دراسة في جذور وتطورات أزمة الرئاسة
المعارضة السياسية بإقليم كردستان تبلور إيجابي ونضج لخدمة الشعب
عماد علو
بغداد
المقدمة
يشهد إقليم كردستان جدلا واسعا حول مسألة رئاسة إقليم كردستان، حيث انتهت ولاية رئيس الإقليم مسعود البارزاني في 20 من آب 2015 ، فيما يطالب الحزب الديمقراطي الكردستاني بتمديد ولاية البارزاني بكل صلاحياته الحالية لعامين آخرين مع تأييده لإقامة النظام البرلماني في الإقليم وتوزيع السلطات بين المؤسسات الدستورية . و صعد رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، من موقفه بإعلان تمسكه بولاية رابعة كرئيس للإقليم الفيدرالي، ضاربا بعرض الحائط المحاولات والمساعي المحلية والدولية، للتوافق السياسي حول هذه الازمة التي باتت تهدد بتقسيم المنطقة الكردية في شمال العراق الى اقليمين اداريين.
فعندما انطلقت العملية السياسية في اقليم كردستان عام 1991، كانت الساحة السياسية الكردية تفتقر الى أحزاب أو قوى سياسية قوية قادرة على منافسة الحزبين الكرديين القويين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني. واليوم فانه مما لاشك فيه أن التجربة الديمقراطية في اقليم كردستان بلغت مستوى من النضج والرسوخ، بعد مرور ما يقارب (13) عاما” على انبثاقها في ظروف استثنائية غاية في الصعوبة شهدت خلالها تغيرات جذرية، باتجاه المحافظة على مسارها الذي يستهدف استلهام روح الديمقراطية وجوهرها. وكانت من أبرز ملامح هذا النضوج والتطور تطور الوعي السياسي للمجتمع في اقليم كردستان للمستوى الذي اتاح الفرصة لظهور احزاب وقوى سياسية شكلت معرضة سياسية لعبت دورا” ايجابيا” في تطوير وانضاج مسيرة التجربة الديمقراطية في اقليم كردستان، وهي تطالب اليوم بإصرار على تطبيق الدستور وتحويل نظام الحكم في الاقليم الى النظام البرلماني. والسؤال المطروح هو عن كيفية نشوء وتطور المعارضة السياسية في اقليم كردستان، واثرها على مسار العملية السياسية في الاقليم وفي المركز(بغداد) ؟
الخلفية التاريخية
ففي آذار عام 1991 انطلقت الانتفاضة الكردية ضد النظام البعثي من مدينة رانيا بعد فشل مغامرة صدام لاحتلال الكويت، ووقفت أمريكا الى جانب الكرد في انتفاضتهم فضلاً عن بعض الدول الاوربية المناهضة للحرب على الكويت، وكانت الانتفاضة قوية ومؤثرة وتمكنت من السيطرة على اغلب المناطق الكردية، “وتزامنت انتفاضة الكرد مع الانتفاضة الشعبانية في الجنوب حيث انتفضت الاهالي في الجنوب مما أثر على معنويات الجيش وبالتالي هروب معظم الجنود وانضمامهم الى الانتفاضة”، “كانت لجماعات الافواج الخفيفة مشاركة في انتفاضة كردستان بسبب العفو الرسمي الصادر من قيادة الجبهة الكردستانية” ، كان رؤساء العشائر وخاصة اصحاب النفوذ منهم وأصحاب افواج الدفاع الوطني (الفرسان) حريصين جداً على أرواح وسلامة الجيش العراقي المتواجد في كردستان العرق حيث فسحوا لهم المجال إما بالانضمام اليهم او المغادرة او البقاء في الثكنات العسكرية ، وعليه “قامت السلطة البعثية بإرسال قطعات جديدة من الجيش للتوغل في كردستان لإنزال عقوبة جماعية بالمدنيين وملاحقة الثوار، وعززت الحكومة الجيش بقوة إضافية وخاصة بعد قمع الانتفاضة في الجنوب، وكان الجيش مدعوماً بالطائرات والدبابات والاسلحة الثقيلة. وقد سبب هذا الهجوم رعباً وخوفاً لدى الجماهير الكردية مما لاذت بالفرار الى الحدود الايرانية والتركية، وقد شاهد العالم عبر الاقمار الصناعية الملايين من الكرد الى قمم الجبال والحدود خوفاً من تقدم الجيش وقصف الطائرات، واستعمل الجيش القنابل الفسفورية التي ألقتها طائرات الهليكوبتر، ومن جراء ذلك فضلاً عن المعاناة الشاقة التي أنهكت العوائل وهي في طريقها للهروب من القوات القمعية الى قمم الجبال الباردة والحدود الدولية قتل مئات الآلاف وخاصة من الاطفال والنساء والشيوخ”.
