الماركسيون العرب يعانون من فقر فكري ولا سيما بعد تطبيقات الدولة البيروقراطية الأوامرية الاستبدادية

344

الماركسيون العرب يعانون من فقر فكري ولا سيما بعد تطبيقات الدولة البيروقراطية الأوامرية الاستبدادية
يوسف سلمان ازدرى المثقفين ووصفهم بالفراشات العاهرة لأنهم يفتقرون إلى الانضباط
حوار يوسف محسن مع الدكتور عبدالحسين شعبان
تاريخ يوسف سلمان يوسف فهد الفكري والسياسي لم تتم دراسته ضمن التاريخ الوطني العراقي، بالرغم من أنّه يشكّل الحيّز الحيوي من تاريخ الفكر السياسي العراقي، وأقصد هنا دراسة يوسف سلمان يوسف من وجهة نظر نقدية متحررّة من القراءة الحزبية التقريضية، وإخضاع مشروعه إلى التفحص النقدي وتجاوز التصنيفات التي وضعته كما يشير إلى ذلك د كاظم حبيب وزهدي الداوودي، حب وتقديس يوسف سلمان يوسف بسبب دوره التأسيسي للحزب الشيوعي العراقي والطريقة التي استشهد بها، إضافة إلى الصيغة التي عملت بها الشيوعية العالمية والعربية في تحويل الزعماء السياسيين المؤسسين إلى المخيال الأسطوري، والتصنيف الثاني هو الحقد والكراهية والتشويه الذي تعرضت له شخصية يوسف سلمان يوسف من أشخاص انتقلوا من المؤسسة الشيوعية العراقية إلى صف المناوئين، إضافة إلى كتابات أولئك الذين يختلفون معه فكريا وسياسيا ويعدونه عدوًّا طبقيا لهم.
إن موضوع المراجعات والتي نعمل عليها تقوم على أساس الالتزام العقلي والأخلاقي لجهود الأشخاص والمؤسسين والرعيل الأول في نقل الأفكار العالمية ودمج العراق في الحداثة، وفي هذا الجزء نناقش الماركسية العراقية وأعمال يوسف سلمان يوسف التي لم تقدّم أي شكل من أشكال المعرفة السياسية، وإنما قدّم في اغلب أعماله الفكرية معرفة بالسياسة الفاعلة البراكسيس وبقيت الماركسية العراقية التي يظهر فيها العراق كمنطقة رمادية غامضة، تابعا إلى إنتاج المعرفة من المركز السوفيتي، والتي تعدّ الماركسية اللينينية الستالينية والتي وصلت إلى العراق، وهي تأويل قومي روسي للماركسية الكونية، نسخة غير قابلة للجدل والقراءة والحوار، نسخة مقدسة تحوّلت وظيفتها من أداة للمعرفة إلى وظيفة آيديولوجية تتمثل في إضفاء الشرعية على المصالح الإستراتيجية للإمبراطورية السوفيتية ومدرسة كادحي الشرق وجهاز الكومنترون إلى توابع لهذه الإمبراطورية.
من المفارقات أن الماركسية في العراق حاولت الاستنبات في مجتمع بلا طبقات اجتماعية أو صراع طبقات و أنما مجتمع اللا مجتمع ملل، طوائف، أثنيات، قوميات هل هنا يكمن الضعف البنيوي للماركسية بنسختها العراقية؟
لقد ظلّ الماركسيون ولاسيما في منطقتنا العربية يعانون من فقر فكري وشحّ نظري، ولاسيما بعد تطبيقات الدولة البيروقراطية الأوامرية الاستبدادية وساد الكسل والترهّل في أوساطهم، فضلاً على ضعف المبادرة لدرجة الجمود أحياناً وانتظار تعليمات المركز الأممي، وفي خضم تلك الصورة السائدة ضاع ماركسيون مجتهدون وناقدون ومجددون حقيقيون، في حين استقوت الماركسية الطقوسية والمدرسية والمسلكية والأوامرية والذرائعية، بالجهاز الحزبي البيروقراطي والجهازالأمني في ظل الأحزاب الحاكمة، وفي ظروف العمل السري في الأحزاب غير الحاكمة، التي شهد بعضها إن لم يكن غالبيتها الساحقة تصفيات داخلية وعزل وتهميش واتهامات ما أنزل الله لها من سلطان، وقد توقّفتُ عند هذه الظاهرة عربياً فذكرت أمثلة نافذة، مثلما قارنتها بالحركة الشيوعية كونياً، وذلك في كتابي تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف .
