المدن وأشباهها – مروان عدنان

 

المدن وأشباهها – مروان عدنان

وأصبح للمدن مقياس، وتصنيف، وأصبح العالم قرية صغيرة، يعرف فيه البعيدون، عن شعاب مكة، أكثر مما يعرف أهلها، وأهل كلّ مدينة، تتطلّع عيونهم إلى مدينة ثانية، إعجاباً أو إنتقاصاً، رغبةً بزيارتها، أو خوفاً من المرور عبرها “ترانزيت”.

ولا يكفّ الناس عن تشبيه هذه المدينة بتلك، بناءً على جماليات متقاربة، أو أحداث مشابهه، أو وجود إجتماعي، يتوق لأن يكون مجتمعاً شبيهاً بمجتمع المدينة التي يسمع بها، ويقرأ عنها.

يسمّي اللّبنانيون، بيروت “باريس العرب”، وهذه مقاربة جمالية، مثلما كان العراقيون يسمون البصرة “بندقية الشرق”، قبل زيارتي الأولى لمدينة أربيل “عاصمة إقليم كردستان العراق”، سألتْ: كيف هي أربيل؟

فجاءني الجواب موجزاً ومعبراً، وعفوياً: “تشبه بغداد سابقاً”، فالتّشبيه على طرف اللّسان – كما يقول المثل – ودون وعيّ، بل إن التشبيه، يختصر صفحات من التفاصيل، والاحداث والمرويات.

أما بغداد حالياً، تصنف سنوياً، كأسوأ مدينة للعيش في العالم، وفي تطور للأسوأ، لم تدخل بغداد التصنيف لعام (2017) والسبب كما تقول وحدة المعلومات، التابعة لمجلة “الأيكونومست” البريطانية، “ان بغداد وكابل ما عادتا تمتلكان مؤشرات قابلة للقياس”!

الناشطون البغداديون، وعقب كلّ مشروع يمسّ الحياة المدنية، يُطرح من قبل “الأحزاب الدينية الحاكمة” يرفعون شعار “بغداد لن تصبح قندهار”، وهنا نلمس الخشية من الوقوع في المقاربة مع مدن الخوف والحكم الظلامي، كما حصل مع دعاوى فصل الجنسين في الجامعات، وطرح قانون الأحوال الشخصية بصيغته المعدّلة.

في العراق أيضاً، تُسمّى الأحياء العشوائية، الّتي تبنى من الصّفائح المعدنية والطين، بأحياء “الشيشان”، وتلك لفظة على غير مدلول، فالشيشان الأصل، دولة ذات طبيعة خلاّبة.

قال وزير الدفاع الأمريكي “دونالد رامسفيلد”، أيام إشتداد الإرهاب، والمطحنة الطائفية في العراق (2006). اذا كانت أفغانستان مدرسة الإرهاب، فإنّ العراق جامعة الإرهاب”، ومثله نسمع عن خوف المحللين، مما يسمونه “لبننة العراق”، وهو أن لا يتحول العراق إلى لبنان ثانٍ، ونسمع من المثقفين اليمنيين، خوفهم من “صوملة اليمن”، وليس غريباً أيضاً أن تنطلق تلك الخشية، في أغنية مطرب عراقي شعبي، يخشى تحوّل النجف إلى تكساس، بينما يطلق الباحثون على النجف “فاتيكان الشيعة”، لوجود المرجعية الشيعية العليا فيها، وكونها المقرّ التأريخي للحوزة العلمية.

النّاس مولعون بالمقاربات بين المدن، وإسقاط واقع مدينة معينة على أخرى، هكذا الفدائيون الفلسطينيون على عمّان “هانوي العرب”، تشبيهاً لها بهانوي، عاصمة فيتنام، الّتي كانتْ منطلقاً لمقاومة أعداء “الشيوعية”، تماماً كما كانتْ عمّان عاصمة النضال الفلسطيني، ومنطلق الفدائيين لتحرير فلسطين، قبل أحداث ما عرف “بأيلول الأسود”.

ينطبق الحال على مدينتين صغيرتين في العراق، وهما “آمرلي – حديثة”، فقد عجز تنظيم “داعش”، عن دخول المدينتين، رغم أنّ كلّ ما حولهما من المدن كان ساقطاً، وكانتا محاصرتين لأكثر من عام، وتصلهما المؤونة بواسطة الإنزال من الطّائرات، فأطلق الإعلام المحلّي على كلّ منهما، “لينينغراد” العراق، لتشابه صمود المدينتين، مع صمود لينينغراد (المدينة السوفيتية)، بوجه قوات دول المحور، في الحرب العالمية الثانية.

قيل إن مدينة “الشطرة”، جنوب العراق، كان يطلق عليها في ستينيات القرن العشرين، “موسكو الصّغرى”، دلالة على قوة التنظيم الشيوعيّ العراقيّ، الذي تأسس في الشطرة وما حولها.

الزعيم الكردي مسعود البارزاني، وفي واحدة من تصريحاته  حول محافظة “كركوك”، قال “إن كركوك بالنسبة للكرد، تشبه القدس بالنسبة للعرب”.

المشابهة والمقاربة بين المدن، وعقد المقارنات وتعداد الفوارق بينها، غريزة أصيلة في ناس المدن تلك، يجيدها الجميع اليوم، ولم تعد حكراً على الرّحالة، ويتناقلها الجميع، بعد أن كانتْ مقتصرة على صفحات كتب أدب الرحلات.

ختاماً، تقول الشّاعرة العراقية “لميعة عبّاس عمارة”:

أشكّ، أرى الرّبيعَ بعيداً عنكَ

عن وطني،

يقولُ الطبّ: تنتحرين، حيثُ تلوّثُ المدنِ

تصوّر. أنّ بغداد الّتي أحببتُ تقتلني !