فتقدم رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر وبمساندة من فرنسا بمشروع اوصى بإقامة المنطقة الأمنة في كردستان العراق من اجل خلق وضع يسمح للعوائل الكردية بالعودة الى سكناها، وبالفعل تم تقديم حماية دولية لمحافظات (اربيل، دهوك، سليمانية) بقرار من مجلس الأمن المرقم(688) في 5 نيسان عام 1991 وتم وضع خط العرض 36 لمنع تقدم غارات الطائرات العراقية، وبعد انتخابات عام 1992 الى عام 1994 كانت القوى الكردستانية والبرلمان في سباق مع الزمن في محاولة لتحسين الظروف الاقتصادية والامور الادارية للإقليم، وقد حاولت تحقيق بعض الانجازات ومنها حل القضايا الاجتماعية وتوفير السكن والحياة المعيشية المعقولة على الاقل لعوائل (البيشمركة)، وتأسيس جامعتين إحداها في السليمانية والأخرى في دهوك.
اتفاقية واشنطن 1994
في ايار عام 1994 دار نزاع بين الحزبين الرئيسيين الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني وقدم الطرفان خسائر فادحة، ولكن تدخل الولايات المتحدة الامريكية بحل النزاع والتوسط بين الحزبين كان له أثر كبير على كلا الجانبين، ولم تقدم هذه الحرب التي سميت بحرب الاخوة أية فائدة او خدمة لطرفي النزاع ولا للجماهير الكردية ولا الى المسألة الكردية. وقد انتهت باتفاق بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وقع في واشنطن بتاريخ 17/ايلول/1998، تحت رعاية حكومة الولايات المتحدة الامريكية، ونصت الاتفاقية على مبدأ الحل السلمي والحفاظ على وحدة الأراضي العراقية وضمان حقوق الكرد في دولة فدرالية، فضلاً عن تعهد الحزبين بتنفيذ قرارات مجلس الأمن لهيئة الأمم المتحدة الخاصة بالعراق” ، “وكذلك تعهدهما على طريقة كيفية إدارة اقليم كردستان العراق”
وفي 9/4/2003 قامت الولايات المتحدة الامريكية وبريطاني بغزو العراق واسقاط نظامه السياسي واحتلاله ، فانهارت المؤسسات الدستورية والقانونية في العراق ما عدا إقليم كردستان، وسرعان ما تنبه المجتمع الدولي إلى هذا الوضع الجديد، لذا اصدر مجلس الأمن مجموعة من القرارات منها (1483 في 22/5/2003 و1511 في 16/11/2003 و1546 في 8/6/2004)، لتنظيم ترتيبات الانتقال السياسي في العراق وتعيين آليات إدارة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد إلا إنه لم يخلو من وجود العديد من العيوب القانونية والنواقص والملاحظات القانونية في الجانبين الشكلي والموضوعي فيه.
البناء السياسي للإقليم
أن البناء السياسي للإقليم لم يبدأ منذ بداية العملية السياسية الديمقراطية في الاقليم، بل سبق ذلك في بيان 11/آذار 1970 عندما تم الاعتراف والتصريح المعلن ولأول مرة من قبل الحكومة العراقية بحقوق الكرد والحكم الذاتي لهم ، وإن كان هذا الانجاز والانتصار قد كلف الكرد الكثير من الدماء والضحايا.
“وبعد الانتفاضة في كردستان العراق عام 1991 فتحت الابواب للمجتمع الكردي للشروع ببناء تجربة جديدة في الديمقراطية ، حيث جاء تبني الاحزاب الكردية لمبادئ حقوق الانسان والحرية والديمقراطية” ، “وفي عام 1992 اتيحت الفرصة التاريخية وللمرة الاولى لإقامة انتخابات حرة تسمح للمواطن الكردي اختيار ما يعتقده وما يمثله حقيقة في الحكومة ، ومشاركة الكرد الجماهرية في حقها الانتخابي تشير الى وعي سياسي واجتماعي. ومن بعده ابتدأت أول دورة لأول مجلس وطني كردستاني في 4/6/1992 ، ومبدأ المشاركة في البرلمان وحكومة الاقليم”. وكان هذا الموقف الوطني تعبيراً عن روح المشاركة ، والائتلاف ومبدأ المشاركة هو بحد ذاته انجاز ديمقراطي. وتم توحيد البيشمركة بعد تأسيس البرلمان وحكومة الاقليم عام 1992 حيث تأسست وزارة شؤون البيشمركة.
