المجتمع والتحدي/الإستجابة والمثل الأعلى – محمد عبد الجبار الشبوط

251

 

 

 

 

حركة التاريخ بين توينبي والصدر

المجتمع والتحدي/الإستجابة والمثل الأعلى – محمد عبد الجبار الشبوط

ما الذي يحرك المجتمع باتجاه الحضارة والتقدم والتنمية؟

حاول كل من المؤرخ البريطاني توينبي والفيلسوف العراقي محمد باقر الصدر الاجابة عن هذا السؤال كل بطريقته.

توينبي قال ان “التحدي” سواء كان طبيعيا او بشريا هو الذي يدفع المجتمع الراكد الى “الاستجابة” لهذا التحدي.

اما الصدر فقد قال ان “المثل الاعلى” الذي يؤمن به المجتمع هو الذي يدفعه الى الحركة.

اختلف الصدر وتوينبي اختلافا كبيرا في منهجية البحث التي اوصلت كل واحد منهما الى فكرته. فقد كانت طريقة توينبي استقراء ودراسة 21 حضارة وتتبع لحظات نشوئها الاولى، الامر الذي ادى الى اكتشاف قانون التحدي والاستجابة.

اما الصدر فقد استنبط نظريته من القران الكريم، في سياق منهجية التفسير الموضوعي للقران حيث استخدم الايات القرانية في اكتشاف قانون المثل الاعلى. لكن الصدر لم يقم  بمطابقة نظريته  على الواقع التاريخي المعروف واكتفى بتحليل الايات القرانية  دون الرجوع الى الواقع.

وهذه ظاهرة معروفة في الثقافة الاسلامية، حيث يشتغل الباحث او الفقيه  على النص الديني (القران والاحاديث) دون  دراسة الواقع من خلال النصوص، دون “تنزيل النص على الواقع”.

محاولتنا في هذه المقال تسعى الى اكتشاف امكانية الجمع بين النظريتين بحيت تكمل احداهما الاخرى، واذا امكن التحقق من هذا الفرض واثباته، فسوف نذهب الى محاولة اكتشاف امكانية الاستفادة من النظريتين في الوضع المعاش للمجتمع العراقي في اللحظة التاريخية الراهنة.

التحدي والاستجابة

والسؤال هو: ما الذي يخلق هذه الحركة؟

درس توينبي حالة 66 حضارات انبثقت من الحياة البدائية مباشرة، و 15 حضارة نشأت من حضارات سابقة، وتوصل الى نفي ان يكون العنصر او الجنس race هو العامل المحرك، كما  نفى ان تكون البيئة هي العامل. فهذان العاملان المفترضان لم يقدما اي دليل عن سبب حدوث هذا التحول العظيم في التاريخ البشري. وقال: ان بدء الحضارات لم يكن نتيجة العوامل البيولوجية او البيئة الجغرافية، كل تعمل بمفردها، موضحا ان العامل الذي نبحث عنه ليس شيئا مفردا لكنه متعدد، وهو ليس وحدة، لكنه علاقة، التقاء، بين المجتمع وطرف اخر. وسوف نكتشف اهمية هذه الكلمة الاخيرة بعد قليل. بمعنى انه في لحظة ما، ولاي سبب كان، فان مجتمعا ما قد “يجابه في مجرى حياته مشكلات متعاقبة، وان ابراز كل مشكلة هو تحد باجتياز تجربة”، هذه المشكلة سوف تشكل “عاملا دخيلا” على المجتمع. “وظيفة العامل الدخيل، كما يقول توينبي، هي ان يوفر في ذلك (المجتمع) الذي يتدخل فيه محفزا من النوع الذي يكفل تماما استثارة اقوى التغييرات المبدعة”. سوف يطلق السيد محمد باقر الصدر اسم “المثل الاعلى” على هذا “العامل الدخيل” بمصطلح توينبي الذي قال:”ان الخلق وليد لقاء، وان بدء الحضارة هو حصيلة تفاعل”.

التفاعل مع من؟

يجيب  توينبي: “ان التفاعل بين التحديات والاستجابات هو العامل الذي يعتد به قبل كل شيء اخر لبدء الحضارات.”

