المؤلف المسرحي عبد السادة جبار :أردنا أن نعلو بقاماتنا فوق الفقر والتغييب والواقع الإجتماعي

المؤلف المسرحي عبد السادة جبار :أردنا أن نعلو بقاماتنا فوق الفقر والتغييب والواقع الإجتماعي

 

قاسم ماضي

 

ديترويت

 

هذا الهاجس الذي بناه الكاتب والمخرج المسرحي وهو مؤسس فرقة الحضارة في مدينة الثورة كان يسبقنا في تجربته المسرحية كونه أكبر سنا منا وعلى الرغم من كل الظروف العصيبة التي مرت عليه وعلى قطاع واسع من المشتغلين بفضاء المسرح إلا انه ظل مخلصا ً لتجربته وفنه التقيته مؤخرا ً وكان معه هذا الحوار :

 

{ كيف كانت بواكير تجربتك المسرحية ومتى كانت انطلاقتك في عالم المسرح ؟

 

– في مستهل السبعينات استشعرنا في دواخلنا هواجس مختلفة عما يستشعره الاخرون بذور تنمو باتجاهات تتطاول على الواقع ربما غرستها قراءاتنا البسيطة للقصص والروايات والشعر والمسرحيات، كنا طلابا في متوسطة المصطفى في مدينة الثورة انفا، اردنا ان نعلو بقاماتنا فوق الفقر والتغييب والواقع الاجتماعي المؤلم، نسج الجنون خيوطه الاولى ليغذي تلك الغرسات الصغيرة، سقتها ثلاثة ينابيع، الينبوع الاول اساتذتنا الافاضل منهم الكاتب الرائع جبار سهم السوداني، والرسام والناقد التشكيلي المبدع علي النجار الان هو في السويد ومدرس الانكليزي الاستاذ احمد عبد السادة في تلك الفترة قدمت عملا في المتوسطة بعنوان (ابناء الارض) عام 1972، الينبوع الثاني مكتبة العباس بن الاحنف لقربها من المتوسطة كنا ننهل منها لان بعضنا ليس لديه القدرة المالية لشراء الكتب و الثالث فرقة مسرح الجماهير في نادي الرافدين في منطقة الداخل حيث اسهمت تلك الفرقة في بث شجاعة فينا لمواجهة الجمهور العام في عروض مستمرة، اردنا ان نثبت وجودنا من خلال الثقافة، كنت انا والروائي حميد المختار والتشكيلي ابراهيم رشيد والناقد السينمائي علي حمود والراحل هادي السيد حرز والدكتور عباس جاور واخرين، من هنا بدأت بذور التطور الثقافي والرحلة طويلة وكنا نجتمع في محفل ثقافي ونفترق، كتبت ومثلت واشتركت بالإخراج في فرقة مسرح الجماهير مع الراحل المبدع خضير الساري والمبدع علي منشد والفنان طالب الربيعي والفنان الراحل نجم الربيعي والشاعر حميد قاسم والمبدع عبد الله الناصر والفنان كريم محسن والتشكيلي ابراهيم رشيد والدكتور كريم شغيدل والفنان المبدع جواد محسن واخرين، ومن التجارب الجميلة في الفرقة اننا قدمنا عملا مميزا اثار انتباه المثقفين وهو مسرحية (ضجة في الامبراطورية) تاليف واخراج ط.خ.ع والمقصود بتلك الحروف طالب الربيعي، خضير الساري، عبد السادة جبار، ولاول مرة يشترك ثلاثة بكتابة نص مسرحي واخراجه معا، وفي نفس الوقت قدمت اعمالا مسرحية خلال وجودي في الاعدادية، مسرحية الانتظار، ومسرحية الغربان، وعقدة الدكتور اشترك في هذه الاعمال الفنان كريم سلمان والفنان كريم محسن والفنان والمونتير محمد حسن عباس والفنان الراحل سيروان اكرم والمبدع حميد رزوقي، ثم وجدت فرصة اخرى في بيت المسرح العمالي تلك التجربة قربتني كثيرا من المبدعين الاساتذة بشكل عملي الراحل ابراهيم جلال والاستاذ محسن العزاوي والفنان التشكيلي الكبير الراحل كاظم حيدر والدكتور فاضل خليل والفنان مهندس الانارة الراحل عبد الله حسن والدكتور الموسيقار خالد ابراهيم والدكتور مالك المطلبي ومدرب الرقص جميل جرجيس واخرين اضافة الى الشباب المبدعين عادل كريم، بشار طعمة..