اللون والتمايز عند حميد سعيد

اللون والتمايز عند حميد سعيد

قصيدة نجمة بعد حين أنموذجاً

حسن حمادي الساعدي

 هي قصيدةٌ أَلبَسَها الشّاعر الكبير حميد سعيد شَكلاً وروحاً، على غير ما اعْتدْنا أن نقرأَ في قصائدِه الأخرى.. وبِامْتيازٍ أمكن أن نُسَمّيها – قصيدة المُفاجأة – أو هي صَدمةٌ مُذهلةٌ، تَهُزّ أعطافَ المُتلقّي ( القاريء) والناقد فَيَخْتلفونَ إليها ، وعليها يختلفون، كونها على ما نَرى قصيدة -عبقر- اسطوريّة كتبها شاعرٌ كبير في غيبوبة يَقَظة و وعيٍ متقدِّم بِروح المعاصرة، جاءَ بها من الغَيبِ المُعتِم الى حاضرٍ غَيَّبَتْهُ الأحزان .. هو صوتٌ ساكنٌ في هدوءٍ لَيِّنٍ و مُثير بعُنف الكبرياء، كما لو كان يَتحرّك على مُفردات لُغةٍ تُشاكلها الأمواج بِسببِ هياج الدّم في المفاصلِ والعروق. فالحياةُ في نجمتِهِ أولَدَتْ نفسَها طالما هي تَنفرُ من التّماثل وتقتربُ من لحظاتِ الوثوب التي تصل بها الى مثل هذا التكوين البديع و الغريب ، وهنا ..نسألُ:

هل يُمكن لِوقارِ الشّاعر المُبدع و تكوينِهِ النّفسي أن يَنعكسَ على نَصِّهِ الإِبداعي  فَيُكبّل ذاتَهُ بِحُزنٍ شفيف لا يَشعرُ به سواه؟ أجل .. لقد أودعَ الشّاعرُ الكبير حميد سعيد هذه القصيدةَ روعةَ فَنِّ الجَزالةِ اللُّغَويّ و تَكثيف جَماليّات المُفردة و حضور الدّالّ.. غاصَ في أَعماقِها على نَحوٍ لا يَطالُ ما فيه إِلّا صَيّادُ لُؤلُؤةٍ في بَحرٍ رهيب ! كونها روح تَجول في حدود مَساربِ الرّوح العاشقة و مخيال شاعر يَندرُ أن يكون له ولها مُعادِلٌ حتّى الآن ..!

مسافات بعيدة

طوى المَسافاتِ البعيدة من الجبل الشامخ المُتَوَّج بِرُكامات الثّلوج البيضاء الى النّهر المُتَدَفِّق بالعَطاءِ ، لِيَلتقي نَجمتَه التي أَفِلَتْ ويُعيدان ما كان ( زَهواً) من لقاءات مضى بها الزّمان الى غير ما يَشتهي و تَشتهيهِ النّجمةُ الآفِلة، غير أنّ فضاء الاشْتهاء و الرَّغبة العارِمة بَدأَ يَضيقُ و يُحاصِرُ الأنفاس.. المُتعبة التي طَوَتْ مُدناً رآها و جال فيها فَتَأَلّقتْ في ذاكرتِه بِأشجارِها التي يكاد يلمسُها اليَباسُ ، لكنّ لها حضوراً قائماً أمام عينيهِ النّافذتين ..يبحث فيهما عن نجمتِهِ التي أفلتْ في ذاكرة الواقع أو هو الواقع في أركان ذاكرة الزَّمان والمَكان.. وأحسَبُ أنّها [الحبيبة – الوطن والحياة -] يَشُدّنا إِليها بِذكاءٍ مُتَوقِّدٍ جميل.. حالَ يَبحثُ عنها في قريب الماضي أو في الماضي و القريب المنظور معاً.. يَراها مائِسَةً في أراجيحِ حُبٍّ أزَليٍّ لن تُغادرَهُ شاعريَّتُهُ أَبداً وروحُهُ الظَّمْأَى وإنْ طالَ الانتظار وتَعاقبتْ عليهِ الفُصول.

شموع الذات

وفي هذا المسار بَدأَ يُوقدُ شموعَ الذّاتِ المُتْعبة حَدَّ الذَّوَبانِ كلّما تَضاءلَ الضَّوء أو خَفَتَ في الدَّرْب كي يَدلَّ فيه مَعالم الوضوحِ للنّجمة الآفلة !

إنّه شاعرٌ انسانٌ يَقتلُهُ ظَمَأُ الفِراق و البُعْد في زمن ذابت فيه كُبرياتُ الشَّجر و رافقه فيه الحُزن ، و مازال أَملُ الإنبعاثيّ السّعيد ساريةً تلوحُ لِناظريهِ من بعيد..!! حميد سعيد في قصيدته هذه تَجاوزَ آليّات الإبداع و المَهارة المُتْقنة التي يَبحث عنها النّاقد و يَنفذُ منها لاكْتشافِ الجديد بِانْدهاشٍ عن المَرئيِّ و اللامَرئيّ، وأعادَ تَرميمَ انْفلاتِ الزّمن و الضّوء في روحِ نَجمتِهِ التي أفِلَتْ ..رُبّما تأتي أو لا تأتي بعدَ حينٍ الى حين .. إِنّه بِحُزنٍ جميل مُتَصَدِّعٍ يَرصدُها :

    أنا عاشقٌ ظَمَئي فيها

    فَهل عَشِقَتْني ظَمَأً..

    يَبُلُّهُ مَطَرٌ آتٍ ..؟!

{ عضو اتّحاد الأدباء والكتّاب  العراقيين

مشاركة