المستجدي الصغير – مقالات – أماني سعد ياسين
استقبلني على باب التعاونية الكبرى بالقرب من منزلي حيث كنت أتسوّق كما في كلِّ يوم بعد إتمام عملي ، ولكّنه اليوم بدا حزيناً أكثر من كلِّ يوم . كان وجهه تعباً جداً ، وحزيناً جداً ، ومتّسخاً جداً !..كان الصبي الذي لم يتعدَّ السنوات العشر يقف كما في كلِّ يوم على المدخل الرئيسي للتعاونية القريبة من منزلي .
لقد اعتاد الناس على رؤيته عند دخولهم وعند خروجهم من التعاونية وهو واقفٌ يتسوّل ويستـــجدي المارّين من المكان علّهم يشفقون عليه بإعطائه بعـــــض الدنانير !.
استوقفته اليوم . سألته :
” ما اسمكَ يا عزيزي ؟”
” عامر .” أجاب بصوتٍ منخفضٍ ًهو ينظر الى الأرض .
” كم عمرك ؟”
” تسع سنوات ونصف يا سيدتي .”
دمعت عيناي . وأحسستُ بالغصَّة تخنقني والعبرة تقف متلألأةً في حدقتيّ .
” ماذا مرَّ بك من شقاء أيُّها الملاك الصغير ؟
“لم أشأ أن أعطيه المال اليوم !.. لا أدري لما أحسستٍ بغصّةٍ وحرقةٍ وكأنَّه ولدٌ من أولادي .
لم يبلغ العاشرة من العمر كما أخبرني عندما سألته عن عمره .
نظرت بحنوٍّ الى وجهه الصغير الوسيم المغطّى بالغبار الأسود المتجمِّع من غبار الطريق .
سألته : ” لمَ تفعل هذا يا عزيزي ؟!!. “
” أنت تعرف تماماً أنّه عملٌ غيرُ لائق ، ولا ينبغي أبداً أن تعتاد على التسوّل !..”
لستُ أدري ماذا حصل لي في ذلك اليوم . لم أشأ أن أعطيه ما تيّسّر من المال ، وأمضي في طريقي وكأنّ شيئاً لم يحصل !..
نزلتُ من سيارتي بعدما وضعتٍ فيها أغراضي التي كنت قد انتهيت من شرائها من التعاونية وذلك بعدما قمت بركنها الى جانب الطريق ، ولحقت بالصبي الصغير .لم أبالِ بنظرات الدهشة من الناس الذين كانوا يقفون على جانبي الطريق ، منهم من كان يقف على باب محلِّه التجاري الكبير أو مطعمه الفاخر ، ومنهم من كان يمرُّ كعادته في كلِّ يوم من هذا المكان المكتظ عادةً بالناس الميسوري الحال والذين كانوا قد تعوّدوا على وجود المتسوِّل الصغير في المكان . لم أشأ أن أرى صبياً صغيراً يتسوّل هكذا .
” أعرف ..” أجابني باستحياء وهو ينظر الى الأرض .
” لماذا تفعل هذا إذن ؟!”
لم يجب . نظر الى الأرض بخجل . لم يكذب !..
لم يقل لي شيئاً . لم يقل عبارات من قبيل” أنا يتيم ” أو ” لدي إخوة أيتام ” .
لم يقل شيئاً من هذا القبيل .
رنَّ الهاتف الجوّال في يدي . نظرت ، فإذا هي المرة الخامسة أو السادسة التي يرنُّ فيها الهاتف من دون أن أتنبّه له لانشغالي بالصبي الصغير . كانت سكرتيرتي تستعجلني الخطى فالمرضى ينتظرون في عيادتي .
أخذتُ بيده . جررته معي الى داخل التعاونية وهو ينظر إليَّ بتعجُّب .
نزلنا سويةً الدرجات الى حيث القسم المخصّص لبيع الأدوات المنزلية . لستُ أدري ماذا طرأ لي في ذلك الوقت !.
لم أشأ أن أرى طفلاً مثل عامر يتسوّل أبداً .
لم أهتم أبداً أنني سوف أتأخّر عن مواعيد عيادتي !..
كان ينظر إلي طوال الطريق بتعجُّب ولكنّه مع هذا سار معي من دون أن يتفوّه بأيّة كلمة .
وصلنا الى القسم المخصّص للأدوات المنزلية .
بحثت عن الأكياس التي تحوي علب المحارم الورقية . بحثت عن النوع الذي كنت متأكدة أنّه سوف يستفيد من المتاجرة به .
” انظر يا ولدي .. هذه الأكياس الكبيرة تحتوي على عشرة علبٍ من المحارم الورقية .
إن اشتريت الواحد منها بخمسة آلاف دينار أو ما يقارب ذلك وبعت العلبة الواحدة بألفٍ من الدنانير مثلاً أنظر كم ستستفيد .. ولن يكون عليك أن تستجدي الناس على الطرقات بعد الآن !..”
اشتريت له كيساً من المحارم الورقية ، حملته ، وخرجنا الى الطريق .
لا أنسى النظرة التي ارتسمت على محيّاه حين قالت له الموظفة في التعاونية
” ألا تريد أن تشكر السيدة ؟!!”
نظر الي نظرات ملؤها الشكر ، فغر فاه يريد أن يتكلم .
قلت له ” لا أريد منك شكراً يا عزيزي . ما أريده هو فقط عهدٌ ووعدٌ بأن لا أراك تمدّ يدك وتستجدي الناس مرةً أخرى ولا أريد منك إلّا أن تهتم بدراستك أكثر ، فالعلم نور يا ولدي .”
وعدني عامر والابتسامة الرائعة لا تغادر شفتيه .
ولم أعد أراه مذّاك الحين يقف متسولاً على باب التــــــعاونية .

















