
حسن النواب
المُستشار هو العليم الذي يؤخذ رأيهُ في أمر هامٍ سواء كان علميًا أو فنيًا أو قضائيًا، والمستشار هو الذي يقدِّم النصيحة والمشورة في أمور السياسة والمال أو المال أو القانون أو نحوها؛ هكذا قرأنا دور المُستشار في معاجم اللغة العربية والإنجليزية، وأضيف إلى ذلك خصال وصفات جوهرية يجب أنْ يتمتع بها المُستشار ومن المؤسف أنَّ جميع قواميس اللغات قد أهملتها؛ ألا وهي الصدق والنزاهة والإيثار والشجاعة؛ وبنظرةٍ حيادية إلى هؤلاء المستشارين الذين كانوا يحيطون بالمسؤولين الكبار، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء ومرورا بمجلس النواب والوزراء ونزولاً حتى المدراء العامين؛ سنجد أنَّ أغلبهم إِنّما جاء لهذا المنصب من خلال المحاصصة الحزبية أو المحسوبية والمنسوبية والرُشى وهلُمَّا جرَّا، ومعظمهم لا يفقه حتى ماذا تعني كلمة مستشار، بل يظنها تعني(منشار)! فمنهم من زجَّ رؤساء وزراء سابقين بمتاهات سياسية خرقاء مع دول الجوار لا أوَّل لها ولا آخر؛ ومنهم من كان السبب باحتلال نصف البلاد من عصابات الدواعش، ومنهم من جعل ميزانية الدولة خالية تصفر في جوفها رياح الشماتة والخيبة والغباء والندم بسبب قوانين عاطفية وضعت ثلة من الناس في مرتبة رغيد العيش وتركت باقي الشعب في كفَّة الحرمان وجعلتهم يركضون من الفجر حتى الليل وعشاءهم الخُبَّاز. ولا أغالي إذا قلت بصراحةً متناهية إنَّ سبب تدمير هذه البلاد التي تزخر بالخيرات والحضارات والثقافات والفنون هم المُستشارون، فماذا فعل بالله عليكم المستشارون الذين عملوا مع الراحل الطلباني ومن ثم فؤاد معصوم غير كنز حفنات الدولارات ومن ثم إحالتهم على التقاعد برواتب تكفي لمعيشة مدينة كاملة ولستُ مبالغاً في ذلك، وماذا لمسنا من مستشاري الرئيس برهم صالح حتى الآن، غير إثارة الشغب والفوضى والمساجلات العقيمة على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال جرادهم الإلكتروني
. أما الحديث عن مستشاري رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي؛ فهو أدرى بالمواقف المحرجة التي وضعوه فيها، ولعل مكالمة أخيه الأكبر وتوبيخه بلا ذنب أو جريرة ارتكبها في دائرة التقاعد العامة؟ قد جعلت الشعب العراقي بحذر من القرارات العجولة وغير المدروسة التي تصدر على حين غرَّة من الأخ الكاظمي، وآخرها استقطاع رواتب المتقاعدين بناءً على استشارة من أحد خبراء المال الذي جعله خريف عمره لا يفرق بين قيمة الدولار الأمريكي والدولار البيزنطي؛ وبرغم أنَّ دولة رئيس الوزراء أعاد الاستقطاعات إلى هذه الشريحة المعدمة والمسحوقة من المتقاعدين، غير أنَّ تبرير الاستقطاع لم يكن مقنعا حتى لأطفال الروضة؛ إذْ كان بوسعه نشر تنويه من سطر واحد في وسائل الإعلام يقول فيه إنَّ رواتب المتقاعدين ستكون ناقصة بسب عدم توفر السيولة اللازمة وستعاد لهم خلال أيام. هذا التنويه لو كان قد سبق استلامهم الرواتب لما حدثت كل هذه الاحتجاجات النارية والإحباطات في نفوس المتقاعدين الذين فجعوا وراحوا يضربون أخماساً بأسداس، بالوقت الذي انتهز أعضاء مجلس النواب هذه الكبوة الكاظمية وشمَّروا عن سواعدهم ليرفعوا اكفهم (البيض) تحت قبَّة البرلمان اعتراضاً على قرارك الجائر. وأين كان مستشارك الفطين أعني (منشارك) الإعلامي والاقتصادي قبل تنفيذ هذا القرار الذي خلط التراب مع العسل.
