، فدعا رجال العلم والأدب،  ليعقدوا  اجتماعاً  في (23) من كانون الثاني سنة  1925 وعرض عليهم الفكرة، فقبلوها وقرروا تأسيس (مجمع لغوي)  يقوم بتعريب الكلمات، وإيجاد المصطلحات العلمية وترجمة الكتب التي يحتاجها العالم العربي. ويبدو ان هذه الدعوة هي ما جعلت البعض من شيوخنا يرون في المعهد العلمي خطوة اولية ومهمة  في مسار تأسيس المجمع العلمي العراقي ، ولهم الحق في هذا ؛ ففكرة المجمع طرحت قبل قرابة  20)) سنة على ظهورها وهذا مما يدل على وجود رجال متنورين كانت لهم قدراتهم على ان يسبقوا زمنهم ويقدموا افكارا تقدمية وتنويرية تساعد في تطور المجتمع العراقي .

{ كاتب ومؤرخ عراقي

مشاركة