المصريون يريدون الخروج من الظل بعد قرن على اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون

القاهرة‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تجسّد‭ ‬الصورة‭ ‬التاريخية‭ ‬للبريطاني‭ ‬هوارد‭ ‬كارتر‭ ‬وهو‭ ‬يتفقد‭ ‬تابوت‭ ‬توت‭ ‬عتخ‭ ‬آمون‭ ‬بينما‭ ‬يقف‭ ‬مصري‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬قربه،‭ ‬والعائدة‭ ‬الى‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬مئتي‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬المصريات‭: ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬العالِم‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬يكتشف‭ ‬كنوز‭ ‬مصر،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬أيادٍ‭ ‬مصرية‭ ‬تجاهلها‭ ‬تاريخ‭ ‬الكشوفات‭ ‬الفرعونية‭.‬

وتقول‭ ‬أستاذة‭ ‬المصريات‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬دورهام‭ ‬البريطانية‭ ‬كريستينا‭ ‬ريغز‭ ‬إن‭ ‬علم‭ ‬المصريات‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ “‬خلق‭ ‬تفاوتات‭ ‬هيكلية‭” ‬ما‭ ‬تزال‭ “‬أصداؤها‭ ‬موجودة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭”. ‬وفيما‭ ‬يحتفل‭ ‬العالم‭ ‬بمرور‭ ‬قرنين‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬حجر‭ ‬رشيد‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الفرنسي‭ ‬جان‭ ‬فرانسوا‭ ‬شامبوليون‭ ‬ومئة‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬مقبرة‭ ‬الملك‭ ‬الط‭ ‬فل‭ ‬توت‭ ‬عنخ‭ ‬آمون،‭ ‬ترتفع‭ ‬أصوات‭ ‬للمطالبة‭ ‬بخروج‭ ‬مساهمات‭ ‬المصريين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭ ‬الى‭ ‬العلن‭. ‬وتعكس‭ ‬المطالب‭ ‬رغبة‭ ‬المصريين‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬تراث‭ ‬بلدهم‭ ‬واسترجاع‭ ‬كنوز‭ ‬من‭ ‬آثارهم‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ “‬سرقها‭”.‬

ويؤكد‭ ‬رئيس‭ ‬بعثة‭ ‬التنقيب‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬القرنة‭ (‬جنوب‭) ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬درملي‭ ‬أن‭ ‬المصريين‭ “‬تحمّلوا‭ ‬عبء‭ ‬الشغل‭ ‬كلّه،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬أجنبي‭ ‬يعمل‭ ‬بيده‭”.‬‮ ‬

وبتابع‭ “‬بدوننا‭ (‬المصريين‭)‬،‭ ‬لما‭ ‬حصلت‭ ‬اكتشافات‭. ‬العامل‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬نقّب‭ ‬له‭ ‬اسم‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬كتابنه‭ ‬ولكنه‭ ‬نسي‭ ‬على‭ ‬الفور‭”. ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه،‭ ‬تقول‭ ‬الباحثة‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬المصري‭ ‬هبة‭ ‬عبد‭ ‬الجواد‭ “‬كأن‭ ‬أحدا‭ ‬لم‭ ‬يحاول‭ ‬فهم‭ ‬مصر‭ ‬القديمة‭” ‬قبل‭ ‬شامبوليون‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1822‭.‬

مجهولون‭”‬

وتوضح‭ ‬ريغز‭ ‬أن‭ ‬المصري‭ ‬الواقف‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬الى‭ ‬جوار‭ ‬كارتر‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬الشهيرة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ “‬حسين‭ ‬أبو‭ ‬عوض‭ ‬أو‭ ‬حسين‭ ‬أحمد‭ ‬سعيد‭”‬،‭ ‬وهما‭ ‬رجلان‭ ‬كانا‭ ‬لعقود‭ ‬من‭ ‬أعمدة‭ ‬فريق‭ ‬كارتر‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬أحمد‭ ‬جريجر‭ ‬وجاد‭ ‬حسن‭.‬

لكنها‭ ‬تضيف‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬خبير‭ ‬أن‭ ‬يتعرف‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬الأشخاص‭ ‬الموجودين‭ ‬في‭ ‬الصور‭.‬

وتقول‭ ‬أستاذة‭ ‬التاريخ‭ “‬قبع‭ ‬المصريون‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬مجهولين‭ ‬وغير‭ ‬مرئيين‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬تاريخهم‭”.‬

اسم‭ ‬واحد‭ ‬ظهر،‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬آل‭ ‬عبد‭ ‬الرسول‭.‬

في‭ ‬البداية،‭ ‬تم‭ ‬تداول‭ ‬اسم‭ ‬حسين‭ ‬عبد‭ ‬الرسول‭ ‬الذي‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنه‭ ‬اكتشف‭ ‬بالصدفة،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬طفلا،‭ ‬مقبرة‭ ‬توت‭ ‬عنخ‭ ‬آمون‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬لنهر‭ ‬النيل‭ ‬في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬1922‭ ‬داخل‭ ‬جبانة‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬الأقصر،‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬القرنة‭.‬

وتتعدّد‭ ‬الروايات‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭: ‬تعثّرت‭ ‬قدماه‭ ‬فوقها‭ ‬أو‭ ‬تعثّرت‭ ‬معزته‭ ‬عندها‭ ‬أو‭ ‬انقلبت‭ ‬منه‭ ‬قلة‭ (‬إناء‭ ‬من‭ ‬الفخار‭ ‬كان‭ ‬يستخدم‭ ‬لتبريد‭ ‬المياه‭) ‬فكشفت‭ ‬الماء‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬حجر‭. ‬وبحسب‭ ‬الأسطورة‭ ‬المحلية،‭ ‬اكتشف‭ ‬اثنان‭ ‬من‭ ‬أجداده‭ ‬أحمد‭ ‬ومحمد‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1871،‭ ‬الموميات‭ ‬الخمسين‭ ‬التي‭ ‬عثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الدير‭ ‬البحري‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬مومياء‭ ‬رمسيس‭ ‬الثاني‭. ‬والتقت‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬حفيد‭ ‬أحد‭ ‬أقرباء‭ ‬حسين‭ ‬عبد‭ ‬الرسول‭ ‬ويدعي‭ ‬سيد،‭ ‬وقد‭ ‬انفجر‭ ‬ضاحكا‭ ‬عندما‭ ‬سمع‭ ‬هذه‭ ‬الروايات‭. ‬وقال‭ ‬مازحا‭ “‬أقوى‭ ‬اثنتين‭ ‬عندنا‭ ‬ينبغي‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬عليهما‭ ‬هما‭ ‬المعزة‭ ‬والقلة‭”‬،‭ ‬ثم‭ ‬تساءل‭ “‬هل‭ ‬هذا‭ ‬منطقي؟‭”.‬

واعتبر‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ “‬أناسا‭ ‬آخرين‭ ‬كتبوا‭ (‬التاريخ‭)‬،‭ ‬ونحن‭ ‬لم‭ ‬نكتب‭”.‬

وتشير‭ ‬كريستينا‭ ‬ريغز‭ ‬الى‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬نُسب‭ ‬فيها‭ ‬اكتشاف‭ ‬الى‭ ‬المصريين،‭ ‬كان‭ ‬الفضل‭ ‬يعود‭ ‬إما‭ ‬الى‭ “‬أطفال‭ ‬أو‭ ‬لصوص‭ ‬مقابر‭”‬،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ “‬حيواناتهم‭”.‬

أما‭ ‬هبة‭ ‬عبد‭ ‬الجواد‭ ‬فتشير‭ ‬الى‭ ‬أن‭ “‬علم‭ ‬الحفائر‭ ‬وعلم‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬يقومان‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وخصوصا‭ ‬معرفة‭ ‬بطبقات‭ ‬الأرض‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تحليل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬الفلاح‭ ‬المصري‭ ‬كونه‭ ‬يحتك‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬مع‭ ‬التربة‭ ‬والأرض‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭”‬‭. ‬لهذا‭ ‬انتقلت‭ ‬عمليات‭ ‬التنقيب‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬الى‭ ‬جيل‭ ‬في‭ ‬القرنة‭ ‬حيث‭ ‬يعيش‭ ‬آل‭ ‬عبد‭ ‬الرسول،‭ ‬والى‭ ‬قفط‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬الأقصر‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تدريب‭ ‬سكانها‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1880‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬البريطاني‭ ‬وليام‭ ‬فلندرز‭ ‬بيتري‭. ‬وكان‭ ‬الجدّ‭ ‬الأكبر‭ ‬لمصطفى‭ ‬عبده‭ ‬صادق‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭.‬

في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬استقرّ‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬600‭ ‬كيلومتر‭ ‬شمال‭ ‬قفط‭ ‬للتنقيب‭ ‬في‭ ‬جبانة‭ ‬سقارة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أهرامات‭ ‬الجيزة‭.‬