تربة العراق صالحة للماركسية
الماركسية من حيث الجوهر فكرة حداثية تعنى بدراسة الظواهر وتحليل الأوضاع ونقدها، وتلك وظيفة المثقف الماركسي بالأساس، الذي عليه استخدام المنهج الجدلي ودراسة المجتمعات البشرية بتنوّعها، مع أخذ ظروف كل مجتمع وتشكيلاته الاجتماعية وطبقاته وقومياته وأديانه وفئاته وسلالاته ولغاته وعشائره وغير ذلك، من فسيفساء متنوّعة وتعددية ثقافية. لم يتم استنبات الماركسية في غير بيئتها. التربة العراقية كانت ولا زالت صالحة لوجود تيار ماركسي نقدي وضعي، كان نواته حسين الرحّال ومحمود أحمد السيد وعبد الفتاح ابراهيم ونوري روفائيل وفهد وزكي خيري وعبد القادر اسماعيل وقاسم حسن وغيرهم. وإذا لم يكن في المجتمع العراقي وجود للطبقات، لكن الاستغلال كان قائماً وتتحد والحالة هذه المهمات الوطنية، بالمهمات الاجتماعية، فطرد المستعمر البريطاني والمطالبة بإلغاء الاتفاقيات الاسترقاقية، المذلّة والمجحفة، والدعوة لمساواة المرأة بالرجل والمطالبة برفع المستوى المعيشي، لاسيما للفقراء، من فلاحين وشغيلة وتحسين ظروف العمل والتخلص من ظلم الاقطاع وإطلاق الحريات ونشر التعليم والمطالبة بالصرف الصحي وبناء مستوصفات ومستشفيات والقضاء على البطالة والأمية، كلها عبارة عن تداخل الوطني بالاجتماعي. ولعل وجود هذه المطالب على رأس قائمة الحركة الشيوعية المطلبية هو جزء من النضال المتشعّب في مرحلة التحرر الوطني، لكن ذلك لا يعني إهمال وجود مِلَل ونِحل وأديان وطوائف وإثنيات وقوميات وعشائر وقبائل، الأمر الذي لم يخلق ضعفاً أو فقراً بقدر ما كان عنصر قوة وإثراء، ولذلك سترى هذه الفئات المختلفة، لاسيما المحرومة منها مكانها الطبيعي في الحركة الشيوعية المدافعة عنها وعن عموم الشعب إذا ما انتهجت سياسة صحيحة، سواءً بالمطالب الوطنية أم المطالب الاجتماعية، وسيكون الدفاع عن الحقوق والمساواة والحريات والعدالة الاجتماعية هو دفاع عن الفئات المحرومة أو المضطهدة أم التي يجري التمييز بحقها جميعها، سواءً كانت على أساس ديني أم مذهبي أم طائفي أم قومي أم جنسي أم لغوي أو اجتماعي أو ثقافي أم لأي سبب آخر.
