المتقاعدون ورحلة العمر إلى السراب – احمد القيسي

194

المتقاعدون ورحلة العمر إلى السراب – احمد القيسي

في أحدى دول الإتحاد الإنساني دعاني صديق صحفي  لحضور ندوة  تخص المتقاعدين ..

أعجز أن أصف لكم  كيف بدت الصورة كما هي :

 دخلنا المكان كان أنيقاً  نظيفا جميلا حضاريا هادئا ..

 التفتّ إلى صديقي متعجّبا أتساءل –  واو- ما أجمل هذا المكان ؟ كان ثمة من حضر .. آخرون يتقاطرون –  صالة مسرح صغير يقبع عليه بيانومغطى بمخمل أسود وثمة بوفيه لتقديم القهوة  بعض المشروبات و الوجبات البسيطة ..

أبهرتني شياكة الحاضرين – كبار سن لكنهم أنيقون بشكل ملفت للنظر – يتبادلون عبارات وربما طرف  ويضحكون بكل ما في الطفولة من انشراح  براءة  وعفوية ..  تذكرت أننا في بلادنا نضرب المثل في بسيط وساذج الملابس على أنها ( زي متقاعدين ) ..حيث شعور الجميع منهم يعتبر نفسه أشبه بقطار خلق قديم وصل آخر محطة قبع هناك حيث لم يعد صالحا إلا لاتحاف الناظرين..

هناك نهض أحد الحضور بيده أوراق – اعتلى المسرح –  كان منسق اوعريف اللقاء  – رحب بالحاضرين ومن تخلف لسبب حتى أنه  مال بنظرته نحونا  ليرحب بنا كضيفين  بإيماءة من رأسه وبسمة جعلت البعض يمد عنقه تجاهنا  ..  كان المنظر رائعا –  مبتسمون أنيقون يضعون وردات في صدورهم  والبعض فراشات في ياقات  قمصانهم – صعد المسرح شخص يلقبونه الأستاذ اندسّ خلف البيانو.. كشف له العريف غطاء البيانوجلس وانحنى  ليعزف مقطوعة افتتاحية جميلة صفق لها الحاضرون بعدما تمايلوا معها تفاعل استئناس وطرب

نبهني صديقي من شدة انغماس مشاعري في ذلك العالم المدهش الذي لا نتخيله في بلاد ألف ليلة وليلة  التي لم يتبق منها  ولا ليلة أنس مذ صوّح دجلتها و بعدما  تلاشت نجومها وعسّ نهاراتها  شبح  طوفان الغمام القادم من خلف الاسوار .. نعم فعلا أنا مبهور .. ينطبق على مصطلح الشارع الدارج (ما شايف ) .. نعم فعلا ما شايف – قد تتساءلون ماذا..؟

ما شايف – ( متقاعدين ) –  بكل هذه الوسامة الأناقة  وجميل الثياب وانشراح  الروحية –  ما وقعت عينيّ  على أحدهم إلا ابتسم ابتسامة  وداعة أمل قناعة  أدب رضا  وحب حياة …  نعم  (والله ما شايف ) –  قاعة بهذا الديكور الملون المزركش – بناء حداثي الطراز فيه كل مستلزمات التحضر – يضم حديقة  وادعة خضراء  فيها  أجمل أنواع الورود  مقاعد أراجيح مظلات  ( لا تشبهها إلا حديقة مديرية تقاعدنا ) الكالحة المتهالكة المتقاعدة هي أيضا . ..الخ.

طلبات جديدة

هنا حضر اجتماعهم مندوبان أحدهما  من البرلمان والآخر من الحكومة لغرض تسجيل وتوثيق  دراسة  طلباتهم الجديدة ..  نعم هم يطالبون بتحسين أوضاعهم كل حين حيث يشعرون انهم يستحقون الأكثر – فلا بد من مكاسب جديدة تضاف الى رصيدهم كل مدة لمواكبة الزمن ..

فبينما يراجع متقاعدونا في لفح السموم دون ظل ماء اوحتى يجد من يسمعه ربما ليس سوى زاجر أوناه أوهارٍّ متنمّر – لا يحتاجون الى حتى مراجعة حيث لديهم من يمثلهم واذا كان ثمة طلب خاص يتم عبر دائرة الكترونية اوهاتف ليس هناك دائرة تقاعد يتكدس عندها المتعبون الذي أعطوا الزمن اجمل سني حياتهم وأفنوها وسط دوائر اومصانع أوشتى الاعمال ..  رواتبهم تنزل تلقائيا في حساتهم شهريا بانتظام لا يبطأ ولا يخضع لمزاج  أوسطوة  متسلط أوناشط  مسلح  أوصاحب جاه ..