أبناء‭ ‬توت‭ ‬عنخ‭ ‬آمون‭”‬

وساعد‭ ‬مع‭ ‬أولاده‭ ‬وأحفاده‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬عشرات‭ ‬المقابر،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬روى‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬الحفيد‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬عالم‭ ‬آثار‭ ‬معروف‭.‬

وقال‭ ‬إن‭ ‬أسرته‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬حقها،‭ ‬رافعا‭ ‬صور‭ ‬أجداده‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬اسم‭ ‬أي‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬اليوم‭.‬

وترى‭ ‬عميدة‭ ‬كلية‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬أسوان‭ ‬مونيكا‭ ‬حنا‭ ‬أنه‭ “‬تم‭ ‬تجاهل‭ ‬المصريين‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬تاريخهم‭ ‬بسبب‭ ‬الاستعمار‭ ‬الثقافي‭ ‬لمصر‭ ‬منذ‭ ‬200‭ ‬سنة‭”.‬

وتقول‭ ‬المحاضرة‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الآثار‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬فاطمة‭ ‬كشك‭ ‬إنه‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ “‬السياق‭ ‬التاريخي‭ ‬لمصر‭ ‬خلال‭ ‬الاستعمار‭” ‬البريطاني‭.‬

في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وعلى‭ ‬خلفية‭ ‬الروح‭ ‬الوطنية‭ ‬المتصاعدة،‭ ‬أصبح‭ ‬التراث‭ ‬الفرعوني‭ ‬أداة‭ ‬لتقوية‭ ‬الحس‭ ‬الوطني‭. ‬ونحولت‭ ‬الحرب‭ ‬الثقافية‭ ‬الى‭ ‬معركة‭ ‬سياسية‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬1922‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬اكتشاف‭ ‬مقبرة‭ ‬الملك‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬الملوك،‭ ‬غنّت‭ ‬المطربة‭ ‬الأشهر‭ ‬آنذاك‭ ‬منيرة‭ ‬المهدية‭ “‬إحنا‭ ‬ولاد‭ ‬توت‭ ‬عنخ‭ ‬آمون‭”‬‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬وبعد‭ ‬حملات‭ ‬متكررة‭ ‬نددت‭ ‬بهيمنة‭ ‬الأجانب‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الوطني،‭ ‬تمكنت‭ ‬القاهرة‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬لنظام‭ ‬التقسيم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ساريا‭ ‬خلال‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬ويقضي‭ ‬بأن‭ ‬يحصل‭ ‬الغربيون‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬اكتشافه‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬مقابل‭ ‬تمويلهم‭ ‬عمليات‭ ‬التنقيب‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬القديمة‭ ‬فُصِلت‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬مصر‭ ‬الحديثة،‭ ‬وبات‭ ‬يُنظر‭ ‬الى‭ “‬الحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حضارة‭ ‬ملك‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬كان‭ ‬متمركزا‭ ‬في‭ ‬الغرب‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬هبة‭ ‬عبد‭ ‬الجواد‭.‬

وبقى‭ ‬توت‭ ‬عنخ‭ ‬آمون‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ولكن‭ “‬أرشيف‭ ‬عملية‭ ‬التنقيب‭” ‬الضروري‭ ‬لأي‭ ‬نشر‭ ‬أكاديمي‭ ‬وعلمي‭ ‬ذهب‭ ‬الى‭ ‬كارتر‭ ‬واعتبر‭ ‬من‭ ‬مقتنياته‭ ‬الخاصة،‭ ‬وفق‭ ‬حنا‭.‬

وأضافت‭ “‬كنا‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬مستعمَرين،‭ ‬ولذلك‭ ‬تركوا‭ ‬لنا‭ ‬القطع‭ ‬ولكن‭ ‬أخذوا‭ ‬منّا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬عن‭ ‬مقبرة‭ ‬توت‭ ‬عنخ‭ ‬آمون‭”.‬

وعندما‭ ‬قررت‭ ‬ابنة‭ ‬شقيق‭ ‬هوارد‭ ‬كارتر‭ ‬أن‭ ‬تتبرّع‭ ‬بهذا‭ ‬الأرشيف‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1939،‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تهبه‭ ‬لجامعة‭ ‬أكسفورد‭ ‬وليس‭ ‬الى‭ ‬مصر‭.‬