وعندما جاء احتلال العراق من قبل قوات الائتلاف بتاريخ 9/4/2003 ، اعتبر الكرد ذلك تحريراً من الظلم والتعسف والاضطهاد والخوف الذي كان ملازماً للكرد في تاريخهم الحديث ، فقامت قوات البيشمركة الكردية بأخذ زمام المبادرة في الجبهة الشمالية للعراق ، وتم اعتبار الكرد مساهمين في ازاحة النظام السابق ، واعتبر الكرد ان ذلك هو اكبر وأول انجاز حققوه طوال تجربتهم الديمقراطية.
مراحل ظهور وتطور المعارضة السياسية في اقليم كردستان
قبل الشروع بمناقشة مراحل ظهور وتطور المعارضة السياسية في اقليم كردستان العراق، لابد من استعراض لتاريخ تأسيس أهم الاحزاب والقوى السياسية في اقليم كردستان، للوقوف على دور هذه الاحزاب والقوى السياسية الكردية في تطور التجربة الديمقراطية في اقليم كردستان العراق.ومن أهم وابرز الاحزاب في اقليم كردستان :.
الحزب الديمقراطي الكردستاني : تأسس الحزب عام 1946 ، على يد الزعيم التاريخي الكردي مصطفى البارزاني بمشاركة عدد من الشخصيات الكردية من الضباط،مثل “حمزة عبد الله المحامي- النقيب مير حاج احمد- العقيد الركن عزت عبد العزيز-النقيب مصطفى خوشناو- النقيب خير الله عبد الكريم – الملازم محمد محمود قدسي- والملازم نوري احمد كه” ( ينظر البارزاني مسعود(البارزاني والحركة التحررية الكردية ثورة بارزان 1945-1948) عام 1987 لا يوجد دار النشر ص15). والحزب الديمقراطي الكردستاني حزب عراقي تشكل من الاتجاهات السياسية والفكرية الرئيسية في كردستان ،اتجاه هيوا (القومي)واتجاه حزب شوره ش(الشيوعي)واتجاه حزب رزكاري(قومي-شيوعي) ،ومن الوجوه الاجتماعية القومية الكردية المستقلة، حيث اصبحت تشكيلة الحزب(البارتي) حزباً لا يمينياً ولا يسارياً بل قومياً كردياً. ومنذ العام 1964 و حتى اليوم عقد الحزب الديمقراطي الكردستاني ثلاثة عشر مؤتمراً، كان من أهمها المؤتمر الحادي عشر ،الذي عقد بعد الانتفاضة خلال الفترة من 16-26/8/1993. ان تطور العمل التنظيمي للحزب الديمقراطي الكردستاني وتوسيع الممارسات الديمقراطية داخل الهيكل التنظيمي للحزب عكس تطورا” في الوعي الديمقراطي لدى اعضاء الحزب، والذي بدوره انعكس على قاعدته الجماهيرية.
حزب الاتحاد الوطني الكردستاني : تأسس الحزب بتاريخ 22-5-1975 في مقهى طليطلة في وسط الشام”. بعد أن تم الاتفاق بين زعيمه التاريخي جلال الطالباني وفؤاد معصوم وعبد الرزاق عزيز وعادل مراد ، لتأسيس تنظيم كردي سياسي تم تسميته بالاتحاد الوطني الكردستاني ، “وتم اعتباره تنظيما وطنيا جماهيريا يتسع للمثقفين الثوريين والوطنيين وللقوميين الكردستانيين وللماركسيين وللعمال والفلاحين وللبرجوازية والبرجوازية الوطنية ويتسع لكل المعادين للنظام وكل الذين تهمهم القضية الوطنية والعمل على خلق جبهة واسعة وتشكيل نواة ثورية لتلك الجبهة بالاستفادة من التجارب الثورية. و سرعان ما انظم الى هذا التنظيم تنظيم كادحي كردستان(كومله) ، وافرز نضال الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني الى تنصيبه رئيساً لجمهورية العراق الفدرالية ويتطلع الاتحاد الوطني الكردستاني الى عراق ديمقراطي فدرالي موحد.