استقالة الفكر التنويري
ما هي العوامل البنيوية التي جعلت اليسار العراقي بصورة خاصة والعربي بصورة عامة يستقيل عن دوره التنويري؟
وقد كان هذا الأمر واضحاً ومبرّزاً في الأربعينات والخمسينات وإلى حدود معيّنة في الستينات، لكن اليسار العراقي والعربي استقال عن دوره التنويري والتعبوي، لاسيما في تمثيل الفئات المحرومة والتعبير عن تطلعاتها، فأحتله الآخرون، سواءً كان من القوميين أم الإسلاميين في وقت لاحق. تصوّر أن مدينة الثورة التي بناها الزعيم عبد الكريم قاسم كانت معقلاً للشيوعيين وقاومت انقلاب 8 شباط الدموي العام 1963 الذي حمل حزب البعث إلى السلطة، إلاّ أنها تحوّلت تدريجياً وفي غفلة من الزمن إلى نقيض ذلك، لاسيما بعد أن اشتغل عليها الانقلابيون الجدد الذين جاءوا إلى السلطة مرّة ثانية في 17 تموز يوليو 1968، وكانت تنظّم فيها ندوات تحت عنوان أنت تسأل والحزب يجيب وتم تقديم مغريات لاستقطاب الكثير من قطاعاتها، لاسيما مع تحسن الوضع الاقتصادي وفرص العمل، ولاسيما في السبعينيات مع محاولات للتأثير الفكري والآيديولوجي المصحوب بالقمع البوليسي والارهاب المنظّم، فأصبحت مدينة الثورة تسمّى مدينة صدام، حيث احتفلت بيوم زيارته لها ورفعت سيارته فوق الرؤوس وكانت تحتفل بذلك سنوياً. لكن الخريطة السياسية تبدّلت في مدة الحرب العراقية الإيرانية تدريجياً حيث بدأت التوابيت تتقاطر على المدينة بدلاً من بعض الامتيازات والإغراءات، وتدريجياً ظهر تيار رافض، حتى اكتسبت المدينة شكلاً وملمحاً جديداً أساسه صعود الحركة الدينية الإسلامية الشيعية، وكان من الطبيعي أن يتم استبدال اسمها إلى مدينة الصدر بعد الاحتلال والإطاحة بنظام صدام حسين، لاسيما وأن النظام الدكتاتوري الشمولي كان قد استبدلها من مدينة الثورة إلى مدينة صدام .
والموقف ذاته ينسحب على العمل في الأوساط الدينية، التي كانت في سنوات الأربعينات والخمسينات قاعدة ينتقي منها الحزب الشيوعي عدداً من النشطاء ويزّجهم في النضال الوطني والاجتماعي، لكن الأمر تغيّر بسبب ظروف موضوعية مثل الإرهاب والقمع الذي تعرّض له الشيوعيون وظروف ذاتية مثل النكوص عن دورنا وأمور تتعلق برؤيتنا، وإذا بها تتحول إلى نواة وبؤرة للتيارات الاسلامية، ولاسيما لحزب الدعوة، وللأحزاب الإسلامية لاحقاً،.
تنصيصات
هل استطاع يوسف سلمان يوسف فهد تعريب، تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية؟ و تقديم قراءه متحررة للماركسية؟
لقد ظلّ الماركسيون ولاسيما في منطقتنا العربية يعانون من فقر فكري وشحّ نظري، ولاسيما بعد تطبيقات الدولة البيروقراطية الأوامرية الاستبدادية وساد الكسل والترهّل في أوساطهم، فضلاً على ضعف المبادرة لدرجة الجمود أحياناً وانتظار تعليمات المركز الأممي، الماركسية أولاً وقبل كل شيء منهج وأداة للتحليل، وتعاليمها ليست سرمدية أو ثابتة أو غير قابلة للتغيير، لاسيما للتجديد والتطوير، بل هي تتطور مع تطور الواقع والعلم واكتشافاته.
جدل في إشكالية تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية؟
قال د عبد الحسين شعبان ان فهد استطاع ضمن المتوفر له من كتب ومطالعات ودراسة حزبية في مدرسة كادحي الشرق في موسكو 1939 1941 وجولات قبل ذلك ومشاركات في الكومنترن 1935 قراءة الوضع السياسي والاجتماعي في العراق في ضوء المنهج، واستخدم معرفته لتحليل طبيعة المجتمع العراقي، من خلال رؤية عراقية وإن خضعت للسائد من الأفكار. وبالطبع فإنه لم يكن مفكراً ولم يكن أكاديمياً، لكنه كان مناضلاً كبيراً وقائداً سياسياً شجاعاً ومجتهداً، وليس بالضرورة أن يكون القائد مفكرا . وأضاف في حوار مع مشروع مراجعات في الفكر العراقي الحديث إن فهد كان يمتلك حلماً كبيراً أسمه تحرير العراق وسيره نحو الإشتراكية، لاسيما بوجود الاتحاد السوفيتي محرر الشعوب وأبو البروليتاريا العالمية ستالين ، كما كان يُطلق عليه ولم يكن لديه تصورات واضحة عن الاشتراكية وهو ما عكسته مؤلفاته، كما لم توجد لديه ضمن العقلية الستالينية السائدة أية إشارة سلبية على التطبيقات الاشتراكية، سواءً خلال مدة الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها، واتسمت صحافة الحزب والكراريس التي كان يصدرها على محدوديتها، بالتمجيد والإشادة بدور الجيش الأحمر وتضحياته.