وتنظم‭ ‬جامعة‭ ‬أكسفورد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬معرضا‭ ‬باسم‭ “‬توت‭ ‬عنخ‭ ‬آمون‭: ‬تنقيب‭ ‬في‭ ‬الأرشيف‭” ‬لكي‭ ‬تلقي‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ “‬المصريين‭ ‬المنسيين‭ ‬غالبا‭ ‬من‭ ‬الفرق‭ ‬الأثرية‭”.‬

في‭ ‬القرنة،‭ ‬يتذكر‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬الراضي‭ (‬73‭ ‬عاما‭) ‬أنه‭ ‬عثر‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬طفلا‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬مومياء‭ ‬قرب‭ ‬أساسات‭ ‬المنزل‭ ‬الذي‭ ‬كبر‭ ‬فيه‭ ‬والذي‭ ‬شُيّد‭ ‬فوق‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مقابر‭ ‬جبانة‭ ‬طيبة‭ ‬حيث‭ ‬كبر‭. ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬أمه‭ ‬انفجرت‭ ‬باكية‭ ‬وهي‭ ‬تتوسل‭ ‬اليه‭ ‬أن‭ ‬يعامل‭ “‬هذه‭ ‬الملكة‭” ‬باحترام‭. ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬بحسب‭ ‬عبد‭ ‬الراضي،‭ ‬تخزّن‭ ‬البصل‭ ‬والثوم‭ ‬في‭ ‬تابوت‭ ‬من‭ ‬الغرانيت‭. ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬القرنة‭ ‬إلا‭ ‬الأنقاض‭ ‬التي‭ ‬تنتصب‭ ‬بينها،‭ ‬بين‭ ‬المقابر‭ ‬والمعابد،‭ ‬أعمدة‭ ‬ممنون‭ ‬التي‭ ‬بنيت‭ ‬قبل‭ ‬3400‭ ‬عام‭ ‬وكأنها‭ ‬تسهر‭ ‬على‭ ‬رعاية‭ ‬الأحياء‭ ‬والموتى‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬1998،‭ ‬بدأت‭ ‬جرافات‭ ‬تابعة‭ ‬للحكومة‭ ‬بتدمير‭ ‬المنازل‭ ‬الصغيرة‭ ‬المشيدة‭ ‬بالطين‭ ‬والحجر‭ ‬والتي‭ ‬تأوي‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬القرنة‭ ‬وتوجد‭ ‬أسفلها‭ ‬مقابر‭ ‬يعود‭ ‬معظمها‭ ‬الى‭ ‬الحقبة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬العامين‭ ‬1200‭ ‬و1500‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭.‬

وفي‭ ‬اشتباكات‭ ‬مع‭ ‬الشرطة،‭ ‬قتل‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬الذين‭ ‬رفضوا‭ ‬إخلاء‭ ‬منازلهم‭.‬

ويقول‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬درملي‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬القرنة‭ ‬احتجوا‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬بيوتهم‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباطهم‭ ‬الكبير‭ ‬بالتراث‭ ‬الفرعوني‭.‬

تمّت‭ ‬المعركة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كشف‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصريين،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬انتقادات‭ ‬من‭ ‬اليونسكو‭.‬

ودافع‭ ‬وزير‭ ‬الآثار‭ ‬آنذاك‭ ‬زاهي‭ ‬حواس‭ ‬عن‭ ‬قرار‭ ‬إزالة‭ ‬المنازل‭ ‬قائلا‭ “‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬القيام‭ ‬بذلك‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭”.‬

وبجلول‭ ‬العام‭ ‬2008،‭ ‬كانت‭ ‬معظم‭ ‬المنازل‭ ‬أزيلت‭ ‬ونُقل‭ ‬السكان‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬رزقهم‭ ‬حول‭ ‬الآثار‭ ‬الفرعونية‭ ‬والأراضي‭ ‬التي‭ ‬يرعون‭ ‬فيها‭ ‬ماشيتهم‭.‬

ووفق‭ ‬مونيكا‭ ‬حنا،‭ ‬أرادت‭ ‬السلطات‭ ‬إجلاء‭ “‬الناس‭ ‬لتجعل‭ ‬من‭ ‬الأقصر‭ ‬متحفا‭ ‬مفتوحا،‭ ‬فيأتي‭ ‬السائح‭ ‬ويرى‭ ‬الآثار‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬منذ‭ ‬مئات‭ ‬السنين‭”‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬سمعة‭ ‬أهالي‭ ‬القرية‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬كانت‭ ‬أنهم‭ ‬لصوص‭ ‬آثار‭.‬