حزب كادحي كردستان: تأسس في 12 كانون الاول /ديسمبر 1985 ، وهو حزب يساري يتزعمه قادر عزيز، وتربطه علاقات قوية بالوطني الكردستاني، حيث تحالفا في الانتخابات التي تمت بمحافظة السليمانية سنة 1992. كما تحالف الطرفان أيضا في المواجهات المسلحة بالمنطقة الكردية. ان حزب كادحي كردستان حزب يساري، يؤمن بالاشتراكية والعدالة لجميع ابناء كردستان”. وقد عانى الحزب من خلافات داخلية أدت الى حدوث انشقاق في صفوفه، حيث قام مجموعة من أعضاء المكتب السياسي بطلب إعفاء سكرتير الحزب قادر عزيز من مهامه وشكلوا قيادة سياسية جديدة ، حيث تم انتخاب بلين عبد الله سكرتيراً عاماً للحزب. حزب الاتحاد الإسلامي تأسس عام 1992 بقيادة الشيخ صلاح الدين محمد بهاء الدين، وللحزب توجه إصلاحي تدريجي في القطاعات السياسية والتعليم والإعلام والعمل الإجتماعي والطلابي ، لا يعتمد على المواجهة المسلحة حيث يحتفظ لنفسه الخط السلمي السياسي. وهو يمثل فكر الإخوان المسلمين وله علاقات طيبة مع الجماعة الأم بمصر، ومع الجماعة في تركيا. وفي شباط 1994، أعلن “الاتحاد الإسلامي” عن نفسه كحزب إصلاحي إسلامي مدني، وفي أيار/مايو من عام 2001، أعلن القسم الأكبر ممن تبقى في الحركة عن تشكيل حزب جديد باسم “الجماعة الإسلامية” في حين بقيت الفئة القليلة المتبقية منهم على تسميتها القديمة (الحركة الإسلامية) وبذلك صار هناك ثلاث حركات إسلامية في كردستان.
الحركة الإسلامية تأسست في عام 1987 بقيادة الملا عثمان عبد العزيز مرشد الحركة الاسلامية الكردستانية ،وبعد وفاته سنة 1998 في دمشق ، ترأسها الملا علي عبد العزيز حتى توفي عام 2007 في لندن، ومن ثم آلت رئاستها إلى ابني ملا عثمان وهما الملا علي والملا صادق عبد العزيز ، ومن اهم اعضائها، الملا كريكار الذي انفصل عن الحركة واتحد مع جند الإسلام وكون اتجاهاً آخر بعيد عن اتجاه الحركة الاسلامية الكردستانية ، وعلي بابير والذي انفصل عن الحركة واسس الجماعة الإسلامية عام 2001 ، ومحمد برزنجي الذي انفصل هو الآخر والتحق بالجماعة الإسلامية التي يترأسها علي بابير. وظلت تلك الحركة لمدة طويلة تعتبر أهم حزب إسلامي كردي. والحزب غير بعيد عن حركة الإخوان المسلمين العالمية من حيث التوجه ، وقد دخل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني معركة مع الحركة الاسلامية. ومن أهم توجهات الحركة الاسلامية تبنيها فكرة ان يكون القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة المصدريين الاساسيين للدستور.
الحزب الشيوعي الكردستاني: تأسس بعد الانتفاضة الكردستانية عام 1991 ، بعد نقاش مكثف مع الحزب الشيوعي العراقي ، ومن ثم تم الاقرار بتأسيس هذا الحزب و يجسد الحزبان ذات المبادئ والقيم والثوابت ، ويعتبر الحزب الشيوعي الكردستاني-العراق تطويراً وامتداداً لتنظيم الحزب الشيوعي العراقي.
حركة التغيير الكردية : وتسمى أيضا كران بالكردية هو حزب ينشط في اقليم كردستان العراق أسسه السياسي الكردي نوشيروان مصطفى سنة 2009 بعد استقالته من حزب طالباني الاتحاد الوطني الكردستاني وهو حزب علماني يعارض التحالف الكردستاني ويدعو لمحاربة الفساد يتهمه خصومه بكسر الإجماع الوطني الكردي ولكنه ينفي ذلك. حقق تقدما باهرا ثانيا في آخر انتخابات برلمان كردستان 2013 بحصوله على 24 مقعدا متقدما على حزب الاتحاد الكردستاني وحصل على رئاسة البرلمان وفي انتخابات مجلس النواب العراقي الأخيرة تحصل على 14 مقعدا.
