المدرسة المستنصرية  1-4 –  صلاح عبد الرزاق

982

المدرسة المستنصرية  1-4 –  صلاح عبد الرزاق

إفتتاح رسمي لأول صرح أكاديمي في بغداد السلام

التأسيس

تعد المدرسة المستنصرية أو جامعة في العالم ، وكانت تمثل مركزاً علمياً وفكرياً توافد عليها الأساتذة والطلاب من مختلف بقاع العالم آنذاك.

أنشأ المدرسة المستنصرية الخليفة العباسي المستنصر بالله ( تولى 623-640 هج / 1226-1242 م) .

تقع المدرسة في الجانب الشرقي من بغداد بجانب الرصافة، وهي على الضفة اليسرى من نهر دجلة.

بوشر ببناء المدرسة عام 625 هج / 1227 م  وانتهى البناء عام 631 هج/ 1233 م . وتولى عمارتها مؤيد الدين أبوطالب محمد بن العلقمي. كما استقدم لها أمهر المهندسين والحرفيين والخطاطين.

المدرسة تمتد على مسافة (105) أمتار على امتداد النهر طولاً ، وبعرض 44 متراً من الجهة الشمالية ، و48 متراً من الجهة الجنوبية. وبذلك تبلغ مساحتها 4836 متراً مربعاً. أما الرصيف الموازي للنهر فيبلغ عرضه 12 متراً . تتألف المدرسة من طابقين بارتفاع كلي يبلغ عشرة أمتار.  في يوم الاثنين 15 جمادى الآخرة عام 631  هج / 17 آذار 1234 م ركب نصير الدين ابن الناقد نائب الوزارة زورقاً (شبارة) واجتاز به دجلة حتى وصل إلى دار الخلافة ثم صعد إلى الدار المجاورة للمدرسة. وكان معه أستاذ الدار (الأسطة) مؤيد الدين محمد ابن العلقمي الذي تولى الاشراف على البناء، ومنحه هدية هو وأخيه علم الدين أحمد بن العلقمي وعلى حاجبه عبدالله بن جمهور وعلى البنائين والحرفيين الذين أنجزوا هذا الصرح العلمي الكبير.

وفي نفس اليوم بدأ نقل الصناديق التي تضم نسخاً من القرآن الكريم ، والكتب النفيسة المصنفة في مختلف العلوم الدينية والأدبية والعلمية والطبية ما حمله 160 حمالاً . ووضعت في خزائن الكتب ورتبت على رفوفها. وقام الشيخ عبد العزيز بن دلف الناسخ الصوفي بترتيبها وتثبيت أسمائها في سجل خاص بها. واتخذ الاجراءات المطلوبة لحفل افتتاح المدرسة . ينقل ابن الفوطي هذا الاحتفال بقوله:

في 15 رجب 631 هج / 15 نيسان 1233 م حضر نائب الوزارة وسائر الولاة والقضاة والمدرسون والفقهاء ومشايخ الرباطات والصوفية والوعظ والقراء والشعراء وجماعة من أعيان التجار الغرباء إلى المدرسة. وتم توزيع المدرسة على المذاهب الأربعة (الحنفي ، الشافعي، الحنبلي، والمالكي ) جبة سوداء

وتم تعيين 62 شخصاً لكل مذهب ، وعيّن لها مدرسان ونائبا تدريس. أما المدرسان فهما محي الدين بن فضلان الشافعي ، ورشيد الدين بن محمد الفرغاني الحنفي . ومنح كل منهما جبة سوداء وطرحة كحلية وبغلة مع عدة كاملة. وأما النائبان فهما جمال الدين ابن الجوزي الحنبلي ، والآخر أبو الحسن علي المغربي المالكي. ومنح كل منهما قميص مصمت وعمامة قصب. ثم منح الهدايا للصناع والمعماريين والحاشية وأمناء المكتبة وهم شم الشمس علي بن يوسف بن سعد الكتبي الخازن، والعماد علي بن الدباس المشرف ، والجمال ابراهيم بن حذيفة المناول.