غنيمة‭ ‬حرب‭ ‬

على‭ ‬مدي‭ ‬قرون،‭ ‬خرجت‭ ‬أعداد‭ ‬لا‭ ‬تحصى‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬من‭ ‬مصر‭. ‬بعضها،‭ ‬مثل‭ ‬مسلة‭ ‬الأقصر‭ ‬في‭ ‬بارس‭ ‬أو‭ ‬معبد‭ ‬ديبود‭ ‬في‭ ‬مدريد،‭ ‬منحتها‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭ ‬هدايا‭ ‬لدول‭ ‬صديقة‭.‬

ولكن‭ ‬قطعا‭ ‬أخرى‭ ‬أرسلت‭ ‬الى‭ ‬المتاحف‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬اطار‭ ‬نظام‭ ‬التقاسم‭ ‬الاستعماري‭.‬

وذهبت‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬القطع‭ ‬الى‭ “‬مقتنيات‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬هبة‭ ‬عبد‭ ‬الجواد‭.‬

وأطلق‭ ‬زاهي‭ ‬حواس‭ ‬حملة‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استعادة‭ ‬حجر‭ ‬رشيد‭ ‬وزودياك‭ ‬دندرة‭. ‬وقد‭ ‬تمكن‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬78‭ ‬ألف‭ ‬توقيع،‭ ‬ويعتزم‭ ‬إطلاق‭ ‬عريضة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬وتمثال‭ ‬نفرتيتي،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القطع‭ ‬الثلاث‭ ‬تثير‭ ‬جدلا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬

ويعرض‭ ‬حجر‭ ‬رشيد‭ ‬الذي‭ ‬حفرت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬196‭ ‬قبل‭ ‬ميلاد‭ ‬المسيح‭ ‬كلمات‭ ‬باللغات‭ ‬اليونانية‭ ‬القديمة‭ ‬والمصرية‭ ‬القديمة‭ ‬والهيروغليقية،‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬ومكتوب‭ ‬الى‭ ‬جواره‭ “‬أخذه‭ ‬الجيش‭ ‬البريطاني‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1801‭”.‬

وقال‭ ‬متحدث‭ ‬باسم‭ ‬الجيش‭ ‬البريطاني‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬الحجر‭ “‬هدية‭ ‬دبلوماسية‭”‬،‭ ‬ولكن‭ ‬هبة‭ ‬عبد‭ ‬الجواد‭ ‬تقول‭ ‬إنه‭ “‬غنيمة‭ ‬حرب‭”.‬

أما‭ ‬تمثال‭ ‬نفرتيتي‭ ‬فحط‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬في‭ ‬برلين‭ (‬Neues Museum‭ ) ‬في‭ ‬برلين‭ ‬بموجب‭ ‬نظام‭ ‬التقاسم‭ ‬الاستعماري،‭ ‬وفق‭ ‬السلطات‭ ‬الالمانية‭.‬

ويؤكد‭ ‬حواس‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬نفرتيتي‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1340‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬وجلبها‭ ‬علماء‭ ‬آثار‭ ‬ألمان‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1912‭ “‬خرجت‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مشروع‭”‬‭.‬

أما‭ ‬زودياك‭ ‬دندرة‭ ‬فوصل‭ ‬الى‭ ‬باريس‭ ‬عام‭ ‬1820‭ ‬عندما‭ ‬أرسل‭ ‬عمدة‭ ‬المدينة‭ ‬سيباستيان‭ ‬لوي‭ ‬سولنييه‭ ‬فريقا‭ ‬لنزعه‭ ‬بالمتفجرات‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬المعابد‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬مصر‭.‬

الزودياك‭ ‬البالغ‭ ‬طوله‭ ‬2،5‭ ‬متر‭ ‬وكذلك‭ ‬عرضه،‭ ‬معلّق‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أسقف‭ ‬متحف‭ ‬اللوفر‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬1922‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬توجد‭ ‬منه‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬الجص‭ ‬في‭ ‬دندرة‭.‬

وتعتبر‭ ‬مونيكا‭ ‬حنا‭ ‬أن‭ ‬نقل‭ ‬الزودياك‭ ‬الى‭ ‬اللوفر‭ “‬جريمة‭”.‬

وتضيف‭ “‬ما‭ ‬كان‭ ‬مقبولا‭ ‬آنذاك‭” ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كذلك‭ “‬بالموازين‭ ‬الأخلاقية‭ ‬للقرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭”.‬