الصراع السياسي في كردستان
الخلافات العقائدية والصراع والتنافس على النفوذ في الاقليم بين الاحزاب والقوى السياسية الرئيسية أدت الى صدامات مسلحة بين الحزبين الرئيسيين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، و الحركة الإسلاميّة في كردستان العراق استمرت حتى عام 1999. وبلغت ذروتها بسيطرة قوات البارتي على اربيل في 31/8/1996 عاصمة الاقليم بمساعدة واسناد من الجيش العراقي السابق ! لذلك تم اعتبار المجلس الوطني الكردستاني الذي انتخب في 1992 مستمرا” لغاية يناير 2005. وذلك بسبب الخلافات والصراعات ذات الطبيعة المسلحة، التي لا تندرج بطبيعة الحال ضمن الفهم الحديث للمعارضة السّياسية، تلك التي تشترط توافر شرط عدم استخدام السّلاح.
وممّا تر تّب على تلك النزاعات المسلحة انقسام الإقليم سياسيا وإداريا، بعدما جزأته المعارك الدّاخلية إلى ثلاث مقاطعات: منطقة تحت نفوذ “البارتي”، وأخرى تحت نفوذ “الا تّحاد”، وثالثة تحت نفوذ “الحركة الإسلامية”. وتلا هذا الانقسام الجغرافي والسياسي والإداري تقسيم قانونيّ أيضًا بعد تنصيب السّكرتير العامّ للاتّحاد الوطني “جلال الطالباني” رئيسً الإقليم، في منطقة نفوذ الا تّحاد، وتشكيل محكمة الاستئناف في المنطقة نفسها سنة 1999.
وكان لمساعي الادارة الامريكية في توحيد صفوف القوى والاحزاب المعارضة لنظام صدام حسين تمهيدا” لإسقاطه، بدأت منذ أواخر عام 2002 عملية إعادة توحيد الإقليم، نتيجة اتّفاقية واشنطن للسّلام التي وقعت عام 1998 بين جلال طالباني ومسعود بارزاني، بحضور وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك “مادلين أولبرايت”. وتمثّلت الخطوة الأولى في توحيد المجلس الوطنيّ الكردستانيّ الذي عقد أول اجتماعٍ موحّد له من جديد بتاريخ 4/ 10 / 2002 ، ومع ذلك فقد تأخّر توحيد حكومة الإقليم إلى 7/6 /2006.
ادت الصراعات والمعارك الداخلية بين الاحزاب الكردية خلال تلك الفترة الى خلق حالة من عدم الثقة في ما بينها، وخصوصا” ما بين الحزبين الرئيسين. و ازدادت هذه الحالة من عمليات التّزوير التي شابت العمليّة الانتخابية سنة 1992، وهو الأمر الذي أدّى إلى رفض كلٍّ من الحزبين الرئيسين الانسحاب من الحكومة، ولاضطلاع بدور المعارضة البرلمانيّة، خشية احتكار الطرف المقابل للسّلطة. هذا فضلًا عن أنّ تجربة الحكم في العراق عمومًا، كانت تعمّق من شكوك الأحزاب الكردية تجاه بعضها البعض، إذ كانت قلّة قليلة تحتكر السّلطة، وتبعد الآخرين، حتّى من تحالف منهم معها وقت الاستيلاء على السّلطة.
تبلور المعارضة السياسية في الاقليم
في ايار 2005 اعلنت عدد من منظمات المجتمع المدني الكردية وبعض الشخصيات الاكاديمية والقانونية عن تشكيل حركة (هي تاكي) أي (إلى متى) تسعى من خلال الضّغط السلمي على السّلطة السياسية، إلى ترسيخ الدّعائم الحقيقية للديمقراطية ( ينظر رحمن غريب، الإعلان عن تأسيس حركة مدنية جديدة في السليمانية، على موقع الحزب الشيوعي العراقي:http://tareekalshaab.blogspot.com/2007). ورغم أن الحركة تفككت فيما بعد الا حركة (هي تاكي) تعتبر إحدى لبنات المعارضة السّياسية التي تشكّلت فيما بعد في الإقليم.
