اللغة والسبك التعبيري في بناء النص الشعري – خليل مزهر الغالبي

493

قراءة بمجموعة غبار الأسئلة لحبيب النايف

اللغة والسبك التعبيري في بناء النص الشعري – خليل مزهر الغالبي

لقراءتنا المجموعة الشعرية  “غبار الأسئلة” للشاعر ” حبيب النايف” لابد  من التوقف اولاً عند عنونة المجموعة بمسميها “غبار الاسئلة” بوصفها عتبة منفتحة ومرحبة لإضافة الكثير من المعنى ومن شأنها أن تضيء الطريق نحو دلالات النص،ويمكن ومن دالة عنونة المجموعة ادراك الخطاب الشعري للمجموعة، تلك العتبة في تصيرها مبوبة نطرقها لدخول النص قراءة وكما عرفها “جينيت” كل ما يمهد إلى الدخول إلى النص، أو يوازي النص. ومهما بدا العنوان شديد الارتباط بالنص المركزي، لكنا نقف في بواباته ومداخله ساعين إلى تقشير طبقات جيولوجيا الانساق المغلفة لمعناه و بوعي يحفز في تفاصيل الفعل الشعري الذي يحمل في نسيجه تعددية وظلالاً لنصوص المجموعة، وبما يؤكد إن دالة العنونة عمومًا تنبع من تعلقها وارتباطها دلاليًّا بنصية المجموعة ومستوياتها، وهذا من شأنه أن يعطى للعنونة قيمتها الجوهرية، ويجعل منها عمدة نسبية متواترة فى عملية القراءة، كما يجعل منها بوابة لازمة للولوج إلى عالم النص، وهي فى الغالب بوابة ضوئية خارجية بمرجعيتها لمركزية النصوص،لتنبثق منها خيوط كثيرة تمتد لتضىء ما يمكن أن يطأه ذهن المتلقى من معنى ودلالة داخل النصوص. ومن المسمى “غبار الاسئلة” تكون صيرورة “الغبار” العلائقية مع “الاسئلة” هنا، كتجمع لغبار يغطي ويكسو الاسئلة والمتاتي من طول انتظار الاجابة في الرد على الاسئلة المطروحة ،وتبقى متأتيات سببية هذه الاسئلة الملحاحة من جدب الحياة وفقرها على امتلاكها للاجوبة وعدم اهليتها او لعدم قبولها لقرفها في تلبية الاجوبة الاسئلة المتأتية من  تعب البحث عن السعادة في الحياة والمرتبط بالبحث عن ذلك الجواب المرشد والدليل الذي اغلق الابواب امام ازمة الانسان كما قرئناها في المجموعة،لتبقى في جثومها الثقيل طويلاً يغطيها غبار الانتظار الممل، وغبار الاسئلة هذهِ نتيجة فيزيقية طبيعية لهذهِ الحالة والتي حددتها عتبة العنونة،لتكون تعبير عن العقم في توليدات لاشياء الحياة ،وبما يعني اخيرا الى احالة الانسان لذلك الاحباط الذي يعيشه الفرد ومن طول وملل انتظاره،وهذه السيميائية التي اكتستها المجموعة من هنا وهناك في النصوص وكما ظهرت على ملامح التسمية المعنونة للمجموعة ليصير معنى الغبار الحاط على وجه الشاعر الانسان قدره الذي امتد على جسد النصوص. ولكن لايعني بقاء قرائتنا النقدية مقيدة بدالة العنونة لانها تبقى من مؤشرات الشاعر وهو المؤلف الذي ابعدته الرؤى النقدية عن هيمنته على منتجه النصي والقته عند القراءات المتلقية له.وفق المعادلة المكونة للتوليد الثاني للنص والقائمة بين النص والقاريء. وكما نفهم الجنس الشعري، ذلك المخلوق المتحرك والمولد داخل الولادة والمحايث دوما من ايماءاته اللغوية الى فتح شعري يمتد ويمثل خارج الحد المعمول في الكتابة اللغوية،ومن طبيعة ولادة اللغة الشعرية للشعرية اللامرئية والمرئية في العقل المتلقي، المتلقي لداخل النص والمضفي لأمتداد خارج النص وبما يومي ويشير ويوحي، فلا تكون شعرية القصيدة عند حدود مرئيها الكتابي لان القصيدة مخلوق حي يمتد شعرياً بإيمائياته وايحائياته اللامرئية وليس بامر كتابته المرئية.والمخلوق هذا لايبقى عند سلطة الشاعر بل يخرج عنها كثيراً للقاء القراء ويرحب بملاطