المدرسة الشعبية العليا في الدنمرك

د. زهير ياسين شليبه

المدرسة الشعبية العليا من الأمور التي يشتهر بها الدَنمرك جنباً إلى جنب مع قصص كريستيان أندرسن التي قرأها معظمنا في الطفولة، وفلسفة سورين كيركَجاآرد، فضلاً عن الجبنة والزبدة التي لا يزال أغلب العرب يتناولونها في وجباتهم الصباحية. فما هي هذه التجربة الثقافية الإسكندنافية بامتياز؟

ترتبط هذه التجربة قبل كل شىء باسم الشاعر والمربي نيكولاي جرونتفيج (1783- 1872) الذي كرس حياته للتعليم الشعبي، وفتح أول مدرسة شعبية عليا عام 1844، التي يعتبرها الدَنمركيون أول مدرسة من هذا النوع في كل العالم. وكان جرونتفيج مهتماً بالبناء الروحي للجنود الدنمركيين إبان الحرب مع ألمانيا، وسعى إلى جمع خليط متنوع من الدَنمركيين الفلاحين والموظفين والأغنياء والفقراء من مختلف المهن والمستويات.

تعد الفولكه هويسكوله جزءاً من تاريخ الحركة الديمقراطية الدَنمركيه التي أدت إلى تأسيس البرلمان عام 1901 وإلى السماح للمرأة بحق التصويت عام 1915. واستمرت هذه التجربة بالتوسع فشملت جميع أنحاء الدَنمرك اليوم، وتأثرت بها السويد والنرويج. وتوجد في الدَنمرك المدرسة الشعبية العالمية العليا في مدينة هلسنجيور، ليس بعيداً عن قلعة هاملت لكرونبورج قريباً من السويد، وتأسست عام 1921 بمبادرة من بيتر ماينكه (1889- 1981)، وتستقبل الطلبة من كل أنحاء العالم، ولهذا فإن لغة التعليم هي الإنجليزية. ولا يوجد مثل هذا النوع من المدارس في أمريكا أو أوروبا باستثناء مدارس الكويكر البريطانية. والمدرسة الشعبية العليا الدَنمركيه لا تتطلب الامتحانات ولا تعد طلابها للعمل ولا تحدد أعمارهم، فهي مكان يحضر فيه الطلاب محاضراتهم في صفوفهم حسب رغباتهم. ولو نظرنا إلى المواد الدراسية منذ تأسيس المدرسة حتى اليوم لوجدناها تشمل التصوير والمسرح والرسم وتاريخ الدَنمرك والشرق الأوسط والحضارة العربية وشرق أوروبا وأفريقيا وأسيا، لتشمل اليوم موضوعات مثل الإسلام السياسي وتحديات اليابان والفكر الغربي والدراسات الهندية واللغة الإنجليزية بكل المستويات.

وتختلف الفولكه هويسكوله من حيث السكن، فمنها من توفره لطلابها ومنها من لا تقوم بذلك.

وقد يشعر المرء في الوهلة الأولى بأن هذه المدارس مضيعة للوقت، إلا أن الأمر ليس كذلك، فالإنسان بحاجة إلى فترة استرخاء والابتعاد عن عمله أو اختصاصه ومراجعة نفسه وتجاربه الشخصية، وإعطاء نفسه فرصة تجريب هوايات جديدة مثل الرياضة والتصوير والأعمال اليدوية، وأعتقد أن هذه المدارس يمكن أن تقدم المزيد في مجال العلاقات بين الشعوب بعيداً عن السياسة والأحقاد، كأن تجمع بين المسلم والبوذي والنصراني واليهودي في قاعة واحدة، حيث يتعلم الجميع عادات هذه الشعوب وتقاليدها وتاريخها وطريقتها في المأكل والمشرب والملبس.

فمن السهل أن يصاحب المرء أترابه من نفس الدين والقومية، ولكن من الأفضل أن يتعود على مرافقة الغرباء والنظر إليهم نظرة احترام والاطّلاع عليهم وسماع الرأي الآخر، بل ومحاولة تعلم لغاتهم، ويكفي هنا أن نتذكر الحديث النبوي الشريف” إذا عرفت لغة قوم أمنت شرهم”. وقد أكد لنا مدير المدرسة السابق السيد كريستوف كريستنسن في لقاء شخصي أجريناه معه على أهمية التفاهم بين الشعوب من أجل السلام ومنع الحروب، ويرى أن هذه المدرسة العالمية العليا يجب أن يكون لها فروع في كل بقاع العالم حيث تتوفر الفرصة لممثلي مختلف القوميات والأديان والأجيال والمهن للالتقاء هنا والتعلم من الآخرين.
ومن المؤسف أن هذه المدرسة العالمية ليست على علاقة وثيقة مع الطلبة العرب أو المؤسسات الثقافية العربية، ويقول السيد كريستوف “إن وجود مواطنين عرب هنا ضروري جداً، فنحن ندرس الحضارة العربية والإسلام ونتمنى أن يكون بيننا طلبة عرب لكي يعرفوا الآخرين بثقافتهم وتقاليدهم”.

وأكد على أن مؤسس المدرسة حاول أن يفتح مدرسة أممية في مصر أو في مكان آخر من الشرق الأوسط، إلا أنه لم يوفق في ذلك، ويرى بأنه لا توجد مدرسة شبيهة لهذه المدرسة العالمية في هذه المنطقة باستثناء مدرسة واحدة أسستها السيدة كاج نيلسِن في الضفة الغربية عام 1950، حيث جمعت العرب واليهود بعيداً عن السياسة.

هذا وتقدم البلديات الدَنمركيه والمنظمات الاجتماعية والسياسية وبعض المؤسسات الأخرى الدعم المادي لمدارس الفولكه هويسكوله والمنح الدراسية للطلبة. أما بالنسبة لفترات الدراسة فهي مختلفة، فهناك فصل لثمانية أسابيع وآخر لستة عشر أسبوعاً ويمكن تمديدها، إضافة إلى الدورات الصيفية التي يمكن أن تستمر أسبوعين أو ثلاثة أو أكثر.

ولا أعتقد أن الدول العربية يوجد فيها هذا النمط من التعليم والاسترخاء والراحة، وبرأيي أنها ضرورية بالنسبة للمواطنين العرب، فنحن بحاجة لتعلم سماع الرأي الآخر من أناس ينتمون إلى فئات أو قوميات وأديان ومهن وأجيال وطبقات أخرى مختلفة.
فهل يا ترى يستطيع الأستاذ الجامعي العربي أن يفترض نفسه طالباً يجلس جنباً إلى جنب مع من هو أصغر عمراً أو أقل منه علماً وتعليماً في قاعة واحدة؟ وهل يستطيع الطبيب أو الموظف الكبير أن يقيم علاقات اجتماعية بعيداً عن الرسميات والمراكز الاجتماعية؟
وأخيراً هل تعتقد عزيزي القارئ بأننا جميعاً وخاصة الموظفين منا نستطيع أن نقحم أنفسنا ونتعلم الرقص الشعبي أو الغناء إذا ما طلب منا؟ أعتقد أننا بحاجة ماسة إلى الاهتمام بالأمور الصغيرة في حياتنا اليومية بعيداً عن العمل ومشاكل العالم الكبيرة.

إنها فكرة… فهل تجد صداها في مجتمعاتنا العربية؟