المسكوت عنه والمفضوح به

1574

الإختلاف والتشــابه

المسكوت عنه والمفضوح به

علي سلمان ساجت

ليس سهلآ لكنه ممكن ، وضع صورة عن الثقافة ، الثقافة التي ترتبط بنمط من المعاني لثقافاتٍ طارئة ترسخت بأخطاء جماعات وميول أفراد، نزعات وأهواء  خلايا مظلمة ، أكتسبت عامل البقاء بإثراء الزمن ، ولدت بهيئات وشواخص وثوابت ( فاتت وأنفلتت على النخب )أستقوتْ ، تعضّدتْ وتنامتْ،أشتبكتْ وأنسلتْ، الثقافةُ التي أعني ليستْ صروح أو ألواح أو لوائح ،إستشراف الذات وفروغ الأنا مقابل إحتشاد الآخر، أن يكون المسكوت أوضح وأجلى من المفضوح ، غير ذلك تكون  الثقافة تسليحاً وتهديداً للذات خرقاً وأنتهاكاً تشريعاً معلناً نحو تشريح الذات (وتحنيطها) دون ان يكون لها إفاضة أو إستشراف فالثقافة عندما تصبح هاجس وظل تمحّي كل صور البيان والمرايا وتعلو آفاق العتمة  فالإنجاز إستخراج الطاقات وبلورة الوعي نحو عمل إنساني يشكل بمجمله هدف مشترك ممزوجآ بالقبول الواعي للمجتمع وقدرته على عدم التصادم وان يكون الأفراد أصحاب الآراء الناقلة من السكون المزمن الى الديناميك الفائض بمنأى عن فحولة الخرفان حتى يتنسى لهم مشاكسة الواقع وأقتناص اللحظة انها مهام لاينهض بها كيفما أتفق وحيثما شاء أن الشيئية هنا دون سواها قرينة الذاتية لان الاحتمال المقترن بالنهوض لايعيق غير المتعدد ولئن الأعداد وظائف ليس إلّا ، لذا فأن المفرد لاينهض بقرينه إلا من جهة واحدة بخلاف المعدود يصعد بكلا الإحتمالين وهكذا هو الشأن في المجتمعات وحتى في نمو الحضارة  نشاهد إحتمالات لامتناهية في مراكز النمو تنعدم القدرة على الإحصاء وتتلاشى مشاهد القيامة فتصبح الثقافة صنو للعصيان والعصي ويخرج الأميـون في محافل لامعة وفي مجالس شتى يربكون الفرسان ويصعدون بمناجل الفضة على أوتار النحاس حتى في التاريخ القريب في شكل الأستعمار وفي النموذج الفردي للحكم ( الدكتاتورية) كلها تدعو للأستلاب والأخذ العنفوي تجريد الفرد وتشذيب قواه مقابل التسليح الممنهج ، إنشاء مناهج جديدة ومعدة سلفاً وظيفتها تفريغ الأفراد وتجريد طاقاتهم ، فما لم يكن إتحاد بين رؤية الذات كصورة وتوجه وإتجاه وبين ثقافة المؤسسة ، تنعدم صيرورة التفاقم  . يقول تيري إيجلتون في (فكرة الثقافة ) ــ (إن الثقافة في مبتدئها تعني تهذيب النفس وهو معنى يحمل وجهين إذ هنا توحي بإنقسام داخل الذات …ويمكن أن يكون التهذيب مفعولاً لنا ، إذ تفعله الدولة والسياسة  .1فالثقافة إستثناء نسبي ، بلاغ معلن عن إحتكار الضرورة في الفراغ وإحتشاد الأنا مع بعضها حينذاك تنشأ ذوات مهذبة مقتربة مع بعضها  متوحدة ومتداخلة واحيانا مختلفة لكنها ليست منفصلة مع غيرها إنها متشابهة بالضرورة وحتى آلية التشابه وإن إشتبكت بين الحركة وردة الفعل لاتعني إن الفعل مرتبك أو غير قادر على الإزاحة فمثلا عندما نقرأ التاريخ ( قراءة خارج المألوف ) تبدو الحالة واحدة في السلوك والمفاهيم وطرق العيش وسبل الحياة الاخرى لان ظواهر الطبيعة واحدة نعم تختلف نظم المجتمع وأعراف العائلة وذلك بأختلاف المناخ والمكان لكنها تتوحد جميعها في عدم الخروج من تلك الدوائر فالجرماني والأفريقي والآسيوي لايختلف كثيرا عن إبن الجزيرة العربية إلاّ في بعض الطقوس والعقيدة متوحدين جميعهم في البعد الواعي للاشياء متشابهين ومختلفين في السلوك والمزاج .