ناجي جاسم، مهدي الحسيني، رسول سبهان عباس الحربي كان عددهم يصل الى اكثر من خمسين عنصر شباب وشابات في الواقع هذه التجربة انضجت قدراتي الثقافية والفنية بشكل كبير اغنتني كثيرا عن الدراسة الاكاديمية، حتى تم التآمر على هذه التجربة لاكتشاف عناصر من النظام ان بذور الوعي فيها تتخذ منحى آخر اضافة الى اخطاء ارتكبها المسؤولين عنها، تجربتي في بيت المسرح العمالي مكنتني من تشكيل فرقة مسرحية باسم (فرقة مسرح الحضارة) من شباب لم يجربوا المسرح لكننا قدمنا اعمالا كتبتها بنفسي واخرجتها مررنا من بين اصابع قبضة رقابة النظام ما نريد ان نقول وما خدمنا في ذلك ضحالة الوعي الثقافي والفني وعدم ادراكهم لما نقول خصوصا وهم مطمئنون لان بعض عناصر الفرقة كانوا ضمن الدرجات الدنيا في التشكيلات الحزبية، قدمنا اعمال قطرة الماء نقطة وفاصلة و رحلة العار و خيمة الارض، في الواقع في تلك المرحلة انتشرت بشكل كبير الفرق المسرحية في المدينة، اضافة لفرقة مسرح الحضارة وفرقة مسرح الجماهير، فرقة مسرح الرفض، فرقة مسرح المدينة، فرقة مسرح الرافدين، وفرق اخرى لا اتذكر اسماءها، اشتغل في تلك الفرق عدد كبير من الشباب، منهم الروائي المبدع شوقي كريم حسن الراحل قاسم مطرود، الراحل كريم جثير، المبدع نصيف فلك الفنان عباس الحربي، دكتور عباس جاور،الراحل قاسم مطرود، وحضرتك قاسم ماضي، والفنان علاء الماجد، والفنان فيصل حامد، والفنان عدنان عبد السادة، والفنان منصور حسن، والفنان بشير الماجد، واخرين. .في الواقع لا استطيع ان اشرح كل شيء عن هذا التاريخ لأنه يحتاج الى مساحة واسعة. المرحلة الفاصلة كانت عامي 1979-1980 وهي مرحلة اسميها انا (المكارثية- الصدامية) المرافقة للحرب العراقية الايرانية، هنا اصبح الطريق محفوفا بالمخاطر، فضلت الاعتكاف في البيت واللجوء الى فكرة التثقيف الذاتي والتهيؤ الى مرحلة مابعد سقوط الدكتاتورية، لكنها تاخرت كثيرا وجاءت بطريقة على غير مانتامل. – كيف تنظر لعناصر العرض المسرحي في المسرح المعاصر مثل النص الاخراج السينوغرافيا الانارة التمثيل والموسيقى وغيرها. التطور التكنلوجي والعلمي والثقافي فرض اسلوبا جديدا للابداع يعتمد احترام الاختصاص وفي نفس الوقت التقارب اقصى مايمكن في فهم المنجز الابداعي وفسح المجال باكبر قدر من الحرية للتعبير عن دواخل الفنان المشتغل باي عنصر في المنجز، المسرح عمل يحتوي عناصر فنية ابداعية متعددة بدءا من النص المسرحي، ولاينبغي ان يسقط البعض في فخ اعتبار مصمم الديكور او الانارة او الموسيقى او السينوغرافيا على انه فني، بل يجب ان ينظر له كفنان، لان تلك العناصر تحتاج الى تحسس واع وتخيل ابداعي يقترب من روح النص ورؤيا الاخراج على ان تحترم رؤيا كل فنان مسؤول عن عنصر من تلك العناصر لا ينبغي ان تبقى الموسيقى مجرد مؤثرات موسيقية او الديكور والسينوغرافيا داعمة للنص او الانارة مجرد اضواء توحي لليل والنهار والحلم والكابوس وماشابه ينبغي تطوير هذه العناصر باختيار فنانين او تدريب طلبة ليدركوا اهمية ابداعهم. .لاينبغي ان نسلط الاضواء فقط على التاليف والاخراج ليخرج العمل مهلهلا. .لقد شاهدت اعمالا تحمل دروسا وافكارا رائعة الا ان الضجيج الموسيقي وحركة تغيير الديكور والانارة التقليدية افسدتها ومادمنا نتحدث عن الحداثة والتغييرات الجوهرية في المسرح اذن ينبغي ان نطور تلك العناصر المكونة للعرض المسرحي لايحدث التطور من خلال الاحاديث العشوائية التي تقررها الصدفة او التشدق بما قراناه عن نظريات اجنبية. .المنجز هو القياس.

