المدرسة المستنصرية .. جامعة علمية فريد في عصرها  2-4  –  صلاح عبد الرزاق

766

المدرسة المستنصرية .. جامعة علمية فريد في عصرها  2-4  –  صلاح عبد الرزاق

أول مستشفى تعليمي وساعة مائية تخلب الأنظار

 8-الحمامات

وهو مرفق ضروري لأتباع دين يؤكد الغسل والاستحمام بشكل دائم ، إضافة إلى قضاء الحاجة الطبيعية. وقد ورد ذكر الحمامات في مصادر تاريخية كثيرة مثل ابن العبري (تاريخ مختصر الدول) و ابن بطوطة في رحلته وابن كثير في (البداية والنهاية) و (شذرات الذهب). ولم تبق معالم هذا المرفق لأنه اندثر بفعل السنين.  ولكن من وجهة نظر هندسية يفترض أن يكون هناك خزان للماء وآخر لتسخين المياه وتزويد المدرسة بالماء الحار شتاء. كما تستخدم الأباريق للطهارة في المرافق الصحية. ومن المعروف أن تصريف مياه الحمام ومياه الصرف الصحي كانت تسير باتجاه النهر في مكان جنوبي المدرسة أي أسفل تيار النهر لأن الجهة العليا فيها مكان مأخذ الماء إلى المزملة. ويبدو أن أمر الحمام كان مثارة للنقد ، إذ وردت أبيات شعر تذم حمام المستنصرية لأنه بارد. يقول شمس الدين محمد بن عبيدالله الهاشمي الكوفي الواعظ ، وكان أديباً فاضلاً علماً شاعراً :

ولو أن أيوب في عصرنا                وقد مسه بالأذى المارد

لجاء إلينا فحمامنا                     شراب ومغتسل بارد

 فرد عليه كمال الدين الأبري فقال:

أرى ماء حمامكم كالحمــــــــــــــ            ـــــــيم نعاني منه عناء وبؤسى

وعهد بكم تسمطون الجدي         فما بالكم تسمطون الرؤوسا

 9-المستشفى (البيمارستان )

وهو المستشفى ، والبيمارستان لفظة فارسية مركبة من كلمتين: (بيمار) بمعنى مريض ، و (ستان) بمعنى مكان أو محل. فهي تعني (دار المرضى) . لقد جاء تأسيس مركز طبي في المدرسة ليعبر عن وعي صحي وتقدم علمي وطبي في ذلك الوقت ، وحرصاً على صحة وسلامة القاطنين في المدرسة. وذكر ابن الفوطي أنه تم تعيين طبيب يقصده المرضى ، ومعه معانون . وكان من شروط الطبيب أن يكون طبيباً حاذقاً يشغل عشرة أنفس بعلم الطب ، ويقصد مساعدون. ويقوم الطبيب بفحص المريض ووصف الدواء وعلاج. وكان الطبيب يعود المرضى الراقدين صباح كل يوم. ويحظى المرضى بالطعام والشراب والنوم وكل ما يحتاجونه.

ومن الأطباء الذين عملوا في المستشفى المبارك بن المبارك بن عمر الأواني المنعوت بالشمس والمعروف بابن الصباغ المتوفى عام 683 هج / 1284 م . وكان علماً بالطب ماهراً بصنعته، وله فيها مؤلفات ناهزت على المائة ونيف. وذكر بعض المؤرخين أنه بلغ من العمر 106 سنوات. وذكر المستشفى الرحالة البرتغالي بدرو تيكسيرا عام 1604 أن شاهد مبان رائعة ومنها مدرسة كانت مستشفى.    10-الصيدلية

ولما كانت توجد مستشفى وأطباء يعالجون المرضى ، فكان لابد من وجود صيدلية توفر الأدوية والأعشاب والزيوت وغيرها. وكانت تجهز أيضاً بالمعاجين والأكحال والأشربة وغيرها من مستلزمات العلاج لمختلف الأمراض القادمة من مختلف البلدان من داخل وخارج العراق.