واقع وجودي

 فالأشياء لاتختلف في واقعها الاصولي تختلف فقط في الواقع الوجودي بمعنى آخر ان الاختلاف لايولد الانفصام في الرؤية انما يولد كيانات مختلفة متشابهة في الاصول متوحدة في الاتجاه فالولاء على سبيل المثال لم يكن له دوراً مهما في صناعة الأفراد أو بلورة مفهوم للفرد المثالي وبحساب مجتمعي إنه ربما يساعد في إستقواء مجاميع بأتجاه مجاميع أخرى وكأنها كلها إفراز تراكمي لمجموع العلل والفيوضات خارجة عن النظم الهندسية متداخلة مع أنظمة أخرى في سياق فكري وتنظيمي وربما علمي لذلك تعددت التفسيرات في بناء الانسان الأول هل هو صنيع  او مجعول والتي تدفع كلها بأتجاه ان ليس للأنسان أدنى جريرة في الإحتقان الحاصل مع سواه وان الاختلاف مرده الى التشيؤات الاولى والتشابه هو النتيجة الحتمية وعندما نتأمل كثيرا في الافكار ( المتطرفة) نستكشف وربما نستدل ان الافكار التي كانت تدور حينذاك في خلد الفاعل مضطربة لحتئذ لكنها ساكنة وغائرة ومؤرشفة بسبب ان الافراد في الكيانات الهشة والمتصدعة والمتورمة اكثر تحفزاً من سواهم في الإنقضاض على الفرص الوافدة والتي تكون عادة رطبة ومتوفزة مما يستدعي سببين آخرين ، الأول إن فكرة الإختلاف موجودة بعوامل اللسان والهيئة واللون والبيئة ومدعومة بعوامل الإيمان كالعقيدة والتاريخ على العكس تماما من التشابه فهو مفقود بالاسباب هذه كلها وهذه دعوة لنا في إزالة الرواسب وتضميد الرؤى التي تأبى ان تنكأ أو تتعافى ولكي نكون قريبا من الفكرة ان الانسان نفسه لم يكن متشابها مع بعضه او متوحدا في قراره ؛ النقائض التي تجوس خلال النفوس ، الطموح والمطامح ، وحتى الاطماع كانت هاجس خالد في ذاكرة الشعوب وظاهرة الاستبداد ظاهرة فلسفية اكثر منها منظومة ايديولوجية لذا فأن الاختلاف قبل ان يكون إستلابا لماهية الوجود وخرقا لأنوية الفرد فإنه صفقة معلنة نحو مزاد سري يرسو دائما وقريبا من المياه الآسنة والتي غالباً ما يتناوشها ذوي الملابس الداكنة، يستنشقون هوائهم بمزامير مثقوبة فيعلو الصوت مبحوحاً وأجش . لأن سعي الفرد في التعايش  يبقى طارئاً على وحدة الوجود وفق كل أيديولوجيات الهيمنة  وقد رأينا الفلاسفة في مختلف العصور يألونها جهدا لانها حاضرة في مفاصل الحياة،  ومتموضعة في كل جهاته لعلها من أمض الاسلحة وأنبلها ان الثقافة ( لم تسعفنا اللغة في ايجاد بدائل) عندما لم تجد سبيلا نحو اركنة هويتها  تفقد طبيعتها في زراعة أعضاء جدد للجسم الجديد الخالي من الوباء والهواجس تصبح عائقا في ترسيم خطط للنماء بعنوان اوضح .

