المعلّم والوردة.. بين أريج الإيمان وعبق الشعر

المعلّم والوردة..  بين أريج الإيمان وعبق الشعر

 تناغم دلالي بين المضمون والموسيقى

جوزاف ياغي الجميل

في بيدر الكلمة تغرق سنابل الذكريات. تطحنها آلة الزمن ، لتصل إلى مائدة الفكر الإنساني لقمة يزدردها الجياع. والأفواه فاغرة بانتظار الشبع الأسمى. ولا شبع إلا عبر كتاب الحياة. فكيف إذا كان كتاب الحياة بشارة جديدة، على بساط الشعر؟

أفكار كأنها الغوص في شفافية اللون ، لها عنوان واحد: المعلّم والوردة. وهو ديوان للشاعر الصديق كابي الفغالي ، صدر سنة 2014. ولا عناوين للقصائد ، إلا ما ورد في قسمي الديوان الأساسيين: المعلّم والوردة. تتهادى القصائد كأنها قصيدة الحياة. منذ الصفحة الأولى، تظهر لنا صورة المعلّم واضحة: إنها السيد المسيح ، في مراحل صلبه وآلامه، بكلّ ما يرافق ذلك من حقل معجميّ خاص بالجلد  وإكليل الشوك والدم والألم والموت والأم الواقفة تحت الصليب وإلى جانبها يوحنا . (ص 12) بل إن الشاعر كابي الفغالي يسترسل في وصف كامل عمليّة الصلب:

أنشودة المسمار في كفي..في قدمي

والرمح يرسل عنقه في الخاصرة(ص 14)

   ونحن ، إذ نلاحق هذه الصورة ، يلفت نظرنا لعبة الضمائر المعتمدة في الديوان؛ فاستعمال الشاعر ضمير المتكلّم في حديثه عن آلام المعلّم وصلبه يظهر نوعاً من التماهي أو الحلوليّة بينه وبين المصلوب.يقول :

الشوك يجرح جبهتي ودمائي تخرج من فمي

والسوط يلهب قامتي

…..

أمي ويوحنا وقلّة لم يخافوا الظلم

ساروا معي في ألمي..(ص 13)

  وتستمر عمليّة التماهي فيتحدّث الشاعر عن التلاميذ والخبز والنبيذ والصليب، في إشارة إلى العشاء السرّي مع التلاميذ، قبل أن يخبرهم عن صلبه وموته.

   وتتكرّر الصورة ذات الطابع الديني في حديث الشاعر عن الوردة، فإذا هي مريم العذراء التي تظهر من خلال ضميرين: المتكلّم والمخاطب.  يقول الشاعر على لسان مريم، في حوار مع أمّها:

-يا مريمُ.

-أمي؟

-خالتك في الباب

-خالتي أليصابات!…(ص 83)

ويخاطب الشاعر مريم مناجياً :

يا مريم

اجعليني يدك الممدودة في بيدر الزهر وحقل الناسِ

إجعليني قطرة في غيمة الغروب

سفينة الرحيق اليكِ (ص 112)

ولكن هذه اللعبة الشعريّة ذات الطابع الديني  تقودنا الى دلالات أعمق تنحرف عن طابعها المباشر، إلى طابع شخصيّ خاص بالشاعر، انطلاقاً من فلسفة التأويل النفسي والسيميائي الذي نراه في خلفيّة القصائد. فالمعلم، أو السيد المسيح الذي يخاطبه الشاعر الفغالي يتجاوز شخصية المسيح إلى صورته هو ، بعد جلده بمأساة فقد والده. فالضمير المتكلّم الذي بدأ به قصائده ، في مطلع الديوان، إنما يعود إليه شخصيّاً. يقول الشاعر:

أمّي تنادي:”يا حبيبي”

إذا وقعتُ

ودمعها يهوي على الخشب

فيرفعني أبي

وأرى على الخشب صليبي

لم أمت..

أنا لم أمت..(ص 15)

ونجد تأكيد  هذه الفكرة في التماهي بين الشخصيتين: المعلّم والشاعر. يقول:

يا معلّمُ

أنتَ فيّ وإنّي فيكْ

كُلّ شيء منّي لكْ

إمسحني وابنني من جديدٍ( ص 63)

ثم يتدارك خطورة هذا التماهي فيقول مخاطبا تلاميذه:

ويا تلاميذي

لا …لستُ مثله

أحمل اللقب ..فيحملني اللقب..