حيث شهد الإقليم مخاضًا فكريا واجتماعيا، وتحركًا سياسيا وشعبيا ومدنيا واعلاميا، هيأ الأجواء لبروز معارضة سياسيّة حقيقية في المرحلة اللّاحقة.
الا أن البداية الحقيقية والفعلية لظهور وتبلور المعارضة السياسية في اقليم كردستان كانت عندما ارسل عدد من اعضاء المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني رسالة الى السكرتير العام للحزب جلال الطالباني نهاية عام 2005 طالبوا فيها بإجراء اصلاحات جذرية داخل الحزب وتحديد صلاحيات السكرتير العام وتفعيل المكتب السياسي واجراء انتخابات فرعية داخل الحزب والقيام بإصلاحات شاملة داخل الحكومة وتفعيلها، وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين.
وفي نهاية السّنة ذاتها استقال نوشيروان مصطفى، نائب السّكرتير العامّ للاتّحاد الوطني الكردستاني من جميع مناصبه داخل الحزب وكرس جهوده لإحداث تغييرٍ في النظام السياسي لإقليم كردستان العراق، وذلك عن طريق إنشاء معارضة سياسية فاعلة، عرفت بـحركة التغيير(كران) شاركت بقائمة مستقلّة في انتخابات 24 تمّوز 2009، وحازت القائمة على المركز الثاني، بحصولها على 24 مقعدً ا في برلمان إقليم كردستان العراق.
ومن الجدير بالذكر أن التيار الاسلامي في اقليم كردستان قد شكل هو الآخر تيارا” سياسيا” معارضا” داخل البرلمان الكردستاني تألف من الاتحاد الاسلامي والجماعة الاسلامية وحصل الاتحاد الاسلامي في انتخابات 2009 على ستة مقاعد والجماعة الإسلامية على اربعة مقاعد وقائمة الرافدين الآشورية على مقعدين.
واذا نظرنا بتمعّنٍ في نتائج الانتخابات هذه، وقارناها بنتائج انتخابات المجلس الوطنيّ للإقليم سنة 2005 فإنّنا نرى أنّ الفارق الكبير و يتمثّل في صعود معارضة سياسية منظمة ومتماسكة لم تكن مشاركة في الحياة السياسية بصورة مستقلّة من قبل وهي حركة التّغيير(كران) وحصولها على نحو ربع أصوات الناخبين. ولم تشارك حركة التغيير في حكومة الاقليم في تلك المرحلة بسبب تشكيل الحكومة بحسب المقاييس القديمة حسب رأي الحركة.
مما سبق يظهر لنا أن المعارضة السّياسية في الإقليم شكّلت نحو ثلث مقاعد برلمان الإقليم، واستطاعت القوى المعارضة الثّلاث تطوير علاقاتها، والتّنسيق فيما بينها وبين كتلها النيابية في برلمان الإقليم ومجلس النواب العراقي ، خاصّة بعد أحداث 17 شباط 2011، التي وقعت في اقليم كردستان العراق واستمرت لمدّة شهرين في بعض المناطق، وبالخصوص في مدينة السليمانية اثر بيان اصدرته كران في 29/1/2011تضمن سبعة فقرات للإصلاح السياسي في الاقليم.
ومن الجدير بالذكر أن انتخابات إقليم كردستان التي جرت في 21 أيلول 2013، أسفرت عن فوز الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، بالمرتبة الأولى بحصوله على 38 مقعداً، تليه حركة التغيير، ومن ثم الاتحاد الوطني الكردستاني بحصولهما على 24 و18 مقعداً على التوالي. ومنذ فوزها بالمركز الثاني في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بالإقليم تستقطب حركة “تغيير” الأضواء بعد أن دفعت الاتحاد الوطني الكردستاني إلى المركز الثالث، وفرضت أجندات سياسية جديدة على الجميع، وهي اليوم تحاول فرض تغيير جذري على شكل وطبيعة نظام الحكم في اقليم كردستان العراق من خلال كسر احتكار السلطة من قبل الحزبان الرئيسيان اللذان ظلا يتقاسمان السلطة منذ عام 2006. ومحاولتها تغيير رئاسة اقليم كردستان المتمثلة بشخص مسعود البارزاني، وفق مواد وفقرات دستور كردستان، وهذا يعني أن (كران) قد نجحت في اقناع الاحزاب الكردية الاخرى بالاصطفاف الى جانب المعارضة السياسية الضاغطة لتغير شكل نظام الحكم في الاقليم وهي بذلك تثبت أنها باتت تشكل قطبا ثالثا في الإقليم، ومع هذا فالأمر قد يحتاج إلى نجاحات انتخابية أخرى في الإقليم خصوصا” و أن القوى السياسية في كردستان العراق طالما ارتبطت بقوة عسكرية واقتصادية لا تمتلك “تغيير” أي منها، ولا يتوافر عليها غير “الديمقراطي والاتحاد”. وتأتي التطورات في وقت يواجه الأكراد تحديات عدة، أبرزها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية داعش، وحملة القصف الجوي التركي على مواقع لحزب العمال الكردستاني، فضلا عن الصعوبات المالية التي يواجهها الإقليم.
