
المخدّرات تستعبد الجسد وتميت الضمير – أسماء محمد مصطفى
تعدُّ المخدرات أكبرَ عدو للإنسان، فهي لا تدمر جسمه فقط وإنما تخرب عالمه الداخلي، بدءًا من تخريب كيمياء دماغه إذ تغرقه بمواد تعطيه شعوراً زائفاً بالمتعة، بعد أن تتداخل مع الناقلات العصبية فيه وتؤثر على مراكز المكافأة.
وبمرور الوقت مع كثرة التعاطي تسيطر المخدرات على الدماغ وتصبح حاجته الأولية، ما يفقد صاحبه التوازن والشعور بالمسؤولية ويجعله يتجاهل كل شيء آخر كالعمل والأسرة والصحة، فيهمل واجباته.
تعمل المخدرات على إضعاف مراكز القرار والتفكير المنطقي وضبط السلوك في الدماغ، ما يؤدي إلى بطء التفكير وضعف التركيز وتدمير الانتباه والذاكرة، كما تغيّر من شخصية الإنسان وتجعله سريع الغضب ومتقلب المزاج وعدوانياً ومائلاً إلى العزلة، إذ يبتعد عن محيطه الأسري والاجتماعي. كما أنّ المخدرات تُضعف ضمير المدمن وتغيّر شعوره بالقيم، فهي لا تخدر جسمه فقط وإنما شعوره بالذنب حيث يصبح أقل قدرة على رؤية الخطأ، ويبدأ بتبرير أي فعل للحصول على المادة المخدرة، متبعاً أساليب الكذب والتلاعب والخداع والخيانة وفقدان الثقة وإيذاء النفس والآخرين، كل ذلك في سبيل الاستمرار بالتعاطي.
ويؤدي الإدمان إلى فقدان الشخص القدرة على اتخاذ قرارات سليمة حتى في الجانب الأخلاقي، وهذا ما يجعله يقوم بسلوكيات منحرفة ومخالفة للقانون أو للقيم الاجتماعية والدينية.
جوهر مشكلة التعاطي أنّ المخدرات تشوّش التفكير، وتقلّل قدرة العقل على التمييز بين الصواب والخطأ، والتحكم بالرغبات. تتبلد مشاعر الإنسان، ويفقد تدريجياً القدرة على الشعور بالآخرين. فيصبح همه الأساسي الحصول على المادة المخدرة، مما يؤثر بشدة على صحته العقلية والجسدية وعلاقاته الأسرية والاجتماعية التي تتشوه وتسودها المشاكل بسببه. وتحول بعض أنواع المخدرات المدمن إلى نسخة لا تشبهه نهائياً، إذ يصبح مجرد كائن ممسوخ لا يمت للإنسان بصلة، بجسد أسير وعقل متبلد وضمير ميت.
لهذه الأسباب ولكثرة القصص الواقعية المخجلة والمحزنة عن المدمنين، تتصاعد الدعوات من أصحاب العقول والضمائر لمكافحة جريمة الإتجار بالمخدرات ومحاسبة المتاجرين والمتواطئين معهم حساباً عسيراً من غير أي رأفة بهم، لأنهم فاقدو الضمير بما يقومون به من إغراء الناس لاسيما الشباب بها أو دسها لهم بطرق متحايلة كثيرة لجذبهم إلى هاوية الإدمان. وهذا يجعلنا ننبه إلى أهمية الحذر في بعض التعاملات لتجنب الوقوع في شِباك المخادعين، وانتباه الأسرة إلى سلوك أفرادها ورصد أي تغيير فيه كي يكون بالإمكان محاصرة المشكلة وعلاجها في وقت مبكر قبل استفحالها وانفلاتها إلى مديات قد يصعب فيها السيطرة عليها. إلى جانب أهمية حث الجهود الحكومية على وضع خطة أمنية متكاملة للسيطرة على الموضوع. فالتقرير الرسمي للديناميات الإقليمية لتجارة المخدرات في العراق (2019–2023) الذي أعدّه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) يشير إلى أنّ العراق أصبح خلال السنوات الأخيرة نقطة محورية في شبكات تهريب المخدرات في الشرق الأوسط. فهو ليس سوقاً للاستهلاك فحسب، بل ممر عبور للمخدرات، ويُعد المنشطان الصناعيان (الكابتاجون والميثامفيتامين) إلى جانب الهيروين والحشيش الأكثر انتشاراً في المنطقة.
ويشير التقرير إلى أنّ الزيادة الهائلة في المخدرات المُصادَرة (آلاف الكيلوغرامات أو الأطنان) في مدة قصيرة تعني أنّ تجارة المخدرات تتنامى بسرعة، وأنّ التداخل بين تهريب المخدرات والجريمة المنظمة أو الجماعات المسلحة بضمنها الشبكات التي تظهر بعد النزاعات المسلحة مستغلة الفوضى والفراغ الأمني، يزيد من تعقيد معالجة المشكلة.
ويوصي التقرير الحكومة العراقية بتقوية الرقابة على المنافذ الحدودية عبر أنظمة تفتيش حديثة وتدوير الملاكات (للحد من التواطؤ مع المهربين)، ومكافحة الفساد كشرط أساسي لإيقاف التهريب، وتعزيز التعاون الدولي في تتبع شبكات التهريب العابر للحدود، وزيادة برامج العلاج والتأهيل، وتحسين قاعدة البيانات الوطنية حول التعاطي والمخدرات المصادرة وأماكن التوزيع.
خلاصة القول إذا لم تسعَ الحكومة والجهات المعنية إلى علاج المشكلة من جذورها، فإنها تتفاقم وتؤثر سلباً على الصحة العامة والأمن الاجتماعي، فيتحول العراق إلى بلد مُخَدَر في الكثير من النواحي أكثر مما هو عليه من جراء الفساد الحكومي.
