 

{ لماذا انصرفت الى مجال التأليف المسرحي في السنوات القليلة الماضية ؟

 

التاليف والكتابة اقرب الى نفسي للتعبير عما يجول في ذهني بقية عناصر العمل المسرحي تحتاج الى ممارسة عملية جماعية مثل الاخراج والتمثيل والموسيقى. .وغيرها. . الكتابة تمنحك فضاء رحبا لكي تمارس هذا الابداع بمفردك تضع افكارك على الورق وتعيد كتابتها وصياغتها ثم تعرضها على اصدقاءك او تستمع لاراءهم وتعيد ماكتبته وتشعر بالمتعة، هذا الامر خدمني كثيرا في العودة بشكل مباشر بعد عام 2003للعمل في الصحافة والى الان انا اكتب للصحف ونشرت نصا مسرحيا بعنون الخطاب الاخير وعام 2005 قدمت نصا في مهرجان المونودراما بعنوان اعتصام الحمام اخرجه الفنان عبد الكريم سلمان وطبعت مسرحية بعنوان كوابيس الابيض وبيان يقضته الاول في الواقع هذا العمل استغرق زمنا يقارب الاربع سنوات حاولت من خلاله تقديم رسالة خاصة منطلقا من الواقع المحلي الى العالمي، وكتبته بما اسميته انا (العرض المكتوب) اي ان القارئ وجد فيه تفاصيل المكان والانارة والسينوغرافيا وحتى الاخراج الاولي بما يجعله يدرك الرسالة، واعتقدني ساضطر الى الكتابة بهذه الطريقة بعد ان لمست ان تجسيد العرض المسرحي الحي هذه السنوات يحتاج الى علاقات وترتيبات وطرق متعبة، فقط اكتفيت بايصال نسخة من المسرحية للسيد وكيل وزير الثقافة لالقاء الحجة، الكتابة تمنحك استقلالية رائعة تماما كاللوحة التشكيلية، سيبقى الكتاب عشرات السنين لايفنى، قد يقع الكتاب بعد عشر سنين بيد احد المبدعين او احد طلاب المسرح فيجد فيه ضالته وعندها ساذكر بالخير افضل مما لو هرولت الى جهة لارجوها في احتضان عمل كتبته لغرض ايصال رسالة انسانية. وبالمناسبة انا لا اتردد في كتابة قصة قصيرة او سيناريو للنشر لمجرد ان اجد هذا الشكل الادبي يناسب الموضوع. : كيف تقيم التجربة المسرحية العراقية في ضوء المتغيرات التي حدثت بعد عام 2003 و كيف تقرأ ملامح الخطاب المسرحي الحالي ؟ المسرح والعروض المسرحية على وجه التحديد تحتاج الى اهتمام مادي، لا تكفي الحرية ليكون هناك مسرح، بعد التغيير شرع الجميع بالعمل، ولكن هل بالامكان ان تقدم للجميع مستلزمات العمل للعروض المسرحية، وهل الجميع ارتقى الى مستوى المهمات الثقافية الملقاة على عاتقه، التغيير كان صدمة وقف منها المثقفون في مفترق طرق (سقط الظلم، سقطت بغداد،اقامة نظام ديمقراطي، حرية لا تخلو من فوضى، وجود احتلال ليس بتفويض دولي، ارهاب، فساد، صراع سياسي ليس لصالح الجمهور، انتخابات حرة، طائفية، قبلية) المخاض لم يزل صعبا وكبيرا، في السابق كان المثقف يقف إمام عقدة كبيرة واحدة وكل تلك العقد تختفي تحتها هي عقدة الدكتاتورية فكان يمارس