لكنّماه معلّم

يُعلّم الريحَ اللياقة…

خافض النبرة، طيّبُ القلبِ(ص 21)

وتتماهى صورة الأب مجدداً بصورة الرب، ضمن مبدأ الحلوليّة التي ذكرناها سابقاً ، فيقول الشاعر:

“أنا ماضٍ الان إلى أبي”

أبي ، صار طفلاً ثم مات وما كبا

ثقلت طفولته عليه فصيّرته قبل أن يبلغ، أبا..(ص 29)

وتتحوّل مريم، في تأويلها السيميائيّ إلى أمّ الشاعر، الأمّ التي كان يصلي معها حين يشعران بالجوع، ولعلّه جوع الاثنين إلى حنان الأب الراحل وحبّه. يقول:

أنّك قمر..وأنك نورْ

كنّ نصلّي حين نجوع

نجوعُ ..نصلّي ولا نشبع

تصير الدروب مناور اليك

فيغفو الألم

ويخرج النغم

ويسكن الدمُ

يا مريمُ(ص120، 121)

فما معنى الألم والدم والجوع خارج إطار المشاعر الإنسانيّة البحتة. وهذا ما يؤكّد ، إلى حدّ بعيد، مقولتنا السابقة عن التحولات النفسيّة ووحدة الحال، بين مثلثين محورهما  الشاعر ، ويتمثّل الأوّل في السيد المسيح والشاعر ومريم العذراء.أما الثاني فهو في ثلاثية الأب والشاعر والأم. مات السيد المسيح على الصليب فانتقلت آلامه الى الابن، أي الشاعر ، الذي كان ألمه مزدوجاً: الألم لغياب الأب وألم ثانٍ بسبب آلام الأم/ الزوجة. فأصبح القسم الثاني من الديوان ، والذي يحمل عنوان الوردة، صورة طبق الأصل عن الزوجة /الأم ، بعد موت زوجها .. وكان ولدها الباقي قربها تعزية متبادلة للأم والولد:

فيغفو الألم

ويخرج النغم(ص 120)

    وبموت الأب، يقع الشاعر ضحيّة شعورين متناقضين: الحزن على غياب الأب، ركن العائلة الأساس، بما يرافق ذلك من حرمان مادي وعاطفيّ، والشعور بالزهو لأنّه أصبح الأب والابن ومحور حياة الأم الأرملة.. وغدت حياته بين النار والنور، نار الغياب ونور ما أطلق عليه الولادة الجديدة. يقول:

وهاءنذا في الأرض يا مريم

أدور في النور

وقلبي مشرّع للنار كي تشجّهُ

والقنا المجيدة تشقّ أضلعي       (ص121  )

   ولكي لا نبقى في إطار التأويل سنحاول اتباع طريقة أكثر علميّة إذ نستقرئ الضمائر الواردة في الديوان فتأتي النتيجة على الشكل الآتي:

    غلبة الضمائر المتصلة التي تطغى عليها الضمائر المتصلة بالأسماء (جبهتي..دمائي..دمي..قامتي..أمّي …كفّي ..يليها في النسبة ضمائر الرفع(جئت..بذرت..عبرت..زرت….)) واستعمال الضمائر المتصلة يشير، في هذا الديوان،  الى نوع من حبّ الامتلاك، وصولاً إلى النرجسيّة المكشوفة.

    اعتماد عدد محدود من الضمائر المتصلة  للمتكلّم المفرد “أنا” ارتبطت بفكرة الموت وكأنّ الشاعر يبحث عن شيء يؤكّد به وجوده.:

أنا لم أمت..

أنا زرت …(ص17)

وأنا أنوء بظلّه..(ص 19)

   فضمائر التبعيّة والامتلاك هذه تؤكّد مدى رسوخ الشاعر في أرض وجوده، ومدى خوفه على هذا الوجود.

      أمر آخر يمكن الاستناد عليه في مجال تأكيد الذات، وهو هذه الحلوليّة التي تجمع بين الشاعر من جهة، والمعلّم والوردة من جهة مقابلة. وتتجلّى في ضمير المتكلّم الذي يعود ، في الظاهر، إلى المعلّم ومريم، وفي حقيقة الأمر إلى رغبة لا واعية، وقد تكون مقصودة، لمواجهة الحرمان الثلاثيّ الأبعاد: موت الأب، الخوف على الأم، والقلق على الذات. ولا ندري إذا كان بقاء الشاعر، خارج القفص الذهبيّ، تعبيراً عن إرادة لا واعية في تجنيب أولاده الشعور باليتم، أو بسبب عقدة أوديب التي ترسّخت في ذات الشاعر، بعد وفاة أبيه، وبقائه وحيداً، مع أمّه، وردته السرّية. يقول الشاعر في ما يشي بهذه العقدة:

جئت من ديار أبي

عبرْتُ عتم الليل وبرده…

في جبيني ضوء

والزيت في يدي

لعطر وورده(ص 18)

     وبهذا تصبح شخصيّة المصلوب أكثر التصاقاً بأبيه . وتصبح مريم /الأم زوجةَ الشاعر البتول . ولكنّ أناه العليا تواجه عقدة أوديب وتقمعها، انطلاقاً من الروح الإيمانيّة التي تسيطر على ذات الشاعر وتوجهها، فيقاوم، بالصلاة، كلّ شعور مسيء، ويطلب المغفرة من الرب، إلى أن ماتت الأم . يقول الشاعر:

والشهوة السوداء

والهمّ والإغضاب والبغضاء

تشلّني

فأقول لك: ربّاه قل:

“يا ذا الأشلّ

مغفورة ذنوبك لك”(55،54)

    صديقي الشاعر الفغالي، مباركة لك نفحاتك الإيمانيّة، في هذا الديوان، وروحك الجبرانيّة التي ذكّرتنا بكتاب النبي، ويسوع ابن الإنسان. كما ذكّرتنا بقصيدة الجسر، للشاعر خليل حاوي.

