المضحُّون

372

حسن النواب

في‭ ‬عزلتنا‭ ‬الإجبارية‭ ‬ننشدُ‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يفتك‭ ‬بنا‭ ‬هذا‭ ‬الڤايروس‭ ‬الخبيث،‭ ‬نأكل‭ ‬ونشرب‭ ‬ما‭ ‬تيسَّر‭ ‬لدينا‭ ‬وحسب‭ ‬الدخل‭ ‬لكل‭ ‬أسرة،‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يتناول‭ ‬مالذَّ‭ ‬وطاب‭ ‬من‭ ‬طعام؛‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬إلى‭ ‬معدته‭ ‬سوى‭ ‬الخبز‭ ‬والقوت‭ ‬البسيط؛‭ ‬عوائل‭ ‬ثريَّة‭ ‬توفَّرت‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬وسائل‭ ‬الراحة‭ ‬والترفيه‭ ‬في‭ ‬قصورها‭ ‬الفخمة،‭ ‬وعوائل‭ ‬فقيرة‭ ‬تنتظر‭ ‬من‭ ‬يطرق‭ ‬عليها‭ ‬الباب‭ ‬لينقذها‭ ‬من‭ ‬جوع‭ ‬يكاد‭ ‬يفتك‭ ‬بها،‭ ‬فالعوائل‭ ‬المُعدمة‭ ‬تقاوم‭ ‬الجوع‭ ‬والڤايروس‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وكان‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬عونها،‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المعاناة‭ ‬فهي‭ ‬أفضل‭ ‬حالاً‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الشجعان‭ ‬الذين‭ ‬يقفون‭ ‬في‭ ‬الخط‭ ‬الأول‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬الأعمى‭ ‬والجائحة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترحم،‭ ‬وأعني‭ ‬بهم‭ ‬الأطباء‭ ‬والممرضين‭ ‬والممرضات‭ ‬في‭ ‬المشافي،‭ ‬ورجال‭ ‬الأمن‭ ‬الذين‭ ‬يضبطون‭ ‬ويراقبون‭ ‬حركة‭ ‬منع‭ ‬التجوال‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المدن،‭ ‬فهم‭ ‬على‭ ‬تماس‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الڤايروس‭ ‬اللعين؛‭ ‬وثمَّة‭ ‬فئة‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬ننتبه‭ ‬إلى‭ ‬تضحياتهم‭ ‬وخطورة‭ ‬عملهم،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يقدمون‭ ‬الرعاية‭ ‬للأطفال‭ ‬والأحداث‭ ‬المتخلفين‭ ‬عقلياً‭ ‬والأيتام‭ ‬والمسنين‭ ‬والكهول‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لكن‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬يواجهون‭ ‬احتمالية‭ ‬هجوم‭ ‬الڤايروس‭ ‬عليهم،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬المتخلفين‭ ‬عقليا‭ ‬في‭ ‬مشفى‭ ‬المجانين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الإعاقة‭ ‬الجسدية‭. ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬المجانين‭ ‬والمتخلفين‭ ‬عقليًا،‭ ‬ومن‭ ‬تجربة‭ ‬واقعية‭ ‬سمعتُ‭ ‬عن‭ ‬المعاناة‭ ‬التي‭ ‬يتكبدها‭ ‬موظفو‭ ‬الخدمة‭ ‬مع‭ ‬الفئات‭ ‬المتخلفة‭ ‬عقلياً،‭ ‬حيث‭ ‬يعمل‭ ‬اثنان‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬أختي‭ ‬كمراقبين‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الحنان‭ ‬بمحافظة‭ ‬كربلاء،‭ ‬والتي‭ ‬تضم‭ ‬مئة‭ ‬وخمسين‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة‭ ‬الشديدي‭ ‬العوق،‭ ‬وهما‭ ‬يواصلان‭ ‬الليل‭ ‬بالنهار‭ ‬مع‭ ‬موظفي‭ ‬خدمة‭ ‬آخرين‭ ‬لتقديم‭ ‬المعونة‭ ‬من‭ ‬إطعام‭ ‬وتنظيف‭ ‬واستحمام‭ ‬وتبديل‭ ‬ملابس‭ ‬وحتى‭ ‬حفَّاظات‭ ‬البراز‭ ‬لأولئك‭ ‬الذين‭ ‬حرموا‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬العقل،‭ ‬وهي‭ ‬خدمات‭ ‬شاقة‭ ‬وعسيرة‭ ‬ناهيك‭ ‬عمَّا‭ ‬يتلقونه‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬عدواني‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬المعوقين،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬المرهقة‭ ‬والخدمات‭ ‬الجليلة‭ ‬مقابل‭ ‬رواتب‭ ‬شحيحة‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬التضحيات‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬هؤلاء‭ ‬المضحون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ودعونا‭ ‬نعترف‭ ‬أنَّ‭ ‬هكذا‭ ‬خدمات‭ ‬وأعمال‭ ‬مقرفة‭ ‬يتجنبها‭ ‬الجميع،‭ ‬والبرهان‭ ‬أنَّ‭ ‬دور‭ ‬العجزة‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬أوربية‭ ‬متقدمة‭ ‬مثل‭ ‬أسبانيا،‭ ‬شهدت‭ ‬جريمة‭ ‬إنسانية‭ ‬بحق‭ ‬هؤلاء‭ ‬الكهول‭ ‬مع‭ ‬تفشي‭ ‬ڤايروس‭ ‬كورونا‭ ‬هناك،‭ ‬حيث‭ ‬أعلنت‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬أن‭ ‬عسكريين‭ ‬ممن‭ ‬يساعدون‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬انتشار‭ ‬وباء‭ ‬كورونا،‭ ‬عثروا‭ ‬على‭ ‬نزلاء‭ ‬دور‭ ‬لرعاية‭ ‬المُسنّين‭ ‬بدون‭ ‬من‭ ‬يرعاهم،‭ ‬وآخرين‭ ‬موتى‭ ‬على‭ ‬أسرّتهم‭ ‬أثناء‭ ‬تفقده‭ ‬لتلك‭ ‬الأمكنة‭ ‬التي‭ ‬ترعى‭ ‬المسنين‭ ‬مع‭ ‬هروب‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬فيها؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يواصل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الإنسانيون‭ ‬تقديم‭ ‬خدماتهم‭ ‬لهذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬شديدي‭ ‬العقوق،‭ ‬برغم‭ ‬معاناتهم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬توفير‭ ‬أبسط‭ ‬مقومات‭ ‬الوقاية‭ ‬لهم،‭ ‬فلا‭ ‬كمَّات‭ ‬لديهم‭ ‬ولا‭ ‬ملابس‭ ‬خاصة‭ ‬تدرأ‭ ‬عنهم‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬الخطير،‭ ‬ليلة‭ ‬أمس‭ ‬وصل‭ ‬ابن‭ ‬اختي‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬منهكاً؛‭ ‬فطلبتُ‭ ‬منهُ‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الحمَّام‭ ‬فورًا‭ ‬والاغتسال‭ ‬والتطهير‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬ملابسه،‭ ‬لا‭ ‬أخفيكم‭ ‬أنَّ‭ ‬إقامتي‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أختي‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬على‭ ‬تماس‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬الفئات‭ ‬الشديدة‭ ‬العوق‭ ‬الجسدي‭ ‬والذهني،‭ ‬وأنَّ‭ ‬احتمال‭ ‬الإصابة‭ ‬بالڤايروس‭ ‬المميت‭ ‬واردة‭ ‬جدًا،‭ ‬مع‭ ‬الظروف‭ ‬المحيطة‭ ‬بي،‭ ‬لكني‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬أشعر‭ ‬بالفخر‭ ‬لأن‭ ‬أبناء‭ ‬أختي‭ ‬يقومان‭ ‬بعمل‭ ‬إنساني‭ ‬عظيم‭ ‬يخشاهُ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬حفظهما‭ ‬الله‭ ‬وحفظ‭ ‬جميع‭ ‬الذين‭ ‬يقفون‭ ‬في‭ ‬الخط‭ ‬الأول‭ ‬بمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الوباء‭ ‬المرعب،‭ ‬وحفظ‭ ‬البشرية‭ ‬جميعًا‭. ‬سنهزم‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬بصبرنا‭ ‬وبمزيد‭ ‬من‭ ‬الأمل‭.‬

[email protected]‭.‬com

مشاركة