واني اتفق مع هذا القول، لان الحضارة في نهاية المطاف هي نتيجة تفاعل بين عناصر “المركب الحضاري” الخمسة و التي يقف على راسها بطبيعة الحال الانسان. فالانسان يتفاعل مع الطبيعة في مقطع زمني معطى، وهذا التفاعل عبارة عن عمل، فعل، يستند الى شيء من العلم.

وقد يكون هذا التحدي طبيعيا بالنسبة للحضارات البكر، وبشريا بالنسبة للحضارات المنتسبة الى حضارة سابقة عليها.

بالنسبة للحالة الثانية، فقد يتعرض المجتمع المتحضر (اي غير البدائي) الى خطر الجمود بسبب فقدانه للقدرة الابداعية او “الطاقة الحرارية” (والمصطلح الاخير للسيد الصدر).

وحين تبدا الحضارة بفقدان طاقتها الخلاقة، لاي سبب، يدخل المجتمع في حالة ركود، ثم تاخر وتخلف.

عند ذاك تتشكل صورة المجتمع كما يلي:

اولا، اقلية مسيطرة مستبدة، لكنها عاجزة عن القيادة.

ثانيا، بروليتاريا (داخلية وخارجية) تستجيب لهذا التحدي بوساطة ادراكها بان لها نفسا خاصة بها وتعقد العزم على خلاص نفسها حية.

ثالثا، ويحصل الصراع بين الطرفين فيما تتجه الحضارة العليلة الى السقوط الى ان تشرف على الموت.

يعتبر توينبي ان انفصال البروليتاريا وصراعها مع الاقلية المستبدة هو “الفعل ذا القوة الدافعة الذي يتم استجابة للتحدي ثم التحول من حالة الركود الى حالة الحركة. وفي غمار هذا التفارق الدافع تتولد الحضارة المشتقة من الاولى”، موضحا ان قوة الحافز نحو الحضارة تزداد كلما ازدادت صعوبة التحدي.

يرى توينبي ان الشيء الوحيد الذي ينقذ المجتمع من الجمود والتفكك هو “انفصال البروليتاريا عن الاقلية المسيطرة”، وبالتالي “تنبعث حضارة جديدة بفعل انتقال المجتمع من حالة الركود الى الحركة الدافعة”، وهذا ينطبق على تحول المجتمعات البدائية الى الحضارة، وحركة المجتمع ذي الحضارة السابقة. وانني ارى ان فكرة توينبي هذه قريبة من الايات القرانية من سورة الزمر التي تقول:

“وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ”.

حيث تشير كلمة “الطاغوت” الى الطبقة المستبدة التي فقدت قدرتها الابداعية، وكلمة “اجتنبوا” تشير الى انفصال الاقلية الواعية عن الاقلية المستبدة، فيما تشير عبارة “يستمعون القول فيتبعون احسنه” الى مستوى الوعي العقلي المعرفي والعملي الذي تتحلى به الاقلية الواعية، التي استطاعت ان ترى الطريق الصحيح للخروج من المأزق التاريخي الذي وقع فيه المجتمع، واستئناف السير الحضاري التقدمي، بدلالة العبارة الختامية في الاية:”أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ”.

ولكن من اين يأتي للبروليتاريا الداخلية او الخارجية هذا الوعي المفارق للتبلد الحضاري الذي اصاب الاقلية المتسلطة؟