دورا لإيصال صوته بإدانتها بطرق مستترة، فجأة وجد نفسه اليوم أمام عقد كثيرة ليس فقط في رأس الهرم فقط بل في القاعدة الجماهيرية ولهذا لم ترتق الأعمال المسرحية إلى مستوى هذا المخاض على عكس السرد الروائي والقصصي كان جيدا الى حد ما وهو في تطور، والغريب ان المؤسسات الرسمية للثقافة كانت قاصرة الفهم للتحولات اذ فسحت مجالا واسعا ومكررا لعناصر نالت فرصا كثيرة في زمن النظام السابق ولم تفسح مجالا للمغيبين لممارسة نشاطهم بذريعة الخبرة والاسماء وكان الرحم العراقي غير قادر على عطاء جديد وهكذا عانى المغيبين من تغييب اخر، وتعكزت تلك المؤسسات على مهرجانات اسمتها عربية او عالمية لكنها مجرد كم وليس نوع ومجرد اعلام بالرغم من المبالغ التي صرفت عليها الا انها لم تحتوي المرحلة الا باعمال جدا قليلة لاتشكل تاريخا او مرحلة مميزة للمسرح، كانت العروض المسرحية في السبعينات تدفعنا إلى الحوار والمناقشة والتحفيز والتفكير في ظل نظام دكتاتوري، في الواقع يبدو لي بعض المسؤولين عن الثقافة في الحكومة والدولة والبرلمان لم يكونوا من المؤمنين بالثقافة و ينظرون لها مجرد مفصل مكلفين للقيام به مثل واجب ينفذ وينتهي الامر، طبعا سيهدر المال دون نتيجة تذكر. : كيف تقرأ العلاقة الجدلية بين المثقف والسياسي في ظل الاستقطابات السياسية الحاصلة في البلد ؟ ليس ثمة علاقة مثمرة، السياسي يجامل المثقف لوقت ما من خلال مفردات غير كافية السياسي اليوم يهتم بالسياسي الاخر ويخشاه اكثر مما يحسب حسابا للمثقف لسبب بسيط تقف وراءه الديمقراطية وعلى وجه الدقة الانتخابات، السياسي يملك اصوات لها اهميتها في تبوء المنصب، المثقف لايملك تلك الاصوات وحتى عندما حاولنا في الانتخابات الاخيرة ان ندفع بالمثقف الذي نريده الى البرلمان خسرنا اصواتنا بسبب (الكوتا) وثمة حاجز كبير بين المثقف والجمهور بسبب نوع الخطاب، ثمة بون واسع بين المثقف والجمهور استفاد منه السياسي وغيب المثقف عن المواقع المهمة، ثم بدا بعض المثقفين يتحولون بالتدريج عن استقلاليتهم الى اتجاهات لايرغبونها في السابق، في العالم المتقدم هناك نوادي تجمع المثقفين والسياسيين والعسكرين والفلاحين وغيرهم في نوادي مشتركة يتبادلون فيها الراي، اليوم كل يقرفص في اخدوده بالرغم من انهم يرون بعضهم بعض ولكن بلا حوار مثمر، يحتاج المثقف الجمهوروالجمهور يحتاج المثقف ولكن ليس على طريقة بعض السياسيين، التحريض على الطائفية من خلال انا امثلك وفلان يمثل الاخر والثالث يمثل علان، وانت افضل من الاخر لانك تنتمي (وراثيا – وليس عقليا) الى الجهة الفلانية، المثقف يجب ان يسعى لتمثيل الجميع دون تمييز وتلك هي المهمة الصعبة التي تواجه المثقف اليوم.