ثم فرش سماط طويل وضع عليه أنواع الطعام والشراب والحلويات. وبعد تناول الطعام بدأ منح الخلع على الحاضرين من المدرسين ومشايخ الرباطات والمعيدين بالمدارس والشعراء والتجار الغرباء. ثم أنشد الشعراء المدائح فيها وفي مؤسسها. بعد ذلك تم توزيع الأرباع على أصحاب المذاهب ، والغرف على المدرسين والطلاب. وتم منحهم الجراية الوافرة عملاً بشرط الواقف. ثم نهض نصير الدين وأرباب الدولة وبقية الحاضرين. وكان الخليفة يؤمئذ جالساً في شباك بصدر الديوان يشاهد مراسم الاحتفال كلها.

وكان الخليفة يحضر إلى المدرسة بين حين وآخر مصطحباً معه الشيخ عبد العزيز . وقد أهدى الخليفة كتب قصره فتقلت إلى مكتبة المدرسة ليستفيد منها العلماء والطلاب.

أقسام المدرسة

تشتمل المدرسة على عدة أقسام ، لكل منها وظيفة محددة .

1-       المسجد

يقع المسجد في الجهة الغربية المطلة على النهر حيث يوجد المحراب . ويبلغ طول المسجد 23 متراً وبعرض بلغ 20 متراً 2-  الصحن

وهو أحد المفردات المعمول بها في الأبنية الشرقية الكبيرة كالمدارس والجوامع والقصور والخانات وغيرها. وهو فسحة مفتوحة على الهواء الطلق تدخله الشمس مباشرة . يبلغ طول الصحن 62 متراً وعرضه 27 متراً ، وبذلك تبلغ مساحته حوالي 1710 أمتار مربعة. أرضية الصحن مكسية بالطابوق الفرشي، وتتوسطه بركة يأتي ماؤها من دجلة فيجري تحت الأرض، ثم يخرج من البركة إلى المزملة .  وينخفض الصحن حالياً بستة درجات عن الشارع الذي ينفتح عليه باب الدخول. ويعود ذلك إلى عوامل الزمن وارتفاع الأرض في الشارع على مر القرون.

3-       الأواوين

كان في المدرسة أربعة أواوين ، خصص كل منها بمذهب من المذاهب الأربعة . وتعد الأواوين غاية في الروعة والبناء وجمال الزخارف الهندسية والنباتية الدقيقة، مما يدل على مهارة وحرفية العمال والصناع في فن الريازة والخط والحفر على الطابوق.

يبلغ ارتفاع سقف الإيوان بارتفاع الطابقين ، ويبلغ زهاء 9 أمتار ، أما عرض فتحة الايوان فتبلغ 6 أمتار ، وطوله 8 أمتار. وكان يوجد إيوان آخر يلاصق صدره الجبهة الشمالية للمدرسة. وهو لا يعد من أواوين المدرسة بل من الدار المجاورة لها. وسقف هذا الايوان منقوش بزخرفة بديعة . تأجير ايوان

ويذكر المؤرخ كوركيس عواد أنه: من نكد الدهر أن يكون هذا الايوان حتى عام 1934 مؤجراً لأحد الخبازين الذين لا يهمهم من أمر الآثار شيء، فنصب فيه فرنه، وكأن هذا الأثر النفيس لا يصلح إلا أن يتخذ منه فرن. فكان من نتائج ذلك أن شوهه الدخان وغبار الطحين، وسوّد ما فيه من الزخارف الاسلامية الجميلة. وبعد أخذ ورد طويلين بين مديرية الآثار القديمة ومديرية الأوقاف ببغداد، وافقت الثانية بكونها المتولية على المستنصرية على إخراج هذا الخباز من الإيوان ! ولكنها عادت فأجرته لاسكافي . وكانت دائرة الكمارك تتخذ من المدرسة دائرة لها !!

وصف ابن بطوطة عام 727 هج / 1326 م أواوين المدرسة ، وان لكل مذهب إيواناً ، فيه المسجد وموضع التدريس، وجلوس المدرس في قبة خشب صغيرة على كرسي عليه البسط. ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار، لابساً ثياب السواد معتماً. وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كل ما يمليه.

وكانت المدرسة تدعو بعض الشخصيات البارزة مثلاً وجهت الدعوة عام 633 هج/ 1235 للأمير اسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل.

وفي العام نفسه دعي الملك الناصر ناصر الدين داود الأيوبي ملك دمشق ، فحضر إلى المستنصرية ، وجلس على طرف إيوانها الشمالي، ووقف مماليكه وأصحابه في ربعي المالكية والحنفية.