الصدر: المثل الاعلى

اذا كان توينبي انتهى من بحثه في حركة التاريخ الى اكتشاف قانون التحدي والاستجابة، فان الصدر بدأ بحثه  بالقول ان “الانسان او المحتوى الداخلي للانسان هو الاساس  لحركة التاريخ”. كما افترض  ان حركة التاريخ  عبارة عن “حركة هادفة لها علة غائية متطلعة الى المستقبل”. لكن المستقبل معدوم فعلا، اي في الواقع الخارجي، انما هو موجود  في  ذهن الانسان المتحرك.  وهذا الوجود الذهني للمستقبل في ذهن الانسان هو “الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ”.  ثم حلل الصدر الوجود الذهني للمستقبل فوجد انه ذو جانبان. جانب فكري يضم التصورات التي يملكها الذهن عن المستقبل،  وجانب الارادة او الطاقة  التي تحفز الانسان نحو هذا الهدف. “وبالامتزاج بين الفكر والارادة تتحقق فاعلية المستقبل”.  اطلق الصدر على هذين الامرين اسم “المحتوى الداخلي”  للانسان ، منتهيا الى القول  “المحتوى الداخلي للانسان هو اساس حركة التاريخ”. وقد استند الصدر في هذا الاستنتاج الى اية في القران تقول: “إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ “،  معتبراً ان عبارة “ما بأنفسهم” تشير الى المحتوى الداخلي للقوم او المجتمع،  (ربما بنفس ما يعنيه دور كايم بمصطلح “الوجدان الشعبي”)،  وعبارة “ما بقوم” تعني  الاوضاع والظواهر الخارجية العلوية للمجتمع. وان تغيير الثانية لا يتم الا بتغيير الاولى. وكأن الصدر استبدل مقولتي ماركس حول وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج بعبارتي ما بانفسهم و ما بقوم، على التوالي. ثم يواصل الصدر حفرياته في مفهوم المحتوى الداخلي، ليبحث في “اساس المحتوى الداخلي” للانسان، ويتساءل: ما هي نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي؟ والجواب هو: المثل الاعلى. ماهو المثل الاعلى؟ هو وجهة النظر الرئيسية التي يؤمن بها الانسان (او الجماعة البشرية، او المجتمع) وتحدد هدفه الاعلى في الحياة. وهنا يصبح من السهل ان نتوقع ان المجتمعات البشرية قد تشهد وجهات نظر مختلفة بشأن المثل الاعلى لها، وقد تتعدد تبعا لذلك المُثل العليا التي تحرك المجتمعات نحو مستقبلها. ثم “بقدر ما يكون المثل الاعلى للجماعة البشرية صالحا وعاليا وممتدا تكون الغايات صالحة وممتدة”، والعكس بالعكس، “بقدر ما يكون هذا المثل الاعلى محدودا او منخفضا تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة ايضا”. فلكل حركة تاريخية مثلها الاعلى.

وبمواصلة تحليل المثل العليا ذكر الصدر ان هناك ثلاثة اقسام او انواع او مستويات للمثل العليا وهي:

اولا، المثل الاعلى الذي يستمد تصوراته من الواقع، بحيث يكون الواقع هو منشأ انتزاع المثل الاعلى. وهذا هو المثل الاعلى التكراري، الذي يصنع حركة تكرارية للجماعة البشرية ما يعني ان الجماعة البشرية تعيد انتاج نفسها دون ان تخطو الى الامام. انها متجمدة في الواقع وان بدت لنفسها انها متحركة. انها لا تملك فائض قيمة تستثمره في تطوير ذاتها.

ثانيا، المثل الاعلى المحدود، وهو يمثل هدفا يغطي مدى محدودا من المستقبل. ويمد المجتمع بطاقة حركية على قدره، بحيث يستطيع ان يحقق انجازا نسبيا يتناسب مع الهدف،  ومتى ما وصل المجتمع الى هذا الهدف تحول المثل الاعلى الى النوع الاول اي المثل الاعلى التكراري.

ثالثا، الهدف الاعلى المطلق،  وهو الله، عند السيد الصدر. وقد استخرج الصدر مصطلح “المثل الاعلى” من القران الكريم، حيث ورد مرتين؛ المرة الاولى في سورة النحل الاية 60 “لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”، والمرة الثانية في سورة الروم الاية 27 “وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”.

وقد خص القران الكريم هذا المصطلح بالله سبحانه وتعالى وحده،  والمستفاد منه قرانيا  كما يقول السيد محمد حسين الطباطائي: “إن كل وصف كمالي يمثل به شيء في السماوات و الأرض كالحياة و القدرة و العلم و الملك و الجود و الكرم و العظمة و الكبرياء و غيرها فلله سبحانه أعلى ذلك الوصف و أرفعها من مرتبة تلك الموجودات المحدودة كما قال: «و لله الأسماء الحسنى»: الأعراف: 180.

“و ذلك أن كل وصف من أوصاف الكمال اتصف به شيء مما في السماوات و الأرض فله في حد نفسه ما يقابله فإنه مما أفاضه الله عليه و هو في نفسه خال عنه فالحي منها ميت في ذاته و القادر منها عاجز في ذاته و لذلك كان الوصف فيها محدودا مقيدا بشيء دون شيء و حال دون حال، و هكذا فالعلم فيها مثلا ليس مطلقا غير محدود بل محدود مخلوط بالجهل بما وراءه و كذلك الحياة و القدرة و الملك و العظمة و غيرها.

