المشكلات السكانية في البلدان النامية – حسين الزيادي

المشكلات السكانية في البلدان النامية – حسين الزيادي

في إطار التحولات الاقتصادية التي اجتاحت العالم في العقود الأخيرة لم يعد العالم النامي كتلة واحدة بل تباين إلى خمس او ست مجموعات تتمايز في ما بينها بالعديد من الخصائص الاقتصادية و السكانية، فهناك البلدان الصناعية الجديدة التي تمتد على جنوب شرق أسيا وجنوب القارة الأمريكية, يفوق معدل أمد الحياة فيها 74 سنة ومثالها الارجنتين وسنغافورة، وهناك البلدان متوسطة النمو التي تمتد على سواحل القارات, وتتميز هذه المجموعة بنسبة نمو طبيعي في حدود 1.8 بالمئة اما البلدان  الأكثر تخلفا فتتركز هذه المجموعة أساسا في قارة إفريقيا جنوب الصحراء , تتميز بنسب نمو سكاني مرتفع يفوق 3 بالمئة ولا يتجاوز أمل الحياة عند الولادة 47 سنة .

اما الامتداد المجالي للعالم النّامي فهو يمتدّ في النّصف الجنوبي للكرة الأرضيّة,  بين خطّي عرض35 درجة شمال و جنوب خطّ الاستواء، ويشتمل على : أمريكا الوسطى والجنوبيّة, القارّة الإفريقيّة , الجزء الجنوبي والجزء الجنوبي الشّرقي للقارّة الأسيوية.

نموّ سكّاني مرتفع

في عالم اليوم يرتبط كل شيء من عالم الطبيعة وعالم الإنسان ببقية الأشياء فالقرارات المحلية يمكن أن يكون لها أثر عالمي والسياسة الدولية تؤثر في المجتمعات المحلية اذ أن التغيرات في حجم سكان العالم ونموهم وتوزيعهم لها أثر واسع النطاق على البيئة وعلى آفاق التنمية، وأصبحت التحديات أكثر رؤية ومن أهم المؤشرات على ذلك أن مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية الذي عقد في ريو دي جاينرو عام 1992 أقر بأن حماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية يجب دمجها مع الإجراءات الهادفة إلى التقليل من حدة الفقر والتخلف، حيث يقدّر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الدخل الأساسي المؤقت، حماية الفقراء والضعفاء في الدول النامية تكلفة توفير دخل أساسي مضمون ومحدود الوقت لـ 2.7 مليار شخص يعيشون تحت خط الفقر أو فوقه مباشرة في 132 دولة نامية بنحو 199 مليار دولار شهريا

ومن نتائج زيادة النمو السكاني النقص في الموارد الذي يؤدي بدوره إلى استغلال المناطق الحساسة بيئياً كالسفوح والسهول، ومن مظاهر تدهور البيئة تشرد السكان بسبب الكوارث الطبيعية أو الحروب والازمات، مما أدى إلى زيادة في بعض المناطق وأثر سلباً على البيئة، ويقدر البنك الدولي أن 25 مليون شخص شردوا نتيجة للتدهور البيئي.

وهكذا نرى أن البيئة في تدهور إذا ما استمرت عملية ازدياد السكان وإذا لم تتخذ الدول كثيرة الخصوبة سياسات سكانية ناجحة للحد من زيادة السكان فإن نسبة الفقر تزيد وشح المياه يتزايد وتقدر منظمة الصحة العالمية أن حوالي مليار نسمة يفتقرون إلى إمكانية الحصول على مياه نقية.

وهناك الكثير من الدول العربية التي بدأت بإتباع سياسات سكانية ناجحة مثل تونس التي وصلت إلى أعلى المراحل في هذه العملية ونتمنى أن تسير كافة الدول العربية بالطريق التي سلكتها في الإجراءات السكانية للوصول إلى مجتمع متقدم وللحفاظ على البيئة وللحد من انتشار الفقر إذ يعيش حوالي 1,2 مليار شخص في العالم على أقل من دولار واحد يومياً ويفتقر حوالي 60 بالمئة من سكان الدول النامية إلى مرافق الصرف الصحي ويفتقر حوالي الثلث إلى المياه النقية والربع إلى السكن الجيد وحوالي 20 بالمئة إلى الخدمات الصحية المتقدمة.

ومن المعروف أن نسبة الخصوبة مرتفعة في البلدان النامية مما يساعد في قلة الخدمات الصحية والتعليمية ولا سيما بما يخص المرأة مما يؤدي إلى ازدياد في نسبة الوفيات وقلة الخدمات في مجال الصحة الإنجابية، لذا فإن تزايد السكان وارتفاع الخصوبة في المناطق الفقيرة يدفعان بالسكان نحو المناطق الهشة والضحلة نتيجة لنقص الأراضي الصالحة للزراعة.

كما تتميّز دول العالم النامي بارتفاع حجم السّكّان فهي تضم 82 بالمئة من مجموع سكّان العالم, ذلك أنّ النّموّ الطّبيعي بالدّول النّامية يبلغ خمســة أضعاف ما هو مسجّل بالدّول المتقدّمة، ويعود هذا النّموّ الطّبيعي المرتفع إلى بقاء نسبة الولادات مرتفعة 27 بالمئة وانخفاض نسبة الوفيات إلــى 9 بالمئة ويعود تراجع الوفيات إلى تحسّن المستوى الصّحّي والقضاء على الأوبئة.

 التحضّر المتسارع

تقدّر نسبة السّكان الحضر في العالم النّامي بـ 58 بالمئة من مجموع السّكّان، غير أن تطور نسبة النمو السنوي لسكان المدن في العالم النامي مرتفعة جداً قياسا بالدول المتقدمة التي لا يتجاوز 0.8 بالمئة في حين تبلغ في العالم النامي 3.7 بالمئة  تعود أسباب هذا التحضر السريع إلى ارتفاع حركات النزوح  بين الأرياف و المدن بحثا عن تحسيـــن ظروف العيش ، والمشاكل التي يواجهها الريف في العالم النامي.

وتأسيساً على ماتقدم فان العالم النامي يمتاز بجملة من الخصائص الاقتصادية جعلته غير قادر على توفيــر الحاجيات الأساسية لسكانه مما أثر على الحياة الاجتماعية بكل جوانبها وعمق من أزمــته الاقتصادية و الاجتماعية وتشر توقعات الامم المتحدة في هذا الجانب إلى أن التوسع الحضري، والتحول التدريجي في الإقامة للسكان من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية يمكن أن يضيف نموا يقدر بحوالي 2.5 مليار شخص آخر إلى المناطق الحضرية بحلول عام 2050 وأن ما يقرب من 90 بالمئة من هذه الزيادة تحدث في آسيا وأفريقيا.

ومن المتوقع أن تكون الزيادات المستقبلية في حجم سكان الحضر في العالم مركزة بدرجة عالية في عدد قليل من البلدان. وستشكل الهند والصين ونيجيريا معاً 35 بالمئة من النمو المتوقع لسكان الحضر في العالم بين عامي 2018 و2050. مشيرا إلى أنه من المتوقع أن تضيف الهند 416 مليوناً من سكان الحضر والصين 255 مليوناً ونيجيريا 189 مليوناً بحلول عام 2050.

تفكك الهياكل الاقتصادية و ضعف الإنتاج

يمتاز قطاع الزراعة بمنافسة المحاصيل التصديرية وبالتالي انكماش السوق فضلا عن انخفاض المستوى الاقتصادي للفلاح، اما قطاع الصناعة فيمتاز بكونه قطاع شبه مغيب وان وجد فهو يعاني من ضعف التصنيع و التأخر تكنولوجي، وانعكست هذه النشاطات على قطاعات مفصلية منها قطاع الخدمات وضعف شبكات النقل والمواصلات  بالإضافة  إلى ضعف مردود يته  بالرغم من تشغيله لنسبة هامة من اليد العاملة وعدم التكامل بين الأنشطة الاقتصادية داخل كل قطاع و بين القطاعات الثلاث.

يساهم تفكك الهياكل الاقتصادية في ضعف الإنتاج الاقتصادي مما يحد من مساهمة العالم النامي في التجارة العالمية و يصاحب هذا النقص في الإنتاج النمو السريع للسكان الأمر الذي خفض من معدل الدخل الفردي السنوي في الدول النامية  .

العجز عن توفير الغذاء

هناك عدة تعريفات للأمن الغذائي، إلا أن التعريف الأكثر تداولاً هو : قدرة المجتمع على توفير احتياجات التغذية الأساسية لأفراد الشعب، وضمان حد أدنى من تلك الاحتياجات بانتظام، وقد تدرّج هذا المفهوم مع الزمن وارتبط بعدد من المفاهيم المتعلقة بقضية الأمن الغذائي،  ففي عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، أدى الاهتمام الكبير الذي أولته الدول المستقلة حديثًا لقضية الغذاء إلى تداخل مفهوم الأمن الغذائي مع مفهوم الاكتفاء الذاتي الكامل (قدرة المجتمع على تحقيق الاعتماد الكامل على النفس والموارد والإمكانات الذاتية في إنتاج كل احتياجاته الغذائية محليًا). وفي هذا المعنى يكون الأمن الغذائي ذاتيًا دونما حاجة إلى آخرين.