وفي سنة 634 هج/ 1236 م وجهت الدعوة إلى نور الدين أرسلان شاه بن عماد الدين زنكي صاحب شهرزور ، فلبى الدعوة وجلس في طرف إيوانها الصغير.

4-       البيوت والغرف

تتكون المدرسة من طابقين ، كل منهما يضم بيوتاً وغرفاً متجاورة، بنيت للدرس ولسكنى الطلبة وللأغراض الدراسية كالمطالعة والكتابة وغيرها. ويبلغ عددها قرابة المائة حجرة وغرفة بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة. وتوجد 39 بيتاً في الطابق الأرضي ، ومثلها في الطابق العلوي وهي أصغر مساحة. إضافة إلى غرف متوسطة. وتوجد اثنتا عشر قاعة كبيرة ذات ارتفاع بارتفاع طابقي البناية.

وتمتاز غرف المدرسة بسقوفها المعقودة بلا خشب أو أعمدة ، وقد زينت بالزخارف والمقرنصات المنحوتة من الطابوق. وتوجد داخل الغرف روازين داخل الجدران تستخدم لوضع مصابيح الاضاءة أو كتب الطالب أو أدواته وطعامه. ولكل غرفة باب وشبابيك بعضها تطل على ضفة النهر والأخرى تطل على الرواق الذي يصل بين الغرف.وتخدم الشبابيك وظائف إدخال النور نهاراً ، والتهوية ، إضافة إلى فتحات أخرى في السقوف. وترتفع الفتحات عن مستوى السطح حيث تغطيها قباب صغيرة لمنع دخول الأمطار إليها.

5-       الرواق

وهو ممر طويل تنفتح عليه أبواب الغرف من جهة ، والصحن من الجهة الأخرى . وهو ضيق نوعاً ما يعلوه سقف معقود بشكل مدبب في الأعلى . والرواق بطابقين و يحيط بالصحن من جوانبه الأربعة عدا الجزء الذي فيه الإيوانات حيث يتوقف عندها. ويوفر الرواق التنقل بين الغرف بعيداً عن الشمس أو المطر.

6-       المسناة

أو المسناية كما يلفظها العراقيون. وهي عبارة عن جدار رصين يجاور النهر ،  ووظيفته حماية المدرسة من طغيان النهر وقت الفيضان ، أو تسرب المياه إلى داخلها من خلال النفوذ عبر التربة الفاصلة بين النهر وجدران المدرسة الخارجية. والمسناة من مستلزمات الأبنية والبيوت والقصور التي تطل على الماء. وتعرضت المسناة منذ انشاء المستنصرية إلى أضرار بفعل المياه وعوامل التآكل والأمطار والرياح. والمسناة الحالية هي من أعمال الترميمات التي طالت المدرسة فيما بعد.

7-       ماء المدرسة

إن وجود مؤسسة تعليمية تعج بمئات الطلاب والأساتذة والعاملين فيها تحتاج إلى الماء كعنصر حياتي أولاً ، وضروري للوضوء والغسل والطبخ وغيره ثانياً. وكان لابد من وجود مصدر للمياه دائم يفي باحتياجات المدرسة.

المزملة هي قناة تنقل المياه من النهر إلى المدرسة ، حيث تصب في بركة وسط الصحن ، يستخدم ماؤها مباشرة أو ينقل إلى خزانات صغيرة إلى الحمامات والمرافق الصحية. وكان يوجد فرع يغذي الساعة المائية.

يصف ابن الفوطي تزويد المدرسة بالماء فيقول أنه في سنة 668 هج/ 1269 م تقدم علاء الدين صاحب الديوان بعمل دولاب (ناعور) تحت مسناة المدرسة المستنصرية، يقبض الماء من دجلة ويرمي به إلى مزملتها، ثم يجري تحت الأرض إلى بركة عملت في صحن المدرسة، ثم يخرج منها إلى مزملة عملت تجاه إيوان الساعات خارج المدرسة. وجدد تطبيق صحنها وتبنيد حيطانها.

وكان المتولي لذلك شمس الدين حميد الخراساني صدر الوقوف. وكان لهذه القناة من يتعهد شؤونها وصيانتها في مقابل راتب معلوم يتقاضاه.

مشاركة