
المعلم بين الأمس واليوم – مهند الياس
في الخمسينات ، وحينما كنا في الابتدائية .. كنا نخشى المعلم ونحترم شخصيته المميزة .. فاذا ما راى احدنا في الزقاق او في الشارع ، يستدعينا واحدا بعد الاخر في ادارة المدرسة .. او في الصف ، ليؤنبنا باسلوبه التربوي الابوي الخاص وبحذرنا من اللعب اثناء الدراسة .. ومن ثم يعاقبنا فيما لو رانا مرة اخرى او ليرسل الى ولي امرنا ليعاتبه..!
اذا كان المعلم … الاب الثاني في المدرسة .. ينظر الى تلاميذه مثل الابناء .. ينـــظر الى ملابسهم .. والى نظافتهم .. وحتى في احايين كثيرة يتدخل شخصيا في حل اي مشكلة لاي تلميذ قد تؤثر على دراسته ، وتعوقه عن الدراسة ، وخاصة اذا كان التــــلميذ ذكيا ومجتهدا.
واذكر ان احد التلاميذ الفقراء ، جاء الى المدرسة وهو يحتذي نعالا فمسكه فراش المدرسة وسلمه الى المدير ..
وعندما ساله المدير عن سبب مجيئه بـ (النعال) .. اجهش التلميذ بالبكاء ، وقال ان والده لا يملك النقود الكافية لشراء حذاء ..فاخذه المدير بيده واشترى له حذاء !
هكذا كان يتصرف المعلم مع التلاميذ .. يتصرف كقائد في المجتمع ،، يقود حلقة اجتماعية مصغرة ،، وواجبه ان يكون توجيهه له دلالة ترفع من كيانه وهيبته .. ويتذكر كل الذين عاشو الفترة الذهبية للتعليم في العراق المواقف الكثيرة والكبيرة المشرفة للمعلم ..!
هذا في الامس .. واما اليوم فحدث ولا ياخذك الحرج .. فماساة المعلم والتلميذ ، هي سواء في سواء ، وانا لا اريد ان افصل الاشياء بتفاصيلها فهي اشبه ماتكون بـ (الافلام الميلودرامية) التي لا يصدقها العقل …
وان لم تصدقوا ما اقول ، فاسالوا ابناءكم وبناتكم حتى تطمئنو وتترحمون علي قبل ان تتهموني بالافتراء .. وخاصة عندما دخل (الموبايل) حقائب التلميذات والتلاميذ واصبح الرفيق الودود في السراء والضراء !
في الحصار الذي داهم العراقيين في العام 1990وما نتج عنه من مؤثرات اقتصادية ونفسية ، حيث راح العراقي يبيع اثاثه وبعض من مقتنياته الشخصية.. وزج نفسه يعمل في ميادين هي ليست من اختصاصه .. فاصبحت شريحة المعلمين هي الاسوء حيث عمل بعضهم في اعمال لا تليق ومنزلتهم الاجتماعية .. واني اعرف معلما وقتها وحينما يخرج من المدرسة يذهب الى سوق الخضار ليبيع الخضروات ويتكل على الله لغرض الحصول على بعض الرزق و ليعينه على المصروف البيتي .
وهنا .. لربما نعطي بعض الحق للمعلم وليس كل الحق عندما يتهرب من المحاضرات ويضرب الدوام ويبيع الاسئلة ويقصر في واجبه بمبررات غير منطقية.
اما اليوم .. وقد اصبح للمعلم راتب جيد يؤهله للمعيشة .. عدا ما يحصله من محاضرات التدريس الخصوصي ، وما عدا ما يقبضه من نشاطاته الاخرى … وهي كثيرة وخاصة في هذا العالم الافتراصي الذي يفاجيئك بالكثير وخاصة عندما كنت ترى بالامس صاحبك لايملك سروالا محترما يلبسه، واذا به يظهر لك وبقدرة قادروبين ليلة وضحاها يلبس لباس الافندية ويقود سيارة من نوع كاديلاك فتبقى انت تدور في حيرة ماترى وتضرب كف على كف وا خماس على اسداس !
ان دولا كثيرة ، انهارت كياناتها بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية ، ولكنها استطاعت ان تنهض وباكثر قوة ..
وحين تدقق عن عوامل نهوضها تجد انها بدات بالتعليم.. وقد سُئل إمبراطور اليابان ذات يوم، عن أسباب تقدم دولته في هذا الوقت القصير،
فأجاب: (بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير).
ولكن هنا نسال: لو اعطينا المعلم الان راتب وزير عل سينفع .. ويغير من سلوكه ويعيد له هيبته كما كان !
فالتعليم اذا هو السبب المباشر في نهوض الامم ، ومن ثم هو ايضا عامل مباشر في تطور المجتمعات وبنائها ، وهو النواة في تاسبس كيان الانسان وتطلعه امام الحياة ..
نعم سنبقى نكرر قول شوقي رحمه الله
قم للمعلم ووفه التبجيلا
كاد المعلم ان يكون رسولا
لا علمت اشرف او اجل من الذي
يبني وينشئ انفسا وعقولا


















