المبعوثان‭.. ‬التركيب‭ ‬والتفكيك

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

سيقترب‭ ‬الملفان‭ ‬السوري‭ ‬والعراقي‭ ‬اقتراباً‭ ‬شديداً‭ ‬وعملياً‭ ‬بعد‭  ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬من‭ ‬تطورات‭ ‬سريعة‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬وعر‭ ‬ومعقد‭ ‬لإعادة‭ ‬ضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬كمفهوم‭ ‬جامع‭ ‬والخصوصيات‭ ‬القومية‭ ‬ذات‭ ‬الأدوار‭ ‬المحددة‭ ‬محليا‭ ‬ودوليا‭.‬

هناك‭ ‬مبعوثان‭ ‬رئاسيان‭ ‬امريكيان‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق،‭ ‬يعملان‭ ‬مع‭ ‬الجهد‭ ‬الرسمي‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬وضع‭ ‬بلدين‭ ‬متجاورين،‭ ‬نخرتهما‭ ‬أنواع‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭. ‬المبعوثان‭ ‬يتحركان‭ ‬استنادا‭ ‬الى‭ ‬الخارطة‭ ‬السياسية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬الإدارة‭ ‬الامريكية،‭ ‬ليس‭ ‬لمرحلة‭ ‬الرئاسة‭ ‬الترامبية‭ ‬فقط،‭ ‬فما‭ ‬يجري‭ ‬بناؤه‭ ‬مستمر‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬الإدارات‭ ‬المقبلة،‭ ‬وانّ‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬تسويف‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬مرحلة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬ليتم‭ ‬المناورة‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬جديد‭ ‬مقبل‭. ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬تركيب‭ ‬خرائط‭ ‬داخلية‭ ‬في‭ ‬البلدين‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التفكيك‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬المفاهيم‭ ‬والفكر‭ ‬السياسي‭ ‬والدعوات‭ ‬ذات‭ ‬النزعات‭ ‬الشعبوية‭ ‬والشمولية‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬القومية‭.‬

‭ ‬هنا‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬القراءة‭ ‬السياسية‭ ‬استعادة‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬والعودة‭ ‬الى‭ ‬اعتبار‭ ‬الجميع‭ ‬مواطنين‭ ‬سوريين،‭ ‬و‭ ‬ان‭ ‬الثروات‭ ‬عائدة‭ ‬لمفهوم‭ ‬الدخل‭ ‬العام‭ ‬للبلد،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يكون‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أمام‭ ‬مسؤوليات‭ ‬جسيمة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬الذي‭ ‬تهشم‭ ‬بمعاول‭ ‬الدعوات‭ ‬الدينية‭ ‬او‭ ‬القومية‭ ‬طوال‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬شاذة‭ ‬مرّت‭ ‬بها‭ ‬سوريا،‭ ‬كما‭ ‬مرّ‭ ‬بها‭ ‬العراق‭ ‬أيضا‭ ‬بدرجات‭ ‬مختلفة‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬سيرتبط‭ ‬بتطورات‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مع‭ ‬مباشرة‭ ‬مبعوث‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬مهامه‭ ‬وقيل‭  ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬أربيل‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬متزامن‭ ‬مع‭ ‬مهمة‭ ‬“انجزها‭ ‬ولم‭ ‬ينجزها‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الأطراف‭ ‬الكردية‭ ‬مبعوث‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬الى‭ ‬سوريا‭.‬

‭ ‬المبعوثان‭ ‬الرئاسيان‭ ‬الامريكيان‭ ‬يكمل‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض‭. ‬وستدفع‭ ‬الاحداث‭ ‬المقبلة‭ ‬الى‭ ‬تنسيق‭ ‬مهماتهما‭ ‬التي‭ ‬ستتشابه‭ ‬كثيرا‭ ‬مع‭ ‬حل‭ ‬الملفات‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬ملبدة‭ ‬بالاتهامات‭ ‬والتخوين‭ ‬والغدر‭. ‬هناك‭ ‬مهمات‭ ‬متصلة‭ ‬ومتداخلة‭ ‬لكنها‭ ‬ذات‭ ‬اختصاصات‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭.‬

المبعوث‭ ‬الرئاسي‭ ‬مارك‭ ‬سافايا‭ ‬اجتمع‭ ‬الى‭ ‬وزير‭ ‬الحرب‭ ‬وزار‭ ‬الخزانة‭ ‬الامريكية‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يتوجه‭ ‬الى‭ ‬العراق،‭ ‬وهناك‭ ‬استنفار‭ ‬سياسي‭ ‬لدى‭ ‬اقطاب‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬بغداد‭.‬

في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬تصورات‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬الامر‭ ‬الواقع،‭ ‬إذ‭ ‬نشأت‭ ‬تحت‭ ‬مفهوم‭ ‬البلد‭ ‬الموحد‭ ‬مراكز‭ ‬قوى‭ ‬لإقطاعيات‭ ‬مالية‭ ‬واقتصادية‭ ‬جرى‭ ‬توظيفها‭ ‬سياسياً‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬ومع‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬تضارب‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الامريكية‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

المبعوثان‭ ‬الامريكيان‭ ‬براك‭ ‬وسافايا،‭ ‬يعملان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وظيفة‭ ‬تنفيذ‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬تركيب‭ ‬بلدين‭ ‬متجاوزين‭ ‬مفاهيم‭ ‬ترك‭ ‬الحبل‭ ‬على‭ ‬الغارب‭ ‬وتفكيك‭ ‬السلطات‭ ‬السياسية‭ ‬الموحدة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬رأس‭ ‬جسر‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬قنطرة‭ ‬عبور‭ ‬أو‭ ‬انها‭ ‬نفق‭ ‬لاجتياز‭ ‬اختناقات‭.‬

سوريا‭ ‬يعاد‭ ‬تركيبها‭ ‬جغرافياً،‭ ‬والعراق‭ ‬موحد‭ ‬شكلاً‭ ‬ومفكك‭ ‬الارادات‭ ‬والمفاهيم‭ ‬ويعيش‭ ‬في‭ ‬فوضى‭ ‬اقطاعيات‭ ‬فساد‭ ‬الجميع‭ ‬ينكرها‭ ‬وهم‭ ‬غارقون‭ ‬أو‭ ‬خائضون‭ ‬في‭ ‬مستنقعاتها،‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬غريبة‭ ‬راكدة‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬حلها‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية

‭ ‬