
بغداد – لندن – الزمان
يدفع البنكُ المركزي العراقي بإجراءات رقابية مشددة تستهدف النشاطات المالية لمشاهير ومؤثري مواقع التواصل الاجتماعي، معتمداً على حزمة تعليمات جديدة تلزم المصارف بتصنيف هذه الفئة ضمن دائرة المخاطر العالية، في خطوة تعكس تحولاً واضحاً في منهجية تتبع الأموال داخل السوق العراقية المتشابكة. ووجّه المركزي المصارفَ إلى توثيق حسابات المشاهير بدقة، ورصد تعاملاتهم المالية، وتدقيق الحوالات المرتبطة بهم، وإلزامهم بكشف عقود الإعلانات ومصادر الدخل قبل فتح الحسابات أو تحديثها، وسط توسع ظاهرة المؤثرين رقمياً وتزايد حجم الأموال المرتبطة بأنشطتهم التسويقية والإعلانية. ويستند هذا التحرك إلى تقارير رقابية تفيد بأن الحسابات الرقمية باتت إحدى القنوات التي يمكن استغلالها لتمرير أموال غير مشروعة أو القيام بعمليات تضليل مالي، ما يستوجب وفق رؤية البنك تعزيز العناية الواجبة والتدقيق المستمر. واحتضن العراق مؤتمرا دوليا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في 28 مايو 2025، وهو السياق الذي يعيد تسليط الضوء على المسار التاريخي للعراق في بناء منظومته الرقابية، بدءاً من انضمامه لاتفاقيات المكافحة عام 2004، مروراً بإنشاء مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عام 2007، ووصولاً إلى إصدار قانونه الشامل رقم 39 عام 2015. ويشير مختصون إلى أن الإجراءات الأخيرة تمثل خطوة من تكامل العراق مع المنظومة المالية العالمية، حيث أكد المختص بالشأن الاقتصادي صفوان قصي أن سياسة البنك المركزي العراقي تتجه نحو التكامل مع الفيدرالي الامريكي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، منوهاً إلى أن هذا التوجه يأتي لتعزيز الثقة بإجراءات بغداد لمكافحة غسيل الأموال والامتثال للقوانين الدولية. وتتقاطع هذه الرؤية مع تحذيرات متصاعدة في الأسواق الدولية، بعدما أظهرت أنظمة الامتثال العالمية تشدداً غير مسبوق في التعامل مع الحسابات المصنفة “عالية المخاطر”، وهو ما عبّر عنه الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي الذي قال: «درس عملي جديد للمركزي العراقي وشبكات تهريب وغسل الأموال في العراق، بعد قيام بنك HSBC في سويسرا بوقف حسابات أكثر من ١٠٠٠ عميل من الشرق الأوسط واعتبارها (حسابات خطرة) رغم أن الكثير من تلك الحسابات تتجاوز 100 مليون دولار! هذه الحادثة يجب أن يأخذها المركزي العراقي ورجال غسل وتهريب الأموال في العراق على محمل الجد، وأن يدركوا جيداً أن المنظومة المصرفية العالمية لم تعد تساوم على ملف المخاطر ولا العمليات الاحتيالية وأن القيود أصبحت أشد وأدق وأعقد من أي وقت مضى!».
ويدفع هذا التشدد المصرفي الدولي السلطات العراقية إلى توسيع دائرة المتابعة لتشمل القطاعات غير التقليدية، وفي مقدمتها القطاع الرقمي الذي يشهد تضخماً مالياً متسارعاً عبر الإعلانات، والرعايات، والعقود التجارية العابرة للحدود.
وتشير القراءات الاقتصادية إلى أن العراق يدخل مرحلة حساسة من إعادة بناء الثقة الدولية، حيث لا مجال لمساومة الأنظمة العالمية على مستوى المخاطر، ما يضع المشاهير والمؤثرين أمام التزام إلزامي بالشفافية أو مواجهة العزل المصرفي الكامل. وبحسب وثائق صادرة عن البنك المركزي، فأن فئة المؤثرين تعد من الفئات ذات المخاطر العالية بسبب تنوع مصادر الدخل وصعوبة التحقق من شرعيتها، إضافة إلى احتمالية استغلال حساباتهم لتمرير عمليات مالية مشبوهة أو غير مبررة. وشدد على ضرورة إخضاعهم لإجراءات العناية الواجبة المشددة، وتحديث الأنظمة الرقابية بما يضمن تقييما دقيقا لمستوى المخاطر عند فتح الحسابات أو تحديث البيانات. وتضمنت التعليمات مجموعة من الالتزامات أبرزها «إلزام المؤثرين بالإفصاح عن هوية الجهة الممولة أو الراعية لأي إعلان مالي أو خيري أو تجاري»، بالإضافة إلى مراقبة التحويلات والدعم المالي الناتج عن البث المباشر أو حملات جمع التبرعات وإخضاعها لتحليل معمق.
وحدد البنك مجموعة من المؤشرات التي تستدعي الانتباه، من بينها عدم التناسب بين الدخل المعلن والنشاط الفعلي للمؤثر، وتحقيق إيرادات مالية كبيرة لا تتناسب وعدد المتابعين أو عقود الإعلانات الفعلية. ولفت البنك إلى «وجود تضارب بين المعلومات المقدمة عند فتح الحساب وما يعلن عنه إعلاميا، بالإضافة إلى «وجود حسابات متعددة أو وثائق غير حقيقية، أو إدارة النشاط من خلال حسابات تخص أفراد العائلة أو شركات صغيرة». كما أشار البنك المركزي إلى جملة من المؤشرات المرتبطة بتمويل الإرهاب، تشمل جمع التبرعات عبر المنصات الرقمية دون وجود جمعية خيرية مسجلة أو حساب رسمي، واستخدام شعارات دينية أو إنسانية لجذب المتبرعين دون الإفصاح عن الجهات المستفيدة.
كما نوه البنك المركزي إلى «تحويل الأموال إلى مناطق تشهد نزاعات أو جمعيات غير معترف بها، وكذلك تسلم أعداد كبيرة من التحويلات الصغيرة ثم إعادة تحويلها دفعة واحدة لإخفاء مصدر الأموال». وأكد البنك «الاعتماد على جهات أو منصات غير مرخصة لاستلام أو لا الى الأموال».
وتضمنت التعليمات مؤشرات أخرى تتعلق بمحاولات إخفاء المستفيد الفعلي، مثل تغيير أسماء الصفحات أو القنوات الرقمية بشكل متكرر، وتنسيق مؤثرين متعددين لجمع الأموال وتوزيعها على حسابات مختلفة، وكذلك تلقى دعم أو تمويل من جهات مدرجة على قوائم الحظر أو العقوبات.
وكانت تقييمات المجموعات الدولية لمكافحة غسل الأموال أفادت أن العراق يواجه مخاطر واضحة في مسارات النقد وسفر الحوالات، وأن أدوات مثل «نقل النقد عبر السفراء غير النظاميين (cash couriers)» و«التلاعب في فواتير الاستيراد» و«التحويلات المشروطة المزيفة» تستخدم لإخفاء وجهة الأموال وان من بين آليات التهريب شبكات تهريب ناتجة عن استغلال سلاسل إمداد (مثل تصدير وقود المازوت والوقود الثقيل) وعمليات بطاقات دفع واعتمادات مصرفية عبر وسطاء شوهت مسارات تحصيل العملات الصعبة لصالح جهات في إيران.



