كان فهد يمتلك حلماً كبيراً إسمه تحرير العراق وسيره نحو الإشتراكية، لاسيما بوجود الاتحاد السوفيتي محرر الشعوب وأبو البروليتاريا العالمية ستالين ، كما كان يُطلق عليه ولم يكن لديه تصورات واضحة عن الاشتراكية وهو ما عكسته مؤلفاته، كما لم توجد لديه ضمن العقلية الستالينية السائدة أية إشارة سلبية على التطبيقات الاشتراكية، سواءً خلال مدة الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها، واتسمت صحافة الحزب والكراريس التي كان يصدرها على محدوديتها، بالتمجيد والاشادة بدور الجيش الأحمر وتضحياته.
تعريق النسخة السوفيتية
هل استطاع يوسف سلمان يوسف فهد تعريب، تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية؟ و تقديم قراءه متحررة للماركسية؟
استطاع فهد ضمن المتوفر له من كتب ومطالعات ودراسة حزبية في مدرسة كادحي الشرق في موسكو 1939 1941 وجولات قبل ذلك ومشاركات في الكومنترن 1935 قراءة الوضع السياسي والاجتماعي في العراق في ضوء المنهج، واستخدم معرفته لتحليل طبيعة المجتمع العراقي، من خلال رؤية عراقية وإن خضعت للسائد من الأفكار. وبالطبع فإنه لم يكن مفكراً ولم يكن أكاديمياً، لكنه كان مناضلاً كبيراً وقائداً سياسياً شجاعاً ومجتهداً، وليس بالضرورة أن يكون القائد مفكراً، فجيفارا كان بطلاً وقائداً مقداماً وجورج حبش وياسر عرفات كانا قائدين كبيرين وكان الملاّ مصطفى البارزاني زعيماً كردياً كبيراً، وشعلان أبو الجون والشيخ الخالصي والشيخ الضاري وكامل الجادرجي ومحمد مهدي كبّه وسلام عادل الذين كانوا قادة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، في حين جمع غاندي بين الفكر والقيادة مثلما هو نيلسون مانديلا ومثلهما لينين وماوتسي تونغ وهوشيه منه ومحمد باقر الصدر والإمام الخميني وغرامشي. لعل المفكر الخالص بمعنى انصرافه للفكر بالدرجة الأساسية هو من أمثال طه حسين وعلي الوردي وعبد العزيز الدوري، وجون بول سارتر وميشيل فوكو وهابرماز وجواد علي والياس مرقص وياسين الحافظ ومحمد عابد الجابري وأراكون ونصر حامد أبو زيد ومحمود أمين العالم وحسين مروّة وغيرهم، وإن كان لكل منهم مشروعه الخاص. وقد لا تجتمع صفة القائد والمناضل مع صفة المفكر والباحث لكن القائد هو الذي بإمكانه الاستفادة ممن حوله من المفكرين والباحثين وتسخير طاقاتهم وكفاءاتهم لخدمة مشروعه السياسي، لاسيما بمشاركتهم وإقناعهم في الوقت الذي كانت النظرة إلى الدين في الوسط الشيوعي سلبية، فقد دعا فهد لاحترام الأديان والطقوس والشعائر الدينية، وطلب من الرفاق في السجن دراسة القرآن والاحتكاك برجال الدين ومحاورتهم بروح إيجابية. وإذا كان فهد لم يقرأ الماركسية من مصادرها كما أعتقد، لكنه قرأ ما كُتب عنها في تلك المدة التي هيمن عليها الفكر الستاليني، وإذا توخيّنا الدقة أكثر فيمكن القول أن فهد قد لا يكون تبحّر في الماركسية بحكم مهماته النضالية والمسلكية اليومية، لكنه بحسّه الثوري وسليقته الإنسانية وشجاعته، حاول ونجح إلى حدود غير قليلة في تكييف بعض قواعدها لكي تكون منسجمة مع الواقع العراقي، وتلك لعمري براعة وخلقاً وإبداعاً لا يمكن نكرانـه.
