المستور في عيادة حسن العاني – فائزة عبد الواحد

المستور في عيادة حسن العاني – فائزة عبد الواحد

هي رواية مخادعة ، ترتدي (ثوب الفراش ) والعلاقات الجسدية بأكثر تطرفاتها الحسية المباشرة ، كما لو كانت فلماً إباحياً تعترض عليه أهم (لجان الفحص) تسامحاً وايماناً بالديمقراطية وحريات التعبير .. وهذا هو على وجه التحديد موطن الخداع ، لأن الرواية الصادرة عن ( منظمة نخيل عراقي للابداع ) للكاتب حسن العاني ، تحت عنوان ( عيادة الحاج مهاوي) ، حين تخلع اثواب الفراش ، تكشف عن طروحات شتى ، نفسية واجتماعية وجسدية وإنسانية ودينية وسياسية .. على هيأة رموز – قد لايكون تناولها مسموحاً به – ولكنها أبعد ماتكون عن العناية بالجنس على الرغم من صورها الإباحية أحياناً وهذه هي قمة المخادعة ..

تقوم الرواية على عدة مسارات ، تبدأ – وبإيجاز شديد – بمشكلة البطل يوم كان طالباً في احد المعاهد الصحية مطلع العقد الستيني…يتميز بالذكاء والانصراف الى تطوير مهاراته الثقافية عموماً ، ومتطلبات مهنته الصحية خصوصاً ، بخلاف زملائه الذين شغلت العلاقات العاطفية والمغامرات الجنسية اهتمامهم ، وقد أدى هذا التباين في الاهتمامات الى ان يصبح البطل موضع تهكم وسخرية من زملائه ، لكونه من غير تجارب عاطفية ولامغامرات جنسية ، وهنا يقودنا الكاتب الى خدعة في تفسير هذا الحدث الروائي ، فعندما يبدأ البطل حياته الوظيفية في قرية نائية تجبره على السكن في بيت رجل ثري من رجالات القرية يدعى( الحاج مهاوي) ، وفي هذا البيت الذي تم توظيفه عيادة مجانية ينفق على تكاليفها الحاج مهاوي ، الانسان الكريم والطيب ، تتفتح قريحة البطل على مغامرات جنسية مفرطة…ان كل مايذهب اليه ظن المتلقي هو ان شخصية البطل كانت تحاول التعويض عن خوائها العاطفي وحرمانها الجنسي، ولكن نظرة متأملة الى الاحداث تقول: ان الشغل الشاغل للرواية لم يكن الجسد او الجنس أبداً ، ولم يكن السلوك الجديد الذي طرأ على شخصية البطل تعبيراً عن حرمان سنوات المراهقة ومرحلة الشباب المبكرة .. المؤلف – اعتماداً على ذكاء المتلقي – يتناول قضية متجذرة من قضايا الأرياف والقرى العراقية ، وان كانت هي السمة الغالبة لعموم القرى العربية ، وهذه القضية لها في الغالب صورتان ( إقتران الرجل بأكثر من زوجة) و ( فارق العمر بين الزوجين) قد يتجاوز الضعف أحياناً ، والضحية الوحيدة هي المرأة ، عطش جنسي وخواء عاطفي!

الرواية تذهب بنا الى أبعد من ذلك ، وتؤسس لطرح جديد – وهو ماقصده المؤلف من وجهة نظري- حيث نتلمس علاقة وطيدة ، وان لم يتم الإفصاح عنها بين ( وعي المرأة وثقافتها) سواء في القرية ام المدينة ، وبين (احتياجاتها الجسدية) ، ومن هنا وضعنا المؤلف امام ثلاثة نماذج ، أولها تعبر عنه ( زكية وصبحة) ، فكلتاهما تعانيان من عطش جسدي، وكلتاهما شبه أميتين ، ولذلك وجدتا في البطل ضالتهما من دون ان تقوم بينهما وبينه صلة وصل عاطفية .. وثانيهما قدمته       ( فضيلة – زوج الحاج مهاوي)، سيدة متعلمة ، خريجة الدراسة الإعدادية ، نظمت الشعر ، ونشرت اكثر من مادة أدبية في الصحف عندما كانت من سكنة المدينة ، قبل ان (تُساق) الى القرية ويتم تزويجها من رجل بمنزلة والدها وفي ذمته اكثر من زوجة ..فضيلة احبت البطل بصدق ، وتمتعت معه في السرير واطفأت حرائق الجسد ، ولكنها في كل مرة ينتهيان فيها من علاقة جنسية تأخذها نوبة بكاء حاد .. انها غير راضية عن تصرفها كونها في ذمة زوج على قيد الحياة ، ولكن صراخ الجسد كان الأشد تأثيراً على سلوكها .. وثالثها شخصية ( وضحة) او ( الشيخة وضحه) ، شقيقة شيخ القرية ، أرملة بعد زواج لم يدم سوى بضعة أشهر ، والبطل من حيث العمر بمنزلة حفيدها ، ومع ذلك تقوم بينهما علاقة حُب عفيفة تنتهي بالزواج ، متجاوزة عقبة العمر ، مثلما تولد بينهما علاقة فراش في احلى تجلياتها وصورها ..وآية ذلك ان وضحة سيدة تفوق نساء القرية بلا استثناء حيوية وجمالاً وخفة ظل ومرحاً وقوة شخصية ، وضحة سيدة ( مثقفة) بالمعنى الاشمل لهذه المفردة …أكملت دراستها الجامعية في بغداد ، ومارست مهنة التدريس قبل انتقالها الى جانب شقيقها الذي كان يحترم شخصيتها ويأخذ برأيها ، وقد حافظت على بنائها الثقافي وسلوكها المتحضر حتى بعد مجيئها الى القرية و .. وقبل ذلك كله فقد انتصر عندها العقل والوعي والشهادة والثقافة على اغواءات الحاجة الجسدية ، ومن هنا طرحت الرواية معادلة تعتمد على لغة (الطردي والعكسي) في علوم الرياضيات ، بين الوعي والجسد ..

