المذيع.. وفن الأداء القولي – نهاد نجيب

496

المذيع.. وفن الأداء القولي – نهاد نجيب

فن الكلام هو الهام دافق لا يتوقف الا بتوقف الالهام..وحس دقيق عندالمذيع الموهوب الماهر..وذوق رقيق يشبه ذوق نحلة تتنقل بين الازاهير ثم تحط على اجملها منظرا..واحلاها مذاقا..واروعها سحرا..ومن هذا الوصف نتيقن بان هذا النوع من الكلام الرائق هو الذي نطلق عليه اليوم (فن الالقاء)..الذي كان يخرج عبر حناجر مذيعينا القدامى والاوائل صافيا ..خاليا من كل شائبة..ناقصا من كل عيب..ذلك الاداء المهذب الانيق الذي  طالما أمتع قلوب المتلقين من المستمعين والمشاهدين بشدوه الناعم العذب الرقيق على امتداد عقود من الزمن..ولكن مع مزيد من الاسف لقد خفت واختفى ذلك الاداء الراقي في ايامنا هذه الى درجة اننا لم نعد نحس بمتعة ورقي فن الكلام..حيث اصبحت الرداءة تقفز أسوار ذواتنا وتقتحم اسوار أنفسنا.. وفي ليلة  حالكة السواد حجبت السحب الاضواء عن لحظات ندية من عطر الزمن الجميل..وبدأنا نضرب كفا بكف أسفا لأيام الاداء المتقن الهادر التي رحلت ولن تعود..ووصل فن الكلام الى أدنى مستوى له من الهبوط الثقافي في عصرنا الحالي..حيث بدأ المتلقي يسد فيه أذنيه خشية ان يصيبهما مكروه او تنزل بهما نازلة.. ولتوضيح الامر للقاريء الكريم وقبل الخوض في البحث اقول ان فن الكلام تكمن أهميته في معرفة أحكام اللغة العربية من حيث مخارج حروفها وصفاتها..وتحسين ألفاظها ..وغير ذلك من فقه الكلام… ولرؤية اي مذيع رؤية نقدية واضحة لابد لنا من معرفة موقفه من الوان الانتاج الفني في عصره.. والواقع ان معرفة هذا الموقف له اهمية في اي دراسة حول هذه المهنة الاذاعية خاصة.. والاعلامية بمفاصيلها كافة.. واذا عدنا الى عصر ما قبل اكتشاف الاذاعة والتلفزيون نجد المثقفين وهواة فن الكلام كانوا يلتقون  هم واجيالهم بالحياة الفكرية العربية وهي خطابة ورسائل وفصول.. وتركوا الحياة الادبية وهي ..شعر..وقصة.. ورواية..ومسرح..والذي لاشك فيه انهم كانوا المعبر  بين هذه الالوان الادبية وتلك  فقد اسهموا في ازالة بعضها من الوجود وفي تثبيت بعضها في وجدان الحياة الثقافية وفي التمهيد لتوطيد اقدام البعض الجديد الوليد….

