المبادرة – هشام بدران
بايجاز سريع، البلاد واهلها ليسوا على ما يرام، و نحن من ازمة الى ازمة، و بين كل ازمة و اخرى مقدمة لأزمة. اعتقد اننا افرغنا في انفسنا و الخلق الكثير من التنظير، وسكبنا مواد التاريخ على بعضها، نعيش الحاضر و الماضي و المستقبل مجتمعة.
قال البرلمان، نفت الحكومة، صادقت الرئاسة، حثت الولايات المتحدة، ردت ايران، نحن مع من ؟ مع سوريا ام ضدها؟ مع الخليج ام هو لم ولن يهوانا؟ مع المواطن ام مع الحزبي منه ام مع مثيلي الطائفي؟
اين المسيحيون و المندائيون مما جرى و يجري؟
هل حسمنا خصوماتنا المؤجلة بيننا وبين انفسنا، وبيننا و بين مكونات باقي العراق؟ ما معنى ان يتصدى اعلامي لتوزيع المياه ونحن لا نكلف نفسنا عناء الذهاب الى تركيا لنطلب ماءنا؟ الم ينته ملف الكويت وملف ايران؟ هل هذا وعد الله لنا؟ ايكون التغيير نحو الافضل ام نحو متاهة تعصف بالارواح و الاجساد والحالي والقادم؟ هل المواطن بطاقة انتخاب ليس اكثر ليفوز بتعيين ؟ هل الحزبية الانتخابية هي جنة العراق التي لا بد من ان تظلنا بظلها اليوم فلا ظل الا ظلها؟
اين المبادرة؟ عشر سنوات يمحو فيها كل قادم ارث الذي سبقه، يحير الناس فيه و يحيرونه.. من المسؤول عن دمانا التي سالت و ستسيل؟ ربما سنريمها على الله كما تعودنا و نعتقد انه امتحان، حتى ليبدو ان الخالق ليس له الا العراق في الارض . ربما نحن الاكثر الان خزينا لكتب الرسالة السمحاء، لكننا نؤطرها ضمن خزين التاريخ.. ربما نمن على الناس بأننا اول من علم بعد الله بالقلم، لكن اقلامنا بايد لابد لها من محو امية.. هيجنا العشائرية وعصابيتها ولم نحرك تقاليدها الاجتماعية.. نفخنا في نار الطائفية فتقاتلنا وانتهبنا بعضنا البعض وهجرنا وتهاجرنا.. اجتمعنا فشكلنا شيئا وتفرقنا نريد هدم كل شئ.
شماعتنا جاهزة للتعليق، نحب الاشياء في السلطة ونحاربها خارج السلطة..
نحن لسنا فقط اكبر مستهلك للورق، بل مسرفون في الحروف، لا ندري ماذا نريد، و ان ندري نتحرك بشكل غريب للهدف. نبكي على علي بن ابي طالب، لكن مسلكه في الرعية غائب.
تنهمر دموعنا على ابي عبدالله و نلعن قاتليه، لكن انموذج يزيد يزدهر.
نعاني الكأبة في كل مفاصل الحياة، من البيت الى البيت، نفكر كثيرا بالموت و لا ندري هل اعطينا الحياة حقها، ان لم يكن لنا، فلمن نقود، لمن اختارونا، او نحن جعلناهم يختاروننا.؟
كلما تكلمنا نقول، الاستبدال والتبدل التغيير، لا يأتي بيوم او يومين، صحيح، لكن اين القواعد التي ستبنى عليها علامات التبدل؟
الان تبدلت خارطة الاتهامات، ايام الحقبة السابقة كان البيت يسبى ان قيل او كتب ان احد ابنائه من الدعوة، او من جماعة الحكيم، او في حزب كردي، اي بيشمركة، او يصلي خلف السيد الفلاني.
اليوم يسقط الفرد ان ارادوا سقوطه بالاستبدال، فقط قل هو بعثي او من القاعدة، و دع الشائعة تأكل .
اين المبادرة؟
لقد تبدلت الدنيا من حولنا، اعلم ان كثيرين لا يهمهم الامر، فلا خوف عليهم من عوز او حصانة، فالجيوب والحسابات والاقامات والجنسيات الاجنبية في اماكنها تنتظر الاحبة للعودة.
اما اصحاب الاسنان التي اذابها شاي الحصة و التموينية، اصحاب الملابس التي تشبه لون التراب، العجائز اللائي لبسن السواد و لبسهن السواد، عليهم بكميات اكبر من مورفين الصبر، و التمسك، والتعفف، والسكوت، والاحترام، وتحمل الحر، و الطين، فالقبر ليست مشكلتك ان مت، انما يحير بك من يحير..
اين المبادرة؟
اين الحدود في كل شئ يا اصحاب الالقاب الرسمية والعائلية؟ اترضون ان نعيش ثلاث حروب خارجية واخرى داخلية؟
نريد بلادا كباقي بلاد الله، وحياة منحها الله، وميتة اعتيادية يكون بعدها ما يرحمنا فيه الله في حسابه وعتابه.. كفى تلاعبا بجينات كل شئ، كفى تعليقا للاخطاء على غائب او حاضر، انتم لا تعلمون ما تريدون، لقد تاكلت الاشياء من حولنا، فبتنا مستهلكين لكل شئ، ولا نقبل بشئ، تضخمت امراضنا وبات اكثرنا يصدق كذبه وكذب غيره، نفصل الاشياء والناس لا على الاهواء والامزجة، بل وفق موجات جنونا الصامت..
احيانا كثيرة ينتابني شعور مفزع بأننا اصبحنا متحولين من اناس يسيرون على طريق، الى اناس هم انفسهم الطريق، طريق موحش يشبه تيه بني اسرائيل.



