ثمة تفاصيل كثيرة لايتسع المجال لسردها ، ولكننا بعد مقتل البطل على يد (فضيلة) التي كانت تحبه وتغار عليه ، يضعنا الكاتب أمام مسار جديد ، فعلى مدى صفحات الرواية التي بلغت (226) صفحة، ونحن نجهل اسم البطل وفي الصفحة الأخيرة .. وعند آخر سطر منها .. وآخر مفردة فيها نتعرف لأول مرة على اسم البطل ، إنه (آدم) ، فهل اختار الكاتب هذا الاسم مصادفة ..عبثاً.. أم كان اختياراً واعياً وعن قصد ؟!

ادبيات دينية

هذا الاسم في الادبيات الدينية هو أبو البشر .. وهل بطل الرواية الذي حمل اسمه إلا من ذريته ؟ ولكي نضع حداً لمزيد من الاسئلة نسمح لانفسنا بعد شيء من الانتباه والاجتهاد ان نذكر التالي : سيدنا ( أبو البشرية ) كانت له اخطاؤه ، والبطل ، كما سبقت الإشارة ، له اخطاؤه كذلك ، ولكن خطأ سيدنا آدم قاده الى ابعاده من الجنة او من العيش الرغيد في بستان عامر بالخضرة والفاكهة ، وقد انعكست نتيجة الخطأ المأساوي على ذريته من البشر ، لو كان الأذى يخص سيدنا آدم وزوجه لوحدهما لأصبحت المسألة فردية ، وتأثيرها يخص شخصين فقط ، ولكن الخطأ وآثاره ( المكانية والزمانية) كانت شاملة وواسعة ومتواصلة .. في حين كانت أخطاء آدم البطل ذات ضرر فردي محصور جدً وخاص جداً ، وهو الامر الذي دفع سكان القرية بل وسكان القرى المجاورة – الذين لم يتعرفوا على اخطائه او خطاياه – الى ان يقيموا له مسجداً من افخم المساجد ويرفعوا اسمه عليه .. وأهم من ذلك إن سكان القرية والقرى المجاورة كانوا يزورون قبره بمراسم وطقوس زيارتهم الى قبور الأئمة والاولياء والصالحين .. ومن باب منحه مزيداً من الابهة وتقدير المقام كانت الناس لاتخاطبه بأسمه المجرد ، وإنما باسم يليق بمنزلته ( الدكتور آدم) وعلة ذلك المقبولة والمنطقية ، إن البطل تولى تعليم العشرات من نساء القرية ورجالها كيفية ( زرق الابر) ، وهي قضية أكبر من ان تكون مهمة فقط بالنسبة للأرياف والقرى ، وبالذات حين يتعلق الامر بالنساء ..آدم علمهم الكثير من تفاصيل الطب البسيطة .. علّم الأهالي كيف يحولون ماء الساقية الذي يشربون منه ويطبخون ويستحمون الى ماء معقم ونقي بنسبة عالية ..آدم كان يستقبل المرضى في أي وقت من الليل .. يذهب الى منازلهم في الحالات الحرجة في أي وقت من الليل كذلك .. آدم البطل باختصار انسان نبيل إستحق أن يمكث في الأرض لأنه نفع الناس أما اخطاؤه او خطاياه الفردية فزبدٌ يذهب جفاء !!عيادة الحاج مهاوي لم تكتف بتقديم المتعة الفكرية والحسية لقرائها ، بل رفعت مناسيب المتعة كذلك عبر تلك (القراءات ) المنوعة لفهم النص وتفسيره او تـأويله ، والوقوف معه او ضده ، ففي الحالتين هناك نشاط ذهني وفكري وحوار يغني عالمنا الثقافي …

مشاركة