صحيح أنَّ إشارة واضحة وردتْ في خطابك جعلت عموم الشعب ينظر لك بعين الرضا، تلك الإشارة الصريحة التي لم يجرؤ أي رئيس وزراء سابق التطرق إليها، حين أنصفتْ العراقيين الذين مكثوا في داخل البلاد وصمدوا بحصار لئيم وقاوموا طاغية كانت تسيلُ من بين أصابعه دماء الأبرياء، في حين كانت استقطاعات رواتب المتقاعدين هي الشرارة التي أحرقت الأخضر مع اليابس نتيجة أخطاء مستشاريك الفادحة؛ ودعني أقول بصراحة يادولة الكاظمي، وأنت الذي ردَّدت كلمة صراحة كذا مرَّة في خطابك العاطفي، حتى هجستُ أنَّ الدمع سيترقرق في عينيك من حرقة قلبك على النسوة الأرامل والثواكل اللائي وقفنَّ بطابور طويل على أمل الحصول على وجبة طعام بسيطة في السماوة؛ كان من الحكمة أنْ لا تذكر السماوة بعينها، فهكذا مشاهد مؤلمة موجودة في جميع المحافظات، ولكن يبدو أنك توهَّمتَ مثلما توهَّم قبلك الشاعر المُغرم في نخيلها عندما قال توهَّمتُ أنَّ نخل السماوة نخل السماوات، نعم اقشعر شغاف قلب الشعب لنبرة صوتك الجريحة، لكن هل من الحكمة أنْ يكون ناطقك الإعلامي هو من رفضه أعضاء مجلس النواب كوزير للثقافة؟ أليس بذلك استفزازاً لهم وعناداً من قبل دولتكم الرقيقة المشاعر؟ أليس بذلك عنجهية لا مبرر لها؟ وكيف ستؤمن أنَّ عمل هذا الرجل سيكون حيادياً وهو ينظر لكرسي وزارة الثقافة بعين الحسد ولا استبعد الضغينة أيضا؛ فهو الكرسي الذي أعددته لشخصه لكن أعضاء مجلس النواب أبعدوه عنه، وليس بعيدا حتى مقالي هذا سيكون بعيداً عن أنظارك وسيمزقه مستشارك الثقافي بحقد ويكون مصيره سلة المهملات؛ شأنهُ شأن مقالي الذي ناشدتك من خلاله بإقامة نصب للشاعر العراقي الكبير مظفر النوَّاب؛ إذْ وصلتني الأنباء أنَّ المقال دُفن في إضبارة الموتى. ومثلما حدَّثتك بصراحة، أقول لزملائي من الإعلاميين والصحفيين الذين حضروا مؤتمرك الإعلامي، كنت أتمنى نهوض أحدكم ويقول لجنابكم الكريم يا دولة رئيس الوزراء، كنَّا نسمع منكَ جعجعة ولم نر الطحين؛ ومثلما قلت عن نفسك أنا شجاع وأنا الشهيد الحي، أقول لدولتكم أنا الشهيد الشاهدُ؛ ولا أهاب المسؤول مهما كان شأنهُ، لأني صعلوكٌ نقي ولا مهنة عندي سوى الكتابة بشجاعة حتى الرمق الأخير من حياتي؛ وستلتقي الوجوه عندما تحين الساعة في ساحة الوغى أو التظاهرات، وإذا أزعجكَ مقالي هذا أو أغضبك أتمنى أنْ يكون اعتقالي بأمر قضائي وليس اختطافاً أو اغتيالاً كما حدث لأبرياء آخرين، وإذا كنت تحرص على نقاء خطابكَ إلى الشعب؛ اقترح على دولتكم إبعاد نعيب الغربان من حولك والله المستعان.
حسن النوَّاب

















