المذياع الرصاصي – علي إبراهيم

قصة قصيرة

المذياع الرصاصي – علي إبراهيم

 اخذ المذياع من يدي مستفسراً عن توقّفه.ماذا به؟ إنشغلت بالمحل الصغير الذي يحوي أجهزة المذياع الملوٌنة ،أكداس بعضها فوق بعض ،نظرت إلى الجهة الأخرى كانت عيناه محسورة مِن طول نظره اليها،وهو ُممْسك بالمذياع .إندفعتُ داخل المحل في حالة إثارة إستغرابه ،كنت ارمقها إلى السقف الخشبي الذي اسنده مِن ثلاث جهات ،ثمّة رفوف مثبّتة تحمل اكداساًمن المذياعات الساكتة

._هل  تبحث عن مذياع لك؟

_لا …….إنّه بيدك!

_لماذا تحدّق فيها ،إنّها ساكتة منذ ترّبعت الصحون على السطوح لم يعد أحدُ ينظر إليها ،لم يعد الصوت ما يفزع النفوس،إنها الصورة التي ترقص في كل مكان إنّه عالم الصورة

_وانت هل تنظر إليها ؟

_ما ينفع النظر إليها ، هي تركة قليلة تركتها الايدي دون وفاء في الرجوع إليها .

قد يكونون في عالم آخر ،بقايا أيام مزجت الدماء مع لعلعة صوت المذيع :ايّها المواطنون ،جاءنا ما يلي :تتذّكر المذياع يبث الهلاهل صوت الدبكات ،صوت النواعير .

ها….نعم اتذّكر .كانت الذاكرة قد دخلت اغوار السنوات التي اكلت نفسها ،اتذّكر يوم حَملتُ المذياع الصغير في الأرض الملتهبة اتسمّع وبحذر جنون العالم من الرمادي ،الاحمر ،الاسود والابيض.

قال محاولاً معرفة سِر المذياع الذي بين يديه ..لم تخبرني عنه!

كنت في الحلم الذي دارَ بِي ،اسئلة غارت في أعماق نفسي أيكون الرصاصيّ هو مَن يبث صوت مونت كارلو ،صوت أمريكا عند الساعة الثامنة مساءً: قتلى وجرحى على جبهات حرب الخليج الأولى ،مقابلات مع الأسرى ؟

…ماذا؟

لا..لا كان المذياع باللون الأحمر هو مَن يبث اخبار الحرب .اخذت اشير باصبعي رصاصي ،احمر ،رصاصي ،احمر ! واخيراً اشار اصبعي على مذياعي الرصاصيّ الذي بين يديه ،هل تناسل مِن هذه الألوان المتروكة لسنوات صامتة لفظت الحروب كُلّها .اردتُ جاهداً أن احرّك الاجهزة اتسمّع  لها تهذي ثانية في عصر غطّت الصورة كلّ جزء من حياتنا ،كنت أعلم انّها ستهوي بكلّ إتجاه لتزيح مكاناً نامت فيه ،إستغرقتُ في إسترجاعها ترى ماذا تُريد مِنّي ؟لم تعد انغامها متناسقة .هي مَن باعت اطناناً من الالفاظ ،واتخمت المرضى فاصبحوا موتى !

_ردّ المصلّح ..ماذا تقول؟

يوماً ما حسدت نفسي على فقدان حقيبتي كان المذياع الصغير قد فقدَ صلتي بجنون العالم مِن ذبذبات مستمّرة في أرض الجمر بعد إنذارات إخرسوا أجهزة المذياع ،اخرسواالذبذبات التي تصل آذانكم ارفعوا أيديهم وأتركوها جانباً.هكذا خسرناها واحداّ بعد الآخر .

قال المصلّح وهل دخلت َ حالة العشق معها ؟

هي مَن ارغمتنا أن نُحني رقابنا جانباً كي نسمع كلمات الأخبار ،وحتى يوم دخول الجيش المرقط ذوي القبعات الملوّنة ،والوجوه البيض إلى شوارعنا وسكنت الدبابات معنا تجدّد المذياع الرصاصيّ،كانت ذبذباته تتقطّع من دوري الانفجارات كنت اُساعده يكفي قرب أذني إذن هي الحرب .

دعني انظر إليها لا تحرمني منها .كنت احدّجها ثمّ أشخّصها أنا الصائح كي اوقضها مِن سباتها مِن فقاعات الخوف ،كان ابي ضحيّة الذبذبات التي كسرت الحاجز ،ينصت وينصت حتّى تركها لحظة ليرحل إلى عالم آخر .

قال بغضب :مذياعك ما بهِ؟

إنّه بيدك اضفتَهُ بعد شعور بالراحة إلى اجهزتك ،دعه يرتاح مِن عناء الهذيان مع الأكداس التي لاذت بالصمت الآخر ،؟إحسبها مقبرة لتلك الذبذبات المتيبّسة ،والاسلاك المتقطعّة ،إتركها صحبة الألوان يعلوها الغبار بعد صراخ طويل مِن افواه تآلفت ابدانها معها .

ردّ مستعجلاً :ما نقع الأبدان حين تضّج آلة صمّاء ولطالما إشتاقت النفس إلى أصوات متسرّبة مِن المذياعات لكنّها لا تُسّر كثيراً.

تركت مذياعي الرصاصيّ في المحل الصغير محاولاً نسيان اجترارات الماضي كنتُ اودّعه بعد رفقة اختزنت  ئاكرتي مِن آلة صمّاء مزّقت كُلّ الابدان.

مشاركة