الاصلاح والمعارضة السياسية
ان الاحداث التي يمر بها العراق منذ عام 2013 والحراك السياسي للأحزاب الحاكمة وتظاهرات المواطنين في عدد من المحافظات العراقية التي خرجت منتفضه ومطالبة الحكومة بعدد من الاصلاحات، وتحسين الخدمات والقضاء على الفساد الاداري والمالي، وغير ذلك من المطالب الشعبية المشروعة، كل ذلك اثبت أن وجود المعارضة السياسية السلمية الموجهة ضد السلطة ظاهرة صحية وضرورية في أي تجربة ديمقراطية تتطلع للنجاح والتطور بجدية خدمة لشعبها. فالسلطة والمعارضة مكملتان لبعضهما ولا يمكن تصور نظام ديمقراطي حقيقي دون وجود معارضة حقيقية الى جانب السلطة. وحيثما توجد السلطة وتنعدم المعارضة فإن تلك السلطة تصبح مع مرور الزمن فاسدة شأن ذلك الماء الذي يركد في حوض او مستنقع فيتحول تدريجيا الى ماء آسن، ويرينا التاريخ أمثلة ونماذج كثيرة تثبت هذه الحقيقة.
ان ظهور وتطور المعارضة البرلمانية في اقليم كردستان جاء ايذانا ببدء مرحلة جديدة من الحياة السياسية الديمقراطية في هذا الاقليم، كما جاء ايذانا بأن عهد احتكار السلطة قد انتهى ليحل محله عهد التغيير وتداول السلطة وشيوع الديمقراطية بمفهومها الصحيح وحسب القياسات العالمية. صحيح ان هذه المسألة لاتزال في بدايتها وان المجتمع الكردي لا يملك تجربة سابقة في الحياة البرلمانية السليمة وبصدد المعارضة البرلمانية، غير ان الخطوة الاساسية قد انجزت واتخذت طريقها الذي لا رجعة عنه.. خصوصا” بعد أن كسر جدار الخوف والرهبة الذي كان مخيما” على الاجواء السياسية في الاقليم، بسبب تراكم الاقتتال الداخلي وكثرة الصراعات الداخلية بين القوى والاحزاب السياسية المختلفة في الاقليم.
الخاتمة
لقد تمكنت المعارضة السياسية في اقليم كردستان من دفع العملية السياسية والتجربة الديمقراطية في الاقليم الى تحقيق العديد من المنجزات المهمة لصالح الشعب الكردي في الاقليم وذلك من خلال تقديم مشاريع العديد من القوانين وتفعيل عدد آخر منها، وكلها يعود بالنفع الى الشعب الكردي والعملية الديمقراطية في الاقليم.
استنادا” لما سبق فان تبلور وظهور دور المعارضة السياسية الايجابي في اقليم كردستان عكس واشر النضج السياسي والوعي الاجتماعي الذي اتسمت به عملية تطور التجربة الديمقراطية في اقليم كردستان والذي تعزز بظهور وتبلور المعارضة السياسية، وهو ما دفع السلطات الحكومية الى أن تحسب حسابا” للمعارضة السياسية ، خصوصا” بعد أن نضجت تلك المعارضة سياسيا” وتمكنت من توحيد صفوفها على الرغم من اختلاف توجُّهاتها الفكرية والسّياسية، وتوزّعها بين احزاب دينية واخرى علمانية، كما استطاعت المعارضة السياسية من توحيد وتنسيق مطالبها لمواجهة احزاب السلطة بشكل قانوني وفي اطار عملية ديمقراطية هدفها المصلحة العامة للإقليم وشعبه.
















