المجر في أدب المجر

391

 

 

 

المجر في أدب المجر

محمد اسماعيل

يعشق القاص عبد الامير المجر، عذاب طفولته الذي يفغم حواسه، مثل نسيم عذب وموسيقى ساحرة، منطلقا منه الى فضاءات جمال بليغ، حبكه في قصص كما لو أنها على مستوى رفاه عيش الاباطرة والملوك.. إنه بهاء التماهي مع تفاصيل أحبها.. لم يخطئ إجتماعيا خلالها، لم يحنث بقسم ولم يرتكب فاحشة، وسط أناس لا هموم تشغلهم ولا قلق يتآكلهم بكآبته؛ لذلك يتمتع القارئ بمواكبة تفاصيل حياة طفل يعايشه طوال إحدى عشرة قصة قصيرة، ضمتها مجموعة “ما لا يتبقى للنسيان” للقاص عبد الامير المجر، التي إستعرض فيها طفولته وصباه في قرية تابعة لقضاء المجر في محافظة ميسان 360 كيلومتر.. جنوب العاصمة بغداد.

يوتوبيا عبد الامير المجر في قرية يتطامن أهلها مع الاسى في نوع من مازوشية فطرية نابعة من شعورهم بأن الضيم واقع ميداني مسلط عليهم كرامةً من رب رحيم، فإذا نغزت فردا بسلاية سعف مدببة تخترق أديم الجلد نافذة في اللحم حتى تشج العظم؛ وتأوه؛ يؤاخذ إجتماعيا: “يا جبان.. يا ضعيف.. يا أغم، ما تنذب وراك مخدة بين الزلم في الديوان”.

ادب القرية

قرويون متطامنون مع قدرهم، أفاد القاص عبد الامير المجر، من تلقائية بنيتهم السوسيولوجية، في قصص يمكن إخضاعها الى أدب القرية، بطمأنينة؛ لتمام إنطباق المصطلح.. بحثيا.. على ما جاء به المجر في هذه المجموعة.

غلف القاص عبد الامير المجر، المجموعة بصورة فوتوغرافية لمشحوف على صفحة هور “الصحين”.. المشحوف يحمل طفلا بيده مردي “المجذاف الخاص بالاهوار” بدا المشحوف كما لو يطير؛ نتيجة صفاء مياه هور “الصحين” مثل معرض ذي واجهة زجاجية.

حملت المجموعة الرقم 42 في سلسلة “سرد” الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة 2015 متضمنة احدى عشرة قصة قصيرة في مائة وإثنتين وعشرين صفحة من القطع المتوسط، ذيلت ببليوغرافيا عن عبد الامير المجر، الذي ولد في المجر الكبير 1962.

يتدارك الزمان والمكان في القصة الاولى “أنين الضفدعة” مؤطرا شخصية أمه بثوان تسبق وتلي الغروب وبالكوخ القصبي الذي يتفاعل مع شبح الام في مخيلة القاص المزحومة بنقيق الضفادع.

البطل وأخواه يخافان الوحشة التي يبعثها النقيق المسترسل من نشيج الام.. المعتاد في الجنوب، مع كل صفنة.. بسبب ومن دون سبب.. كأن النعي ومواويل البكاء طقس يومي، من قبل الام، بوجود الاب والابنين الاثنين، اللذين تفصح القصة في تتابعها الدرامي عن أخت لهما.. يلهون ثلاثتهم.. عند حلول العصر.. مع الاسماك.

في قصة “الثمن” تمتزج شخصية الموقوف بضابط التحقيق؛ فتتداعى الاحداث بمتعة يتمنى القارئ الا يفصلهما المجر، الذي يلخص إضاءة القصة بوفاء الطيور معه وهو يساق الى المحكمة لمقاضاته؛ جراء مطالبة بائع طيور بألف دولار؛ لإطلاقه طيرا وتلاشيه في وحدته العسكرية.. ومع كل تلك التداعيات لم ينفصم الضابط عن الموقوف، محققا جمال التلقي للقارئ.

“ما لا يتبقى للنسيان” دستور المهاجرين الجنوبيين الذين حلقوا في فضاءات بغداد، خضعوا لإشتراطاتها.. كل في ميدانه.. وظائفيا وجماليا وإجتماعيا، لكنهم ظلوا رهيني إنتمائهم القروي، مهما إرتقوا على مدارج التعليم والاسهام في صنع ثقافة العاصمة.

اسقاطات فائقة الجمال، في قصة “احلاف” بين السياسة الدولية والعلاقات الاجتماعية، لضابط شرطة ما زال رهين طفولته التي عاش فيها احلافا بينه وابن خالته ضد صبيان الحي، في كتل متعددة تتضاد معهم وفي ما بينها، من خلال سرد مشوق.. بليغ البساطة.

تأتي بلاغة البساطة من كون بطل القصة قروي نشأ في سحر المدينة الواقعي.. إنه عبد الامير المجر وسواه من قرويين تعلموا وتثقفوا في المدينة وارتقوا ناصية الرأي العام فيها.

يربط القاص المجر، الاحلاف الدولية المهولة عبر التاريخ، مجسدا الماضي بترميز موفق، من دون مزايدات وطنية، وهو يرى على الفضائيات، امه وخالته وكل من احبهم، مرعوبين ينهمرون مثل قطع اللحم في الثرامة.

أما “مسألة خلود” فإنموذج للقص المركب من واقع عبد الامير متداخلا مع بطل القصة المندغم أصلا بحياة مفترضة في رواية غائب طعمة فرمان “النخلة والجيران”.

إعتمدت قصة “مسألة خلود” على أجمل ما بلغته السينما الحديثة، وهو بناء السرد على الكركتر – الشخصية، وتعاقب الامكنة والازمنة داخل الشخصية.

مسألة خلود

لكن النهاية، الفقرة الاخيرة في قصة “مسألة خلود” تدل على تعب عبد الامير المجر، فـ “خبنها” لم يمهد للإنتقال من حلم مسترسل الى قطع في الحلم، كما لو ان شخصا نام في غرفة باردة، مظلمة واستيقظ على سطحها تحت صهد الشمس.

يتواصل قارئ مجموعة “ما لا يتبقى للنسيان” تاليف القاص عبد الامير المجر، مع المتعة، وهي تعود به الى فضاءات الريف، الذي ما زال يشد معظم الذين غادروه وإنتظموا في صف المدينة السائر بالتتابع نحو الإرتباط بعوالم جديدة عليهم، أعادت تشكيل شخصياتهم، بطريقة درامية، ذات سرد أجاد المجر سبكه في دراري من القص الجميل.

مشاركة