يمنح المتقاعدون هناك سنويا مبالغ كل تحت عنوان  بدل سفر اواستجمام –

هناك جهات سياحية البعض منها حتى أهلي متضامن ومقدر يحترم خدماتهم وتاريخ العطاء –  تقدم لهم خدمات سفر بتكاليف رمزية إكراما لهم ,,

المواصلات المحلية وبعض دول الإتحاد مثل الباصات السفن وخدمات الزوارق المحلية  والقطارات الدولية السريعة هي  برسوم رمزية هم وعوائلهم .. يبعثون لهم سنويا بأنواط تقديرية وأوسمة مجانية تكريما لهم ..

الكثير من الخدمات تقدم لهم  دون مقابل أغلب الأحيان   مثل السينما  المسرح والأوركسترا..

ألحلاقة بسعر مخفض مع أنها أهلية ..

 وهناك موظفون يقدمون خدمات حسب حاجة المتقاعد الكبير السن اوالعاجز  منها الاهتمام به صحيا نفسيا وتسليته والتنزه به في مرافق سياحية استجماما وترويحا .. الخ .. يا الروعة والإنسانية والجمال ..

ويال النكد والضياع والإحباط – عندنا –

أشعر بالخجل بالانزعاج بالغليان  بالغثيان حين أسمع مشاكل ومقاساة و استغاثات متقاعدينا الذين يصطفون طوابير تعب إشفاق و ذل وابتذال كبرياء ومهانة وسحق كرامة  تحت حر الشموس وزمهرير البرد – وعدم الاهتمام وزجر الموظفين الطارئين على الأعراف القيم القوانين وحتى الإنسانية أشبه بشحاذي الغربة والابتذال في عوالم . لا يدعي أحد كذبا أن ذلك يتم دون علم أورضاء المسؤولين – فهذا الطين من ذاك العجين .. أليس كلكم راع و…؟

وأيم الوطن لقد سمعت قصصاً لا تليق حتى بالأفلام التراجيدية والبوليسية –  قصص غبن وتلاعب حرب اعصاب امتهان وسرقات واختلاسات وإذلال – أهكذا تعاملون الناس الذين أطعموا لنيران الزمن أضلاع سنيّهم  ولمطحنة العصر أروع وردات أعمارهم .. أيها القابضون الرابضون على صدور المتعبين .. ويلكم من الزمن وغضب الجبار ..

اضابير مختفية

حدثني البعض عن أضابير لمتقاعدين اختفت صنعوا لهم  تكرما بدائل مؤقتة وأقنعهم البعض بقبول بدائل مبالغ رمزية  من حقوقهم مقابل سكوتهم وإلا فلا . حيث عند من تشتكي وعلى من ..؟

في زمن تحالف فيه الشرطي والسارق وصمت بعض  العدل..

عراقيل وصعوبات ومراجعات تصل حد اليأس والكفر تنتهي بهامس يقول لك الحل عند ( الحجّي ) ..!؟ ..

وأين تجد هذا  (الحجّي الذي يحمل شجرة الخلود ويوزع صكوك الغفران ).. ؟   وحيث تسمع بالحجي ولن تستطيع النظر الى وجهه الكريم إلا من وراء حجب – حيث لكل حجّي  ممثلون  ونوّاب  ووسطاء يتعامل وعبرهم يتفاعل .. وكثيرا ما أُعطيت مبالغ  من أجل مسك رأس خيط في تلك  الأحجية المرتبكة ( الوشيعة المخلبصة ) –  انصاف  غبن وإحقاق حق ولكن – لكم  ضاعت هي والمستحقات مهب الريح  .. دون أن تستطيع  أن تنبس بحرف  ففلحجي رجال صدقوا الحجي ما عاهدوه عليه يستطيعون إخفاءك خلف الشمس –  حيث يقال لك ببرود مفتعل –  ومن نصحك بالتعامل مع جهات مجهولة ؟!  ومن أن أبواب الدائرة المعنية  مشرعة لكل صاحب حاجة ومطلب وحق وكلنا اضغاء لخدمة المواطن ..

وقد يركب بعضهم بغلة الوطنية ويتهمك بخرق القوانين واعطاء الرشوة ..!

أتساءل – لماذا  والى متى نتعامل مع شريحة تعبت وقضت عمرها بخدمة الوطن بكل هذه الوحشية والقسوة والغلظة والجفوة الحرام التي لا تتقبلها أخلاق ولا قوانين و لا قيم ..؟ علما أن هناك غيرهم يقبضون عشرات الملايين دون تعب اوخدمة اوعناء من أبناء الحظوة .. كل من سمع بمظلوميات المتقاعدين ولم يحرك ساكنا هوشريك أوشيطان أخرس محاسب أمام  الضمير القانون الحق الإلهي يوم التغابن ..

ماذا لونطق رجل الدولة المعمم البرلماني السياسي – أن المتقاعد كأبيه وعمّه ..؟

فاتقوا الله يا أُولى الضمائر لعلكم تنصفون ..

مشاركة