ومع الوقت تبيّن أن الاكتفاء الذاتي الكامل غير ممكن، أي لا يمكن إنتاج الاحتياجات الأساسية كلها أو حتى الجزء الأكبر منها محليًا. وفي هذه الحال يكون توفير هذه الاحتياجات بإنتاج جزء منها محليًا واستيراد باقي الاحتياجات من خلال توفير حصيلة كافية من عائد الصادرات الزراعية تستخدم في استيرادها، وبهذا المعنى يصبح الأمن الغذائي أكثر مرونة ويأخذ طابع “الأمن الغذائي بالتعاون مع الآخرين.

 يشكو العالم النامي من محدودية المساحات الصالحة للزراعة لامتداد الصحـاري والغابات الاستوائية والمناخات الجافة , بالإضافة إلى اعتماده فلاحة تقليدية، اذ أن أكثر من 850 مليون شخص يعيشون يوميًا على عدد سعرات أقل بكثير من الكمية الموصى بها، بسبب التوزيع غير المتكافئ للغذاء، الأمر الذي يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للسكان لأنه يهدد الأمن الغذائي، ويُنصح  بأن يتناول الشخص ما يماثل 2200 سُعر حراري يوميًا. ويستهلك الشخص العادي نحو 3000 كيلو سعر حراري في اليوم، ويستهلك سكان الدول الصناعية أكثر من ذلك.

نسبة أمية مرتفعة

على الرغم من سعي أقطار العالم النامي للحد من نسبة الأمية فإنها لازالت مرتفعة كما لا تتجاوز نسبة التعلم 55 بالئة في حين تفوق95 بالمئة  بالدول المتقدمة  ، هذا ما يمنع من توفير إطارات في شتى المجالات تساعد على الرقي بهذه المجتمعات في الدول النامية

ويبين الأطلس التعليمي مثلاً إنه في بلدان جنوب شرق أوروبا فإن كل طفل يتراوح من العمر بين 6- 16 عاما يجب أن ينتظم في الدراسة إجباريا. كما يبين أيضا أن الإنفاق على التعليم في بعض الدول مثل فنلندا يعادل 7 بالمئة من أجمالي الناتج المحلي. وطبقا للأطلس فإن هناك 25 دولة في العالم يرتفع فيها معدل القدرة على القراءة والكتابة إلى ما بين 99 بالمئة إلى 100 بالمئة من السكان.  ومن هذه الدول النرويج 100 بالمئة أذربيجان وكوبا 99.8 بالمئة وروسيا 99.7 بالمئة وسلوفاكيا، تركمانستان، قيرغستان أوزبكستان بين 99.6 بالمئة إلى 99.2 بالمئة

علماً ان أعلى نسبة أمية في العالم موجودة في بوركينا فاسو وجنوب والسودان وأفغانستان والنيجر اذ تبلغ تقريبًا 75 بالمئة .

انتشار البطالة

ووفقا لتقديرات البنك الدولي، يوجد نحو 200 مليون عاطل عن العمل في العالم معظمهم من الدول النامية، وأنه بحلول عام 2020 يتعين توفير 600 مليون فرصة عمل في البلدان النامية وحدها لمواكبة النمو السكان اكثر من نصف اليد العاملة في العالم النامي تشتغل في قطاع الزراعة التقليـــدية الموسمية مما لا يوفر دخلا هاما  للأسرة و غياب الصناعة أدى إلى انتشار البطالـــة و الفقر فربع السكان يعشون تحت حد الفقر سنة 1990  في العالم النامي . وفقًا لإحصاءات البنك الدولي لعام 2016 بلغ عدد الفقراء الذين يعيشون على 1.90 دولار أو أقل في الدول النامية 896 مليون شخص عام 2011 مقارنة بـ 1.95 مليار شخص عام 1990 و 1.99 مليار شخص عام 1981 مما يعني أن عدد الأشخاص الذين يعيشون بـ 1.90 دولار أو أقل يوميًا عام 2011 في الدول النامية قد انخفض إلى 12.7 بالمئة بعد أن كان  37 بالمئة عام 1990 و 44 بالمئة عام 1981 وإلى جانب الفقر، تتسبب الصراعات والنزاعات في انعدام الأمن الغذائي. فوفقًا لإحصاءات مركز بحوث أوبئة الكوارث عام 2012  هناك أكثر من 172 مليون شخص تضرروا من النزاع على مستوى العالم.