 11-دار الحديث

وهو أحد المرافق التعليمية المتخصصة بدراسة وتدوين الحديث النبوي . وكان دار الحديث أحد شروط المستنصر ، وأن يرأسه شيخ عالي الاسناد ، وقارئان، وعشرة أشخاص يشتغلون بعلم الحديث في كل يوم سبت واثنين وخميس من كل أسبوع . وشرط لهم الراتب والهبات والتعهد أسوة بالفقهاء.

وكان يصرف للشيخ المسمع ستة أرطال من الخبز ورطلان من اللحم يومياً. وفي كل شهر يمنح ثلاثة دنانير . وللمشتغلين لكل واحد منهم في كل يوم أربعة أرطال خبزاً وغرف طبيخاً . وفي كل شهر ديناران وعشرة قراريط. والطبيخ هو الطعام المطبوخ وعادة ما يكون من الخضروات والحبوب.

 أما القارئ فله كل يوم أربعة أرطال خبزاً وغرف طبيخاً وكل شهر ثلاثة دنانير. وللطلبة من الخبز والغرف والراتب مثل الأيتام الذين يتلقون القرآن.

 12-دار القرآن

 ولما كان المسلمون عموماً والحفاظ والقراء يهتمون بالقرآن الكريم فجاء دار القرآن ليرعى هذا الاهتمام. وكان المستنصر قد شرط أيضاً تأسيس دار القرآن المجيد شيخ يلقن القرآن، وثلاثون صبياً أيتاماً، ومعيد يحفظ التلاميذ الثلاثين. ويستلم الشيخ كل يوم سبعة أرطال خبزاً وغرفان طبيخاً  ، وفي الشهر ثلاثة دنانير. أما المعيد فله في كل يوم أربعة أرطال خبزاً وغرف طبيخاً ، وفي كل شهر دينار وعشرون قيراطاً. وللصبيان لكل صبي في كل يوم ثلاثة أرطال خبزاً وغرف طبيخاً، وفي كل شهر ثلاثة عشر قيراطاً وحبة (من العملة).

 13-المطبخ والمخزن والبستان

والمطبخ من المرافق الضرورية لنزلاء المدرسة حيث يقدم الطعام لقرابة أربعمائة شخص يومياً ولثلاث وجبات. ولما زار الرحالة الألماني الشهير نيبور Carsten Niebur عام 1750 م ذهب إلى المدرسة واطلع على مرافقها ، ووصف المطبخ .

أما المخزن فكان يقع خارج المدرسة ومقابل بابها ، ويفصل بينهما شارع السوق المجاور للمدرسة. وكانت تخزن فيه المواد الغذائية كالحبوب والسكر والأطعمة الأخرى كالجبن والزبد ، وأدوات الأكل من أطباق وملاعق وسكاكين وأقداح وأباريق . كما تخزن فيه القرطاسية من الورق والأحبار والأقلام ، إضافة إلى الزيت والمصابيح، والصابون والملابس والفرش والسجاد وغيرها من المواد المخزنية.

وذكر بعض الباحثين أنه كان هناك حلاق للطلبة .

وكان هناك بستان ملاصق للمدرسة ، وكان الخليفة يتنزه فيه بين حين وآخر. وكان موضع جلوسه في إيوان المدرسة يطل على البستان من شباك في الايوان.

ساعة المستنصرية العجيبة

اشتهرت المدرسة بساعتها المائية العجيبة التي تمثل قمة في التقدم العلمي آنذاك وعلم الميكانيك والسوائل التي بلغها العلماء المسلمون آنذاك.

كانت الساعة عبارة عن منظومة من الاسطوانات والعتلات التي تتحرك بتجمع الماء ثم تفرغه ثم تتوالى الحركات الميكانيكية التي تتكرر كل ساعة بشكل دقيق. وكانت الأجزاء المتحركة من الداخل لا يراها أحد وتأتي حركتها بتنقيط الماء من خزان ليصب في اسطوانة محددة الحجم. وعند امتلائها وزيادة وزنها تنخفض إلى الأسفل ويفرغ ماؤها محركة معها عتلات تدفع البنــــــــــــــدقة نحو الخارج،  ثم تعود لمكانها بفعل نابض ، ثم تبدأ بالامتلاء التدريجي،  وهكذا تتكرر لأربع وعشرين ساعة .