    أمّا من حيث الأسلوب، فيظهر إتقان الشاعر الفغالي لعبة الموسيقى الداخليّة، وهي اللعبة التي تتجاوز الأوزان التقليديّة إلى بنية الألفاظ الموسيقيّة. يقول الشاعر:

علّمتنا أمّنا أن نوقد الشموعْ

في البيت يا يسوعْ

سراجنا في المدخلِ

نورٌ جلي

يمتدّ من ثوب الضحى

حتى المساء الأليلِ (ص 55)

    فالتلاقي بين ال”نا” في علّمتنا وأمّنا يعطي جرساً موسيقيّاً، وتكراره في مواقع متعددة من هذه القصيدة:علّمتنا .. أمنا   .. سراجنا يزيده غنى تكرار حرف الميم، في البيت الأوّل، وفي الأبيات اللاحقة. كذلك في التزاوج اللفظي بين النون في أن ونوقد، وتكرار حرف النون التي بعدها واو مدّ: نو، في كلمتي : نوقد..نور..فضلا عن امتداد الصوت في كلمتي: الشموع..يسوع..والجرس الموسيقي الذي أضفته على القصيدة هذه اللام المكسورة رويّا داخليّا في القصيدة: المدخلِ..جلي..الأليَلِ.

   وقد تقودنا هذه الموسيقى الداخليّة إلى إيحاء بالامتداد والسمو والتجانس بين تعاليم الأم والأطفال، كما يقودنا حرف النون مع واو المدّ  إلى تخيّل الشاعر وهو يحرّك شفتيه للتقبيل، في المقاطع الصوتية: يوقد الشموع..يسوع…وهذا ما يظهره أيضاً البيتان الآتيان. يقول الشاعر:

فأقوم من تختي كأنّي  بلبلُ البَلّ يُغنّي

ويذوب الذئب فيّ ويروح الثقلُ عنّي(ص 54)

     في إشارة إلى الموسيقى بين بلبل   / البلّ ، ويذوب / الذئب. كذلك في حروف المدّ بالواو في فأقوم..ويذوب.. ويروح. وفي التلاقح الموسيقيّ بين كأنّي ويغنّي.. وعنّي، والانسجام اللفظي بين الميم المضمومة في “فأقوم” والميم المكسورة في “من”. وهذه التوازنات الموسيقيّة تعلن نوعاً من اللقاء النفسيّ بين ذات الشاعر والغناء وزوال الهمّ. وتتكرر هذه الظاهرة في أماكن كثيرة من الديوان أبرزها قوله:

أحلامًك يا مريمُ؟

-ما مرّة نمت

وفي ذهني قلقْ…ما زار عيني الأرق…(ص 105)

      بين الدلالة والموسيقى تناغم يؤكّد ما قلناه سابقاً في موضوع التماهي بين الثلاثيّات في شعر كابي الفغالي. ففي مواجهة ثلاثيّة الشاعر والمعلّم والوردة ظهرت ثلاثيّة الموسيقى الخارجيّة التي كانت مضطربة قليلاً، حتى كادت تموت أحياناً، أو تُصلب. والموسيقى الداخليّة التي تمثّل الشاعر في بوحه والكتمان، وفي معزوفات التوتر في ذاته المضطربة. أما البعد الثالث فكان التلاعب بالضمائر، وتعدّد الأصوات في القصيدة الواحدة. فكان ضمير الأنا يعود حيناً إلى المعلّم، وأحياناً إلى الوردة، مريم، ولكنّه في تواصل مسنمر، واحتكاك داخليّ وذات الشاعر المتشظّية .

  ولعلّ هذه الدراسة تقودنا إلى ما هو أبعد من النقد التقليدي لديوان شعري. إنها مقدّمة لدراسة أشمل تبحث في قضيّتين أدبيّتين مهمتين هما الالتزام والتناص في الأدب، بشكل عام، وفي الشعر خصوصاً. فتصبح الإشكاليّة التي تتبناها دراستنا هذه مرتكزة على العلاقة بين الأدب والالتزام الديني. فهل يمكن للشاعر أن يقارب في شعره المقدّس من دون الوقوع في المحظورات؟ وما هي حدود العلاقة بين الشعر، بما يحمله من خيال وعاطفة وصور جماليّة، والتناص الدينيّ، مع تعدّد الأقنعة ؟ وما هي حدود العلائق بين الشاعر والرموز الدينيّة ؟ وإلى أي حدّ يمكن للشاعر والأديب اختراق المقدّس، من دون التنكّر للشعر، بما يمثّله من انزياح وتحرّر ؟