المرأة » السّيدة.. الشّاعرة

192

المرأة » السّيدة.. الشّاعرة
بيداء حكمت
هاتان المفردتان المرأة و السّيدة يفصلهما هذا الخط المائل الى حين.
تلك المفردتان تقعان في شِباك من التوصيفات يحوّم عطرهما في فلك هذه التوصيفات.
المرأة كثافة لغةٍ بأكملها يعكسها كلُّ نص مكتوب فيها، وعنها، وعليها.. هي عالم قائم بذاته، بل أصل العالم وجذره ورحم الحياة نفسها.. هي نص مفتوح كلما أوغلت فيه تذوقت نكهة الجمال وعبق الأنوثة وشفافية الروح.. لذا وجدت مخيلتي تكتب مقطعاً شعرياً في هذا التّوصيف وكأنّها تحاول استرداد تلك السيدة التي فيّ
كلما جلستُ إلى شعري
أستردّ السيدة التي كادتْ تموت 1 .
أسئلة كثيرة أطرحها ويطرحها الوقت على التاريخ فثمة واقع قاس يضغط بقوالبه وترساناته على حياة المرأة وسلوكها، هذا واقع لا مفر منه علّبَ المرأة داخل قالب، وبرمجها ضمن إطار محيطه ورؤيته، مدعوماً من قبل مجتمع له على مرّ التاريخ سطوة الذكورة المُحتكِرة لكلّ سلطة .
إذن فالسؤال هنا كيف نخوض معركة نفعّل فيها حضوراً حقيقياً للمرأة يلغي هذا الغياب، ويمحو كل ما هو مؤطر ومؤدلج ضدّها بوصفها ذاتاً لا رمزاً أو أداة أو وسيلة. بوصفها سيدة لا خطيئة كما رأتها اليهودية في العهد القديم، بوصفها روحاً تؤنّث في جسد ينبض، بوصفها وعياً وثقافة وحضوراً لا غياباً وهامشاً، بوصفها حضارة تُمثَّل بكائن بشري من الصعب أن تُسلَبَ إرادته وكينونته، فهي من تبوّأت مرتبة الألوهية فكانت إلهة الحقول والسماء، فهي رمز من رموز الحضارة الحضارة التي تقمع المرأة ليست حضارة حسب فيرجينيا وولف 2 .
كل هذه التوصيفات تعكس ثقافة المرأة، ورغبتها لكسر هذا القالب الجامد، تعكس مرآها في مرآة الحياة لتتجلّى بذلك صورتها الحقيقية المطموسة بقدرة ومهارة وإبداع وبالتمرد البعيد عن الفوضوية تمرداً منتظماً من قبلها فالدخول إلى معترك الحياة، وخوض تجاربها بحرية كاملة تجعلك تمتلك وعياً أنضج وثقافة أوسع بمعنى لِنسفِ هذا الإطار نحتاج إلى زمن وجهود مكثفة ونقطة انطلاق، لإضاءة هذا الهاجس الأنثويّ، هذه النقطة تبدأ من منطقة الوعي؛ فالوعي دائماً يقلق ويثير كلما كان الإنسان واعياً زاد قلقه وزادت مقاومته للقوى التي تحاول تحطيمه 3 .
من هنا أفهم بأننا أمام صراع لواقع مفروض صراع اجتماعي ثقافي شامل وبالأحرى تمرد يكتمل الوعي فيه، يُنضَّج ويُثقَّف، فالمرأة المثقفة السيدة لها وعي بوجودها وكيانها عن المرأة غير المثقفة، لها إحساس بأنها ذات له نضجه ووعيه وبأنها المتن لا الهوامش، هذا هو التمرد الذي أعنيه.
لم أتطرق هنا عن حقوقها والدفاع عنها فهذه أمور مشروعة ومطروقة ما أردته أبعد من ذلك، أردت أن ألقي الضوء على؛ ما معنى التمرد المكتمل عند المرأة وعياً ونضجاً، أردت استنهاض تلك السيدة في داخل كلّ امرأة .
الأبواب والمنافذ كثيرة ومفتوحة أمامنا لنكون بهذا الوعي المقلق المثير المثقف وأجد بوصفي شاعرة، ثانياً، وامرأة، أولاً.
إنّ عالم القراءة والكتابة يدفعانها لامتلاك هذا الوعي النقيّ، هذا العالم يؤسس لمدينة باهرة معالمها أفكارٌ تحملها إلى أرض الواقع بوصفها ذاتاً تنشئ وتبدع وتنقد وتضيف جمالاً إلى الجمال، وأحلاماً آن لها أن تمدّ جناحيها، فيكون بذلك لسان حالها الكتابُ والقلم، لا لسانا مطبوقةٌ عليه الشفتان، بهذا التوصيف ستسهم المرأة في صناعة أنثى المستقبل وتكون أشبه بصرخة فيها الكثير من التّحدي والإرادة وكأنها الطبيعة؛ خلاّقة وولاّدة.. هذا يذكّرني بقول ابن عربيّ
كلّ مكان لا يُؤنَّثُ لا يعولُ عليه .
الغاية إذن هي الخروج من المألوف الى المأمول، من الغفلة والتسليم الى الخلق والوعي بما يحيط.. الخروج الى الضوء كما تقول مي زيادة في المؤلفات الكاملة ليس من الممكن أن نخرج من الظلام الحالك إلى النهار السّاطع دون أن تبهرنا الأنوارُ فتتضعضع البصائر ولا نعود نرى الأشياء في مكانها كما هي .
الخروج إلى النهار السّاطع وعدم رؤية الأشياء كما هي يجعلاني هذه المرة أقف أمام الذّات الشّاعرة أعني؛ ذاتي أنا، من جهة كوني امرأةً بالطبيعة، وسيّدة بالأسلوب، وأخيراً بوصفي الشّاعرة نفسها. هذه الذّات لم أدعها كما فيما مضى تبتني لها جزيرة وسط بحر خيالاتها، على العكس، أدفعها الآن إلى ابتناء واقعها بوصفه وجوداً حقيقياً لا وهماً، ثمّ وجودها الثقافيّ. أما ذروتها ففي وجودها الشّعري وجودي، حيث تكتب ما أسمّيه نصّها الأنوثيّ لتطرح وجودها هذا طرحاً قيميّاً لا رمزياً جمالياً فحسب، ومن خلال هذا النص الأنوثيّ القيمة يتأسّس وجودها في الخطاب الأدبيّ والإنسانيّ، أي أنها تؤسّس لنصّ أدبيّ أنوثيّ حقيقيّ يهدف إلى تفكيك الواقع واقعِها المفروض عليها تاريخياً واجتماعياً وثقافياً وإعادة بنائه حسب هذا المنطلق الجديد وبوساطة الثقافة بوصفها قوّة داخلية من شأنها استنهاض كوامن هذه الذّات ومشاعرها وأحلامها وطاقاتها، لتفصح عنها عاطفياً وابداعيّاً.
1 مجموعة للشاعرة بيداء حكمت، بعنوان أغرف من بئر أسراري.
2 فرجينيا وولف عن د. عبد الله الغذّامي » المرأة واللغة، ص 9.
3 المصدر السابق نفسه، ص13 .
/4/2012 Issue 4183 – Date 25 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4183 التاريخ 25»4»2012
AZP09

مشاركة