أما الجزء الظاهري ، وكما يصفها ابن الفوطي، وجود لوحة دائرية رسمت عليهاا صورة الفلك ، ولها اثنتا عشر نافذة صغيرة تغلق وتفتح بباب خاص بها. وعند مضي ساعة من الزمن يقوم تمثلان لبازين من الذهب يلقي كل منهما بندقة (كرة) معدنية في طاستين من الذهب لتعلنان مرور ساعة من الوقت. ويصاحب تلك الحركة انفتاح باب من الأبواب في النوافذ. ولون الباب ذهبي وعندما ينفتح يصبه فضياً . وبذلك تعطي الساعة تنبيهاً بالصوت (رنة البندقة) وآخر بصرياً هو انفتاح الباب وتحول لونه، هذا في النهار. أما في الليل فتظهر صور أقمار في سماء لازوردية ، خلفها ضوء من مصباح للانارة ، يظهر كل قمر مع رنة البندقة. وهكذا تظهر الأقمار الاثنا عشر حتى اكتمال الليل وبدء الصباح. الجدير بالذكر أن البندقات بعد سقوطها في الطاسة تعود لمكانها السابق تنتظر دورها لتسقط عند مرور ساعة. أما صانع هذه الساعة المائية فهو علي بن تغلب بن أبي الضياء البعلي الأصل، البغدادي المولد والمنشأ، المعروف بابن الساعات ، نقلاً عن ابنه أحمد بن علي، بأن أباه هو الذي عمل الساعات المشهورة على باب المستنصرية ببغـــــــــداد ، لأنه كان مشتهراً بعلوم الفلك والنجوم والهيأة وصنع الساعات.

وأكد ابن الفوطي ذلك بقوله : وفيها (أي سنة 683هج/ 1284 م) توفي نور الدين علي بن تغلب الساعاتي، الذي كان يتولى الساعات التي تجــــــاه المستنصرية ، وكـــــانت سنة مولده 611 هج/ 1204 م.

وقد وصف أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي هذه الساعة فقال:

إيوان حسن وضعه مدهش                 يحار في منظره الناظرون تهدي إلى الطاعات ساعاته           الناس وبالنجم هم يهتدون

صور فيه فلك دائر والشمـــــــ       ـــــــــش تجري ما لها من سكون

دائرة من لازورد حكت                       نقطة تبر فيه سر مصون

فتلك في الشكل وهذي معاً                 كمثل هاء ركبت وسط نون وقد قام بديع الزمان أبي العز اسماعيل بن الرزاز الجزري ، صنفه سنة 603 هج/ 1206 م بعنوان (الكتاب الجامع بين العلم والعمل، النافع في صناعة الحيل) أو (كتاب في معرفة الحيل الهندسية) . وتوجد نسخة مخطوطة من الكتاب في خزانة متحف الفنون الجميلة بمدينة بوسطن بأمريكا. كما توجد نسخة مخطوطة في مكتبة أكسفورد.

   وقام الدكتور مصـــــــطفى جواد  1904-  1969  بنشر صورة خيالية للساعة المائية في مقال بعنوان (آثار بني العباس في العراق) وقال: أما ساعتها المائية العجيبة ، فقد استفرغت طاقتي في انتزاعها من ضمير التاريخ كلمات، وإحالة وصفها تصويراً يرسم تلك العظمة ويمثل تلك الصنعة.

واتذكر أن الأستاذ كامل الدباغ مقدم برنامج العلم للجميع ومدير عام مديرية الرعاية العلمية في وزارة الشباب قد أقام في السبعينات من القرن العشرين مسابقة علمية لصنع ساعة مائية مشابهة لساعة المستنصرية ، بعد أن وضع شروطها ومواصفاتها .

وقد تم صنع عدة ساعات اعتمدت الماء كطـــــــــاقة والعتلات  والمسننات  والاسطوانات  كأدوات للحركات  الميكانيكية المتزامنة والمتكررة كل ساعة.

مشاركة