فهم مشوش وغامض
من خلال قراءتكم أعمال يوسف سلمان يوسف، ما هو تصوره عن الاشتراكية، الماركسية، هل لدية صور واضحة؟ أو فهم مشوش وغامض عن الأفكار؟
كان فهد يمتلك حلماً كبيراً إسمه تحرير العراق وسيره نحو الإشتراكية، لاسيما بوجود الاتحاد السوفيتي محرر الشعوب وأبو البروليتاريا العالمية ستالين ، كما كان يُطلق عليه ولم يكن لديه تصورات واضحة عن الاشتراكية وهو ما عكسته مؤلفاته، كما لم توجد لديه ضمن العقلية الستالينية السائدة أية إشارة سلبية على التطبيقات الاشـــــــــتراكية، سواءً خلال مدة الحـــــرب العالمية الثانية أو ما بعدها، واتسمت صحافة الحزب والكراريس التي كان يصدرها على محدوديتها، بالتمجيد والاشادة بدور الجيش الأحمر وتضحياته.
لعل انقسام العالم إلى معسكرين معسكر الفاشية والنازية، وجبهة التحالف المعادية لهما ولاسيما بعد انضمام الاتحاد السوفييتي إليها في حزيران 1941 قد لعب دوراً في الانحياز والاصطفاف المسبق. لقد كان فهد واعياً لدور قوى التحالف المعادي للفاشية، لاسيما بانضمام الاتحاد السوفيتي، ولذلك ركّز جهود الحزب خلال تلك المدة في فضح النازية والفاشية فكرياً وسياسياً مبيّناً خطرها على الشعوب، بما فيها العربية. وبحكم إلتقاطه للحلقة المركزية في النضال فقد خفّض من نبرة العداء لبريطانيا، على الرغم من تأييده لحركة رشيد عالي الكيلاني المعروفة ثورة مايس ايار العام 1941 لكن ذلك كان قبل انضمام الاتحاد السوفييتي إلى التحالف المعادي للفاشية.
وبهذا المعنى فقد كان فهد كقائد ومثقف قادراً على تحديد الحلقة المركزية واخضاع بقية الحلقات إليها وبالانتقال بتكتيكات مرنة لتغيير المواقع تبعاً لتغيّر المواقف، فقد كانت أطروحاته متقدمة وجريئة وواقعية وبرغماتية في الآن ذاته بالرغم من بساطتها، ولكن ينبغي أخذها ضمن سياقها التاريخي والثقافة السائدة آنذاك، لاسيما بخصوص الشأن العراقي، دون محاولة إضفاء أبعاد فلسفية أو تنظيرية عليها، لأن مثل تلك الأبعاد تحتاج إلى خلفية فكرية لم يكن فهد يمتلكها بحكم ثقافته ومصادرها المحدودة، إضافة إلى أنه طغى عليها الإسلوب التربوي أو المدرسي، لكن ذلك يعكس في الوقت نفسه قدرته وحيويته على فهم المجتمع العراقي وخصوصياته، فضلاً على مستوى الرفاق الذين ينتمون إلى الحركة آنذاك والذين هم بحاجة إلى أسلوب مبسط لكي يلامس عقولهم ويدخل إلى شغاف قلوبهم، وهو ما حصل للعشرات، بل للمئات الذين انضموا إلى الحزب الشيوعي، عبر شعارات بسيطة، لكنها واقعية فضلاً على شعبيتها وحتى شعبويتها أحياناً، ناهيكم عن صدقية المُثل والقيم التي تمت الدعوة إليها، ولاسيما التي تم تجسيدها عبر شخصيات كارزمية مثل فهد ورفاقه الأوائل.
مقت للمثقفين
هناك مقت شديد يمارسه يوسف سلمان يوسف ضد المثقف الافندي هل يستمد هذا المقت والكراهية من التقاليد اللينينية الستالينية لكون هولاء يفتقدون الى الضبط الحديدي الذي تحتاجه الاحزاب السياسية وخاصة في العمل السري؟
تذكر بعض المصادر ان بعض الافندية في الحزب طالبوا يوسف سلمان يوسف بعقد مؤتمر ديمقراطي وصفهم بالفراشات العاهرة حيث قال ان تعشقهم للديمقراطية وحرية العمل والتفكير والتصرف يشبة تعشق تلك الفراشات العاهرة التي تنتقل من مستنقع الى اخر .