دوائر مغلقة

الثقافة هي السؤال عن المعلول بفقه العلة دون الاسعاف عن معاليل اخرى تطمح نحو الأبهار والمفاجئة، الشعوب لاتصنع الثقافة في هذه المحاور لانها تنتقل في دوائر مغلقة فالأرهاب والتطرف وأشكال العنف والأنتقام  تعليب في الذاكرة والوعي الانسانوي مصادرة للأختياروالأرادة والقرار، ولكن يبقى السؤال الأهم مَنْ يصنع الثقافة؟ وفق هذه المعطيات فعندما تصبح الرؤية على خطوط من التماس متوازية ويصبح الأغلب وليس الأعم في مسارات متوحدة وهذه كلها قد صارت مجعولة ومتحفزة في السياق ذاته عندئذ تتضح وتتحدد ركائز النهوض تتشابك الرؤى وتمحي الحواجز لذا فأن الثقافة لاتصنع الأفراد والمجتمعات خاصة اذا كانت ذات خصوصية نفعية والعكس صحيح فالأفراد هم صناع الثقافة ، فأنا عندمـا أضع نفسـي في مجتمع مختلف مع طبائعي ومطامحي ورؤياي لايمكن أبداً أن أكتسب صفاته،، ولاهو قادر على محـو صفاتي حتى ولو بنسـب متدنيـة لأن الثقافة في أحدى أهم مسمياتها الدخول عميقا للجواني المحايث وعليه فأنها أما مصنوعة من خارج الذات او منبثقة منها وكل الذي بين أيدينا من ( ميثولوجيا، وفنون وعلوم ، وآداب، ولاهوت….) هو وليد وإنتاج ، مخاض وإفراز عقيم وسقيم للذات ( الممروضة) لأن الوعي الذي هو مركز الذات في إنتاج الثقافة لم يعد له أدنى أستدراك في إنشاء او إستعلام عن دوائر او مراكز ناهضة أو مستفهمة فبمجرد ان يخرج  يفقد وظيفته في الاستدلال ،،فالعصور التي سبقت التدوين لم تتبلور للذات ماهية الحضورتغلبت الطبيعة وأخذت الحياة شكل المناخ تماهت الذوات مع الطبيعة بفعل عنف المناخ وتأكسـد الأثنين معا (ورم الذات وضغط الحياة) .

وفي الفترات اللاحقة ( في عصر الكتابة) بدأت ملامح الذات تتضح بجهد بالغ ، لكن ليست بمعزل عن الآخرين ، متشرذمة ومتهافتة ، متصدعة لكنها أليفة ، تضيء بحميمية وتخبو بحنين ، كانت العقيدة واحدة من أهم الحواجز الكأداء في بلورة مفهوم للذات نحو الوجود والكينونة ، أنها بداية للتحرر متعثرة تتعكز حينأً على وهم الأنفلات من أسرالثبات الوجودي الى إعتقاد واهم للوجود العيني وكلاهما  (ربما نستعين بمفاهيم مؤدلجة خروجاً من إتهام عبادة الحرية) ، ان مما يدعو للوقوف في كل ظواهر الحياة ان الاختلاف والتشابه حقائق ثابتة قائمة  بوحي من السلوك الانساني وان اخذ موقف من الحالتين سلبياً مرده الى الثقافة الشوهاء والانفصام وحالات اخرى كثيرة مصدرها الرغبة في نشوء كيانات منبثقة من حاجات شخصية وان مما نشاهده من هذا الترهل الفكري في ثقافات الشعوب ، الطفح ( والشحوب ….)  يبدو وهكذا بدا للكثير على انه تراث انساني لكنه في حقيقته مفتعل ومخصب للصيرورة الآنية .

مظاهر الثقافة

ان الاختيار او القرار او الاتجاه نحو هدف وكلها مظاهر للثقافة انعكاس الذات لكل هذه الاختيارات وفقا لمعطيات الحالة تبتعد كلما اقتربنا منها لانها حصيلة استنتاج أزلي لفكرة الحيازة لذا فأن المعاناة الآن من وضع خطوط بيانية للشخصية مرده للبناء الأول فكلما كان الفرد على درجة من الاحتماء يكون ابعد من الارتماء في أحضان الأدلجة والسيور المغلقة قريبا من االنشأة الأولى ففي المجتمع الأكثر تقدما يبدو الأفراد متشابهين في السلوك مختلفين في الميول والنزعات على العكس تماما من المجتمعات غير المنتظمة والمتهافتة مختلفين في السلوك متفقين على الطبائع والأعتقاد وهذا مرده لمجموعة من العوامل تتحكم دونما أرادة بالسلوك والأختيار تتضافر مع العامل البيلوجي في التركيب المجتمعي تنحو بمجموعها نحو سبل التكافل متذرعة بالكيفية الأولى التي كانت متحكمة وأنفرطت لاحقا بأسباب اجتماعية او بيئية او سياسية  ……وأن مما يعكر آمال العودة للوراء الأنسان نفسه ومما يدعوه للأخذ بكل ما أعطى  من حضارة هو ذاته نفسها ، هذا التناقض هي الفكرة نحو الاشياء نحن نختلف لاننا لسنا من اصول وطبائع واحدة ولانتشابه لاننا كذلك.

مشاركة