فن الخطابة

وفي اقوى الفنون التي كانت في عصر قبل الاذاعة وابرزها وأعلاها قدما –فن الخطابة — ولا عجب في هذا.. وذلك العصر كان بداية عصر الثورات العربية الكبرى حيث مهدت ولعبت فيها وتابعتها خطب الخطباء وبلاغة من هزوا المنابر وأثاروا عواطف الجماهير حيث يقوم فن استهواء الجماهير بالدور الاول في كسب المكانة للفرد او لحزب من الاحزاب.. وحيث تلعب المهارة في استخدام اللفظ والاستهواء به الدور الاكبر في تثبيت مكانة صاحبها واعلاء شأنه.. وهذا الفن الذي كان سيد  فنون القول في صدر القرن الماضي بالتحديد..وواحدا من ألمع الفنون وأخطرها في تلك الفترة.. وقد ذوى بعد ظهور الاذاعة وانتهى لأنتهاء الحاجة اليه من ناحية  ولهزبمته الكاملة في دنيا الفن القولي وبين اصحابه من ناحية اخرى.. وفي مجال الخطابة والكتابة سمعنا سيرة خطباء كثيرين وبحناجرهم القوية.. ولكن أقواهم وأعلاهم لسانا وابلغهم تأثيرا كان كالطبول التي قالت القردة عنها فيما روى  (ابن المقفع) في كتاب (كليلة ودمنة) ولعل افشل الاشياء أضخمها صوتا !!.. والمشكلة في هذا الفن من فنون القول عند الخطباء انه لا يحاول ان يكشف شيئا او يعبر عن خالجة او يثير حقيقة..وانما هو فن خارجي يقوم على الاستهواء ويستخدم اللفظ والاشارة والخاطرة ليلوي عنق الجماهير ويحيلها أداة طيعة في يد الخطيب يضع في عقلها وقلبها ما يريد..فهو لا يضيف شيئا ولا يقدم للانسان جديدا بل هو ينزل بكل معنى الكلمة الى المفهوم العام للجماهير ليوجهها عما تجد الى مايريد لها الخطيب ان تجد… والمسألة هي مسألة الفن القولي..اهو الاستهواء والتأثير على المتلقي سواء كان فردا ام جمهورا..ام هذا الانسان الفرد الذي هو التحام مع الناس في محاولة للكشف عن جديد في خبايا هذا الانسان واعماقه…؟ والخطابة والفن القولي كله عند البلاغيين العرب القدماء وعند ادباء تلك الاجيال هي هذا الاستهواء والاملاء والقدرة على التأثير والابلاغ..وهذا الموقف هو نقطة الفصل بين الخطابة وبين الاداء الرشيق المتقن الذي ظهر مع ظهور الاذاعات وبداية لغة المذيع الرصينة وهي لغة الابداع والتطور والقدرة الكاملة على الكلام في حروفه وكلماته ثم في نبراته ونغماته..وهذا التطور هو مانسميه ب( فن الالقاء) الذي هو من اهم مقومات المذيع بعد مرحلة الثلاثينيات من القرن الماضي وظهورالاذاعات وانتشارها ومعها بدأ الاهتمام ينصب على (علم الصوت) وفن الالقاء..وبدأ المذيعون الاوائل يتسابقون من اجل تثبيت جمالية نبرات حناجرهم واستخدامها بالشكل الامثل والاتيان بالجيد واعطاء كل حرف حقه ومستحقه من الصفات والمدود وغير ذلك كالترقيق والتفخيم ونحوهما وبلوغ النهاية في اتقان الفاظ اللغة العربية وسلامتها..وهكذا بدأت الفخامة الادائية في الالقاء على ألسنة المذيعين تتخذ لونا يناسب الاسلوب الجديد للعمل الاذاعي المتقن.. وبهذا التطور الحاصل تخلص هذا الفن القولي الجديد وهو فن الالقاء من روح الخطابة رويدا رويدا فجنح الى ما يلائم طابع العصر الاعلامي السمعي والمرئي الجديد وجوه متمشيا مع كلام الناس واصواتهم  والقائهم وسائرا مع هذا الجو وموافقا له..ونحن في دراساتنا الحديثة لفن الالقاء نجد المعاهد الفنية والاكاديميات بدأت تعنى كل العناية لتربية صوت المذيع وحنجرته وفمه ولسانه..