القيادة الحديدية هذه ليوسف سلمان يوسف، لماذا اوجد ارضا خصبة في العراق، هل تعود الى طبيعة الثقافة السياسية في المجتمع العراقي؟
لعل الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني عدم وجود سلبيات أو نواقص لدى قيادة فهد، فقد كانت احدى نقاط ضعفه الأساسية هي نظرته السلبية إلى المثقف وهي امتداد لنظرة لينين ذاته، وفيما بعد نظرة ستالين الاستصغارية أيضاً، إضافة إلى تجربته العملية غير المشجعة، لدرجة أخذ يزدري المثقفين ويشعر بالضيق إزاءهم، ولعل هذا حصل مع العديد منهم داخل الحزب وخارجه، من عبد الفتاح إبراهيم إلى ذو النون أيوب إلى داود الصايغ إلى زكي خيري وإلى غيرهم، وهي النظرة التي إستلهمها هادي العلوي في موقفه من المثقفين، في حديثه عن الأغيار الأربعة، وهم الحكّام والمثقفون والرأسمالية والاستعمار. وقد عبّر عن ذلك في بياناته المشاعية في التسعينيات حين يقول المثقفون مأخوذون بالخساسات الثلاثة ويجعلونها من صميم العمل الثقافي، وبعد أن يتهمهم بالرخاوة حسب لينين يحدد الخساسات بالمال والسلطة والجنس. وكان ضيق صدر فهد من المثقفين يستند إلى 1 مطالبتهم له بعقد مؤتمر للحزب 2 اعتراضهم على قيادته، لاسيما تفرّده بالقرارات 3 حدّته في التعاطي مع النقد 4 اعتقاده أن المثقف سريع العطب وليبرالي، في حين كان هو يبحث عن ضبط حديدي يحتاج له العمل السري، انطلاقاً من كتاب لينين ما العمل؟ الذي صدر في العام 1903، ولذلك ورد في تثقيفه، لاسيما في كتاب حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية ردّاً على سؤال الرفيق رياض ما يحقّر المثقفين ويزدريهم ويطلق عليهم لقب الأفندية، بل ويطلق عليه وصف الفراشات العاهرة التي تنتقل من مستنقع إلى آخر، وذلك في نقده للفكرة الديمقراطية والمطالبة بحرية العمل والفكر، ولعل هذه الفكرة الازدرائية ليست خاطئة فحسب، بل تمثل قصور نظر، فحتى الاشتراكية لا يمكن تحقيقها بطريق آخر غير الديمقراطية، لأنها حسب لينين نظرياً على الأقل ستصل إلى استنتاجات رجعية وخرقاء. وقد كان هادي العلوي يكرر ما يذهب إليه فهد عن شيوعية الأفندية والأفندي تعني باللغة التركية السيد الكبير. وعلى الرغم من أن زكي خيري كان من ضحايا هذه النزعة السلبية إزاء المثقفين، من جانب فهد الذي كان ينتقص من موقعه القيادي، الاّ أنه هو الآخر حمل فيروس العداء للمثقفين أيضاً، الذي لولاهم لما استطاع الحزب أن يتوسع ويمتد إلى الأوساط العمالية والفلاحية وعموم الشعب.
المثاقفة مع الفكر الغربي
ألم ترى معي ان الماركسية التي وصلت الى العالم العربي بشكل عام و العراق بشكل خاص نسخة حسين الرحال ويوسف سلمان يوسف والتي تمثل القاعدة الايديولوجية لفكر الطبقة العاملة، لم تكن تعبر عن محتوى طبقي، وانما كانت نتاجا للمثاقفة مع الثقافة الغربية؟
من قال أن الماركسية تنظر إلى النضال الاجتماعي بوصفه نضالاًَ طبقياً حسب، وإنما هو نضال وطني أيضاً، لاسيما في مرحلة ما يطلق عليه الثورة الوطنية الديمقراطية التي تنتصب أمامها مهمات ديمقراطية، يتداخل فيها الاجتماعي والوطني، وهي مهمات انتقالية أساسية للتحوّل الاشتراكي. قد يكون حسين الرحّال بثقافته الماركسية وإطلاعه على ثورة سبارتاكوس 1919 في ألمانيا وإتقانه التركية والألمانية إضافة إلى الانكليزية ساعدته في تعزيز قراءاته، وهو بتوجهاته أقرب إلى المثاقفة، لاسيما إطلالاته على ماركس وانجلز ودعوته المبكّرة إلى تحرير المرأة ومشاركته في الحوار الدائر حول السفور والحجاب، لكن قيادة فهد كانت نسخة عراقية من الثقافة الماركسية السائدة بحدودها الدنيا في الثلاثينات، لاسيما بعد أن ترجم خالد بكداش البيان الشيوعي ولم تُظهر دراساته في مدرسة كادحي الشرق سوى الاطلاع على أسس الاقتصاد بالطبعة الستالينية ومبادئ اللينينية التي وضعها ستالين، واهتمام كبير بكتاب لينين ما العمل؟ وفيه ردود على المارتوفية، والتشدد باتجاه الضبط الحديدي البروليتاري.