“و الله سبحانه هو المفيض لهذه الصفات من فضله و الذي له من معنى هذه الصفات مطلق غير محدود و صرف غير مخلوط فلا جهل في مقابل علمه و لا ممات يقابل حياته و هكذا فله سبحانه من كل صفة يتصف به الموجودات السماوية و الأرضية – و هي صفات غير ممحضة و لا مطلقة – ما هو أعلاها أي مطلقها و محضها.

“فكل صفة توجد فيه تعالى و في غيره من المخلوقات، فالذي فيه أعلاها و أفضلها و الذي في غيره مفضول بالنسبة إلى ما عنده.

“و لما كانت الإعادة متصفة بالهون إذا قيس إلى الإنشاء فيما عند الخلق فهو عنده تعالى أهون أي هون محض غير مخلوط بصعوبة و مشقة بخلاف ما عندنا معاشر الخلق و لا يلزم منه أن يكون في الإنشاء صعوبة و مشقة عليه تعالى لأن المشقة و الصعوبة في الفعل تتبع قدرة الفاعل بالتعاكس فكلما قلت القدرة كثرت المشقة و كلما كثرت قلت حتى إذا كانت القدرة غير متناهية انعدمت المشقة من رأس، و قدرته تعالى غير متناهية فلا يشق عليه فعل أصلا و هو المستفاد من قوله: «إن الله على كل شيء قدير» فإن القدرة إذا جاز تعلقها بكل شيء لم تكن إلا غير متناهية فافهم ذلك.

“و قوله: «و له المثل الأعلى في السماوات و الأرض» تقدم أنه في مقام الحجة بالنسبة إلى قوله: «و هو أهون عليه» و محصله أن كل صفة كمالية يتصف به شيء مما في السماوات و الأرض من جمال أو جلال فإن لله سبحانه أعلاها أي مطلقها من غير تقييد و محضها من غير شوب و صرفها من غير خلط”.(الميزان، ج16 ص 175).

مثل اعلى

بنى السيد الصدر رؤيته للمثل الاعلى المطلق، اي الله، على الاية القرانية التالية:”يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ”.  وقال ان هذه الاية “تضع الله هدفا اعلى للانسان”  وان الكلمة المفتاحية في الاية هي “لقاء” الله. وهنا يلتقي الصدر تماما مع توينبي الذي قال ان  خلق الحضارة  نتيجة “لقاء”،  او هل نقول ان توينبي  اخذ فكرة اللقاء من القران؟! وانطلاقا من هذه الاية طرح الصدر الافكار التالية:

اولا،  ان الله ليس موجودا في الذهن، انما في الواقع،  على عكس  الاهداف الوضعية التي يتخذها الانسان مثلا عليا له وتشكل الوجود الذهني للمستقبل الدي يسعى الى  الوصول اليه وتحقيقه. نحن هنا نتعامل مع وجود حقيقي واقعي موجود خارج الذهن، وليس مجرد وجود ذهني، متخيّل.

ثانيا، صحيح ان الله موجود حقيقي، لكنه موجود غير مادي، فكيف  يتحقق اللقاء به؟  وهذا هو نفس السؤال الذي نطرحه على الصدر حين يتحدث عن الله بوصفه الطرف الرابع في  العلاقة الرباعية التي يتكون منها المجتمع. كيف يكون الله طرفا رابعا في علاقة اطرافها الاخرى موجودات مادية هي الارض والانسان واخوه الانسان؟

ربما نجد الجواب في فهم الصدر للايات القرانية التالية:

“مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.”

“الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ? لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “.