مخارج الحروف

ودراسة مخارج الحروف الى جانب تربية احساسه وانفعالاته بالدراسات النفسية..وهذه الدراسات تفتح امامنا الحديث عن اهمية المذيع ومقوماته الاساسية وصلته الوثيقة مع الكلمة  والقائها حيث لا تتم الكلمة الا بالاداء الرصين ولا ينفصل الاداء عنها بل هو نابع منها متجانس معها وبالتالي فأن القاء الكلمة هو جزء مهم ومتمم لشخصية المذيع وما يعتريها من احساسات وانفعالات وهذه بدورها تختلف بأختلاف  شخصيات المذيعين… وهكذا بدأ عصر فن الالقاء الاذاعي منذ تأسيس الاذاعة العرافية في عام 1936 وبدأت مسيرة المذيعين الرواد بلغتهم السليمة وحضورهم الرائع وادائهم البارع واستحق كل ما في نهجهم الثناء والتقدير.. واستحق عصرهم صفة الزمن الجميل..زمن الابداع في مفاصل الاعلام ان جاز التعبير..ففيه برز أعلامه وفرسانه  ومبدعوه ومجددوه وفيه كانت المهنة الاذاعية ارقى مراتب الثقافة والادب والفنون واشهرها.. ومن هنا كان دأب معظم مذيعينا في مستهل حياتهم ان يداعبوا اوتار حناجرهم لتقديم ما تجود به من العطاء والابداع الدائم من اول مذيع استهل العمل الاذاعي امام مايكروفون  دار الاذاعة العراقية وهو المحامي (عبدالستار فوزي) واول مذيعة  وهي المدرسةالبصراوية (فكتوريا نعمان) ومن الانصاف القول ان الاذاعة العراقية منذ الوهلة الاولى دأبت على نهج سليم في اختيار مذيعيها ومذيعاتها حسب مقاييس وشروط سليمة وصحيحة من حيث الكفاءة اللغوية والثقافية والصوتية والمهارة الادائية. واستنادا على هذه الاعتبارات الرصينة انجبت تلك الاذاعة العريقة خلال عمرها المديد اسماء لامعة من مذيعي الاخبار ومذيعاتها  ومقدمي البرامج ومقدماتها وبرز كل واحد منهم في عمله واسلوبه واصبح مدرسة أدائيةبحد ذاته في المعارف الاذاعية الراقية فمنهم من لان للعمل الاذاعي والتلفزيوني وانقاد فمضى به ومعه مقتصرا عليه ومتفرغا له..او جامعا بينه وبين غيره من الاجناس الاعلامية المختلفة ..ومنهم من اتصرف عنه الى غيره من الفنون الادبية وغير الادبية لكننا بامكاننا ان نلتمس من حياة المذيعين الخصبة باصنافهم المتعددة العطاء والابداع الدائميين حتى عام 2003  ع ام الاحتلال البغيض الاسود حيث اسدل الستار عن كل شيء جميل في دنيا المعارف الاذاعية ..وبقيت اعوام من الحنين والذاكرة تتجدد فينا لذلك التأريخ الاذاعي المجيد وتأبى النسيان..وسيبقى لتلك النكهة التي افتقدناها عطر واحساس خاص..واصبحنا في ظل هذا الانحدار الثقافي  وهبوطه الواضح نحو الهاوية بسبب الداخلين لساحة الاعلام المرئي والسمعي وهم اساسا لا يمتلكون المؤهلات الفعلية والمهنية للعمل والانتماء..فعلى  مستوى الاداء الصوتي فان معظم المذيعين(وليس كلهم) لايمتلكون الشروط المطلوبة من ثقافة لغوية ..والفروق الجوهرية بين صفات الحروف ومخارجها من حلقية ولسانية وحنجرية ..كما لا يفرقون بين حروف المد والوقف .. وكثيرة العوامل التي يتغرب عنها المذيع اليوم .. والحق يقال ان هناك مذيعين متمكنين صوتا ولغة وثقافة وحضورا مميزا ولكن لقلتهم يضيعون في هذا الخضم المتلاطم من فقدان الهوية والطابع والرائحة المهنية الخالصة.. وختاما ..لقد استطاعت الحركة الاعلامية الجديدة في ظل الاحتلال ان تفرض مفاهيم خاطئة منذ وقع الادب الاعلامي تحت سطوة المتخلفين الطارئين الذين تحكموا بمقاييس ومعايير حتى شوهوا وجه حياتنا  الثقافية واخفوا الجواهر من تراثنا الفكري والاعلامي والفني وجعلوا من اعلامهم مقودا يقاد اليه المتلقي من أنفه ليقتنع ويؤمن بمسطحات فكرية وفقاعات من الافكار المتخلفة التي لا تضيف له زادا ولا تقدم له جديدا ينير حياته او يكشف عنها ..

انه حقا زمن الاعلام الاجوف وسيزول يوما بعد زوال وقع الطبل المدوي .. الاجوف. انه واقع اعلامي  مؤلم يتأرجح اليوم بين ماض مشرق له أساسات رصينة. وبين حاضر ضائع إعلاميا ليست له هوية..!

مشاركة