ان ماركسية يوسف سلمان يوسف تقع في سوء استعمال الكليات العلمية للماركسية حيث تعمم النتائج المعرفية والسياسية على المجتمع العراقي حبث تم اختراع الطبقات الاجتماعية ارستقراطية برجوازية برجوازية صغيرة بروليتارية ماهو قولك؟
وأظن أن أطروحات فهد تلك كانت جديدة على المجتمع العراقي، وأبدع فهد في تكييفها للظروف العراقية، حتى الأمثلة التي كان يضربها لتفسير الديالكتيك كانت بسيطة ومن واقع المجتمع، وتردد على لسانه أكثر من مرّة منارة سوق الغزل وسوق هرج والباسورك وهو نوع المكسّرات المشهورة آنذاك ، وكانت جريدة القاعدة تنقل حياة الناس وما يدور بأسلوب مبسّط وقابل على الفهم بالنسبة لبسطاء الناس، الذين استطاع جذبهم، على الرغم من الانشقاقات والانقسامات التي سادت مدة قيادته. وفي محاولة اضفاء تقسيمات طبقية على المجتمع العراقي، تحدث فهد عن أرستقراطية وكومبرادور وبرجوازية وسطى وبرجوازية صغيرة وبروليتاريا، وهي تصنيفات غير دقيقة آنذاك في حين أن أهم المنشآت الكبرى عهد ذاك كانت في النفط والميناء والسكك الحديدية، في مجتمع شبه إقطاعي يحتاج إلى نشوء وتنمية البرجوازية الوطنية ودعم الصناعات والمنتجات المحلية لكي تستقيم، وعلى الرغم من أنه رفع شعاراً صحيحاً قووا تنظيم حزبكم.. قووا تنظيم الحركة الوطنية ، الاّ أن اتجاهاً انعزالياً ساد آنذاك في الموقف من الكتل والتنظيمات الماركسية، سواءً التي انشقت عن الحزب أو كوّنت لها تنظيمات خاصة مثل حزب الشعب بقيادة عزيز شريف أو حزب الاتحاد الوطني بقيادة عبد الفتاح ابراهيم، وهذا الموقف الاستعلائي انسحب على تنظيم الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي، وكذلك الموقف السلبي من حزب الاستقلال القومي العربي بقيادة محمد مهدي كبّه. لعل النهج الستاليني الإقصائي واحتدام الصراع خلال الحرب العالمية الثانية وسرّية العمل، دفعت إلى مثل هذه التوجهات التي تركت تأثيراتها على مجمل عمل الحزب في إطار ثقافة الأفضليات وتحريم وتجريم، بل وحتى تخوين الآخر في لحظة الاختلاف، ونتذكّر لاحقاً حديث جماعة القاعدة عن راية الشغيلة راية البلاط ومعظمهم سجناء يقضون أحكاماً ثقيلة خلف القضبان. وكانت قيادة فهد والقيادات التي من بعده أخشى ما تخشاه هو استقلالية الرأي والتفكير الحر، وهذا ينطبق إلى حدود كبيرة على تعامل فهد مع المثقفين الشيوعيين عهد ذاك، وهي النزعة التي تمسكت بها الأحزاب الشمولية جميعها سواءً كانت قومية بما فيها حزب البعث أو إسلامية، وكلّها يمكن اعتبارها أحزاب لينينية بطبعة ستالين خصوصاً إزاء الرأي الآخر وقواعد الضبط والصرامة.
/6/2012 Issue 4229 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4229 التاريخ 19»6»2012
AZP07