المشهد الثقافي بعد داعش – فارس السردار

504

لارسطو‭ ‬عبارة‭ ‬استوقفتني‭ ‬تقول‭: ‬تحدث‭ ‬أراك‭… ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬احد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حل‭ ‬بالموصل‭ ‬زمن‭ ‬داعش‭ ‬كان‭ ‬مروعا‭ ‬ذكر‭ ‬بما‭ ‬تناقلته‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬أيام‭ ‬هولاكو‭ ‬أو‭ ‬نادر‭ ‬شاه‭ ‬ابان‭ ‬غزوهما‭ ‬للعراق‭ ‬والموصل‭ ‬تحديدا،‭ ‬من‭ ‬ترويع‭ ‬وقتل‭ ‬بالمحان‭ ‬ومحاولة‭ ‬ترويض‭ ‬وكسر‭ ‬للارادة‭ ‬بغية‭ ‬ترسيخ‭ ‬التخلف‭ ‬وتعطيل‭ ‬عجلة‭ ‬التقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والفكري‭ ‬،‭ ‬وايقاف‭ ‬انبثاق‭ ‬النموذج‭ ‬الحضاري‭ ‬الاسلامي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬دب‭ ‬في‭ ‬بدنه‭ ‬الخدر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أغفل‭ ‬تيار‭ ‬العقل‭ ‬وأرتمى‭ ‬في‭ ‬احضان‭ ‬النقل‭. ‬ولان‭ ‬انحسار‭ ‬الاشراق‭ ‬لاي‭ ‬امة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬باغفال‭ ‬التحديث‭ ‬والتجديد‭ ‬والتمسك‭ ‬بالماضي‭ ‬واليات‭ ‬اشتغاله‭ ‬ماديا‭ ‬وفكريا‭. ‬وبما‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الفارقة‭ ‬والمجحفة‭ ‬بدت‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬بحثنا‭ ‬وترصدنا‭ ‬بغية‭ ‬اكتشاف‭ ‬اسباب‭ ‬تراخي‭ ‬قبضة‭ ‬الامة‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬واهدافها‭ ‬التي‭ ‬تؤشر‭ ‬باتحاه‭ ‬ديمومتها‭ ‬،‭ ‬مما‭ ‬ادى‭ ‬بها‭ ‬الى‭ ‬الانزلاق‭ ‬في‭ ‬الهاوية‭ ‬لتستقر‭ ‬قرونا‭ ‬في‭ ‬سبات‭ ‬وخدر‭ ‬عميقين‭. ‬ولأننا‭ ‬الان‭ ‬ندعي‭ ‬كثيرا‭ ‬أننا‭ ‬لن‭ ‬ننصف‭ ‬واننا‭ ‬اهل‭ ‬حضارة‭ ‬،‭ ‬وان‭ ‬اغلب‭ ‬ملاحم‭ ‬البشرية‭ ‬انبثقت‭ ‬من‭ ‬عندنا،‭ ‬لترسم‭ ‬معالم‭ ‬ارتقاء‭ ‬الانسان،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬فضل‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬بات‭ ‬حتما‭ ‬ارتداد‭ ‬السؤال‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬لانه‭ ‬يصطدم‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬بعث‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الجسد‭ ‬الذي‭ ‬نالت‭ ‬منه‭ ‬المخالب‭ ‬والتيئيس،‭ ‬حتى‭ ‬بتنا‭ ‬لا‭ ‬نؤمن‭ ‬الا‭ ‬بالمؤامرة‭ ‬التي‭ ‬نلقي‭ ‬فوق‭ ‬شماعتها‭ ‬كل‭ ‬اسمالنا‭ ‬او‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬منها‭. ‬ولاني‭ ‬لا‭ ‬أؤمن‭ ‬بالمؤامرة‭ ‬بل‭ ‬اؤمن‭ ‬بالتدافع‭. ‬ولكي‭ ‬املك‭ ‬قدرة‭ ‬الدفع‭ ‬الى‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬اريد‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬طاقة‭ ‬الدفع‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يمثلها‭ ‬الا‭ ‬الخطابات‭ ‬الحماسية‭ ‬والانشائية‭ ‬الفخمة‭ ‬المنمقة‭ ‬بالبيان‭ ‬والبديع‭ ‬أو‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬وبال‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬عبر‭ ‬صحوة‭ ‬سماوية‭ ‬تعيد‭ ‬توزيع‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬الحروف‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تبعثرت‭ . ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬اي‭ ‬تفيير‭ ‬تكمن‭ ‬حدوده‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التصدي‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬سلبي،‭ ‬وتحدي‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مؤذ،‭ ‬والاستجابة‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬مشرق،‭ ‬والعمل‭ ‬وفق‭ ‬قوانين‭ ‬الطبيعة‭ ‬والعصر‭ ‬التي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬تمحيصنا‭ ‬لها،‭ ‬الا‭ ‬انها‭ ‬اتت‭ ‬أكلها‭ ‬عند‭ ‬أكثر‭ ‬شعوب‭ ‬الارض‭ ‬بؤسا،‭ ‬ووضعتهم‭ ‬على‭ ‬عتبات‭ ‬القوة‭ ‬وإبداء‭ ‬الرأي‭. ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬حالنا‭ ‬نتجول‭ ‬بين‭ ‬ركامات‭ ‬مدننا‭ ‬واحلامنا‭ ‬الموؤودة‭ ‬دوما‭… ‬ولأننا‭ ‬والموصل‭ ‬تعيش‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة،‭ ‬وثمة‭ ‬رغبة‭ ‬واضحة‭ ‬يمكن‭ ‬،‭ ‬تميزها‭ ‬وقراءتها‭ ‬عبر‭ ‬احاديث‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬مجالسهم‭ ‬وعلى‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬انواعها،‭ ‬وعبر‭ ‬ما‭ ‬يتشكل‭ ‬من‭ ‬منتديات‭ ‬وتجمعات‭ ‬ونواد‭ ‬ومجالس‭ ‬وملتقيات‭ ‬تسعى‭ ‬بحثا‭ ‬وتنقيبا‭ ‬للامساك‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التجاوز‭ ‬واعادة‭ ‬التاسيس‭ ‬او‭ ‬لملمة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬كلمة‭ ‬سواء‭. ‬ولان‭ ‬الثقافة‭ ‬كمسار‭ ‬لم‭ ‬يعتنى‭ ‬بها‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬ادبياتنا‭ ‬الفكرية،‭ ‬وكان‭ ‬الركون‭ ‬واضحا‭ ‬الى‭ ‬التواكل‭ ‬والقدر‭ ‬والتسويف‭ ‬والانتظار‭ ‬والدعاء‭ ‬والتمني،‭ ‬مما‭ ‬قادنا‭ ‬الى‭ ‬الوقوف‭ ‬سلبا‭ ‬تجاه‭ ‬اي‭ ‬فعل‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬جهد‭ ‬وأناة‭ ‬وكفاح‭.. ‬لذلك‭ ‬شدت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الانتباه‭ ‬كونها‭ ‬تحاول‭ ‬وعبر‭ ‬ما‭ ‬يترشح‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬قناعات‭ ‬ومشارب‭ ‬فكرية‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬حلا‭ ‬او‭ ‬تنطلقمما‭ ‬تراه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬حلا‭.. ‬اذن‭ ‬نحن‭ ‬امام‭ ‬حراك‭ ‬يعتمل‭ ‬الفعل‭ ‬والبحث‭ ‬والتقصي‭ ‬والتنقيب‭. ‬الا‭ ‬ان‭ ‬اي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفعاليات‭ ‬والحراكات‭ ‬لم‭ ‬تتسم‭ ‬بامتلاكها‭ ‬منهج‭ ‬بحث‭ ‬أو‭ ‬هوية‭ ‬فارقة‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم‭ ‬معاصرة‭ ‬التوجه‭ ‬تحدوا‭ ‬بها‭ ‬بوصلة‭ ‬علمية‭ ‬حقيقية،‭ ‬بل‭ ‬الكل‭ ‬يحاول‭ ‬بشكل‭ ‬او‭ ‬بأخر‭ ‬صياغة‭ ‬ومضة‭ ‬،‭ ‬لتلمع‭ ‬هنا‭ ‬او‭ ‬هناك‭. ‬ليؤسس‭ ‬عليها‭ ‬قراءة‭ ‬غاية‭ ‬بالضبابية‭ ‬وعدم‭ ‬الوضوح‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬حميعها‭ ‬لم‭ ‬تحض‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬الى‭ ‬الامام‭ ‬،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المناصحة‭ ‬،‭ ‬وتحديد‭ ‬الاخطاء‭ ‬وإضاءتها،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تمتلك‭ ‬زخما‭ ‬للاندفاع‭ ‬باتجاه‭ ‬الضغط‭ ‬والتاثير‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬التغيير،‭ ‬أو‭ ‬البروز‭ ‬كقوة‭ ‬والتاثير‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الواقعي‭. ‬وبقي‭ ‬المشهد‭ ‬يراوح‭ ‬بخجل‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬النصيحة‭ ‬ومحاولة‭ ‬اعادة‭ ‬توحيه‭ ‬وتثبيت‭ ‬يلتفت‭ ‬الى‭ ‬الوراء‭ ‬اكثر‭ ‬مما‭ ‬يتطلع‭ ‬الى‭ ‬الامام،‭ ‬لان‭ ‬للامام‭ ‬زمام‭ ‬لم‭ ‬تفطن‭ ‬اليه‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬بعد‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬في‭ ‬احسن‭ ‬احوالها‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬الا‭ ‬التخبط‭ ‬،‭ ‬لانها‭ ‬الاكثر‭ ‬تخلفا‭ ‬والاكثر‭ ‬انفصالا‭ ‬عن‭ ‬تطلعات‭ ‬المستقبل‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يعنيهم‭ ‬من‭ ‬الامر‭ ‬شيء‭ ‬قدر‭ ‬دوام‭ ‬الفساد‭ ‬والتردي‭ ‬لانها‭ ‬المساحة‭ ‬الاكثر‭ ‬امانا‭ ‬لبقائهم‭ ‬وهيمنتهم‭. ‬لذلك‭ ‬بدا‭ ‬المشهد‭ ‬متشظيا‭ ‬بحق،‭ ‬وما‭ ‬بدى‭ ‬الغرض‭ ‬منه‭ ‬حراكا‭ ‬للتغيير‭ ‬عبر‭ ‬الثقافة‭ ‬والمعرفة‭ ‬وترسيخهما‭ ‬في‭ ‬قناعات‭ ‬المجتمع،‭ ‬ليكونفي‭ ‬النهاية‭ ‬فرصة‭ ‬للتوحد‭ ‬والانشداد‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬المحنة‭ ‬عبر‭ ‬خلق‭ ‬فرصة‭ ‬للامل‭ ‬والاندفاع‭ ‬للامام،‭ ‬بات‭ ‬يتجه‭ ‬الى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التعصب‭ ‬والى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الانعزال‭ ‬والتقوقع‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬والقناعات‭ ‬المسبقة‭. ‬فهل‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬تعريف‭ ‬للثقافة‭ ‬والمنهج‭ ‬العقلي‭ ‬لكي‭ ‬نتراصف‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ ‬سواء‭ ‬،‭ ‬ام‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يراد‭ ‬له‭ ‬تاصيل‭ ‬للخلاف‭ ‬والتنابز‭ ‬عبر‭ ‬لغة‭ ‬اكثر‭ ‬تنميقا‭ ‬واكثر‭ ‬ابتعادا‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬كائن‭ ‬الان‭ ‬من‭ ‬تعامل‭ ‬بدائي‭ ‬،‭ ‬واناة‭ ‬متضخمة‭ ‬تعد‭ ‬نفسها‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬والمواجهة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الانسجام‭ ‬وتحديد‭ ‬الاولويات‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬النهوض؟‭!‬

مشاركة