حيث نجد الصدر يقول: ان” … سبيل الله هو التعبير التجريدي عن السبيل لخدمة الانسان ؛ لأن كل عمل من اجل الله فإنما هو من أجل عباد الله ؛ لأن الله هو الغني عن عباده ، ولمّا كان الإله الحق فوق أي حدٍّ وتخصيصٍ لا قرابة له لفئة ولا تحيز له إلى جهةٍ ، كان سبيله دائماً يعادل من الوجهة العملية سبيل الإنسانية جمعاء ، فالعمل في سبيل الله ومن أجل الله هو العمل من أجل الناس ولخير الناس جميعاً … “

خلافة الانسان

ونجد الصدر يتحدث بنفس الطريقة وهو يشرح معنى “خلافة الانسان في الارض” وهو المصطلح الذي جعله اسم العلم للعلاقة الرباعية حيث يقول:”ان الخلافة الربانية للجماعة البشرية” توفر الفرص الحقيقية للنمو، و”النمو الحقيقي” هو “ان يحقق الانسان الخليفة على الارض في ذاته تلك القيم التي يؤمن بتوحيدها في الله” حيث تكون “صفات الله واخلاقه” مثل العدل والعلم والقوة والرحمة الخ “هي مؤشرات للسلوك في مجتمع الخلافة”، ثم يعزز الصدر رأيه هذا بالحديث النبوي:”تشبهوا باخلاق الله”. وهكذا نصل الى مفهوم “القيم الحافة بالمركب الحضاري”، وهي القيم التي تشكل مؤشرات عليا لسلوك الانسان في تعامله مع الانسان والارض والزمن والعلم والعمل.

وبذلك يكون “لقاء الله” تعبيرا مجازيا عن تجسيد المجتمع البشري لصفات الله في مسيرته الحضارية.

ثالثا، يلاحظ الصدر، انطلاقا من الاية نفسها، “ان الانسانية  “بمجموعها تكدح نحو الله” شارحا الكدح بانه “السير المستمر المقرون بالمعاناة وبالجهد وبالمجاهدة”، وهذا ما قال به توينبي ايضا، كما تقدم.

رابعا،  ولما كانت الاية تخاطب “الانسان” مطلقا،  بصيغة الخبر وليس الانشاء، الامر الذي يعني ان الانسانية متلبسة في ظاهرة تاريخية اسمها السير الكادح الى الله،  بالمعنى القيمي الذي شرحناه، فان الصدر يمضي الى القول تبعا لذلك “ان كل سير وتقدم للانسان  في مسيرته التاريخية الطويلة الامد،  فهو تقدم وسير نحو الله”، “كل تقدم هو تقدم نحو الله”. وهذا يشمل حتى “المشركين”، مع التمييز بين التقدم المسؤول والتقدم غير المسؤول.

خامسا، ويقرر الصدر ان المسيرة التاريخية نحو الله ارتقائية وتكاملية وتصاعدية. ان البشرية تتكامل بمرور الزمن. ويغدو التاريخ عبارة عن تحرك الانسان في المكان والزمان صوب هدف منظور وهو “لقاء الله”، اي تكامل الانسان.  وقد اثبت الواقع الموضوعي صحة هذا القول. فالانسانية، بمجموعها، في  حالة تقدم وتكامل وتطور مستمر. وقد اعتبر الصدر هذا  قانونا تاريخيا من النوع الثالث، اي الاتجاه التاريخي العام.

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: ماذا بشأن من لا يؤمن بالله؟  هل يتعذر انخراطه في  مسيرة الانسانية نحو تكاملها؟ والجواب حسب رؤية الصدر: لا توجد مشكلة،  طالما اتخذ هذا الانسان القيم العليا المطلقة مؤشرات لسلوكه، لان هذه القيم العليا المطلقة مشتقة من صفات الله، امن هذا الفرد بالله ام لم يؤمن. السائر بين الناس بالعدل (وهذه من صفات الله)، اقرب الى الله من  السائر بظلم الانسان. فالعبرة هنا بمؤشر السلوك، عدلا او ظلما. ما عدا ذلك، فان الله يحكم بين الناس يوم القيامة.

والسؤال الاخير:

ايهما يحرك الانسان:  قانون التحدي والاستجابة، ام  قانون المثل الاعلى؟

كلاهما، لانهما وجهان لامر واحد. المثل الاعلى تحدي  يواجه الانسان، يلتقيه في حركته الحضارية، وعليه ان  يستجيب لهذا التحدي بفعل يناسبه. واذا كانت التحديات انواعا شتى، فان القيم الحضارية العليا هي اصعب تحد يواجه الانسان. وحين يلتقي الانسان بهذه القيم بصيغتها المطلقة، فان ذلك سوف يفجر في الانسان طاقة حركية حضارية لا تخبو،  تضع الانسان على طريق النمو والتكامل الذي لا حد له ولا نهاية.

{ اعلامي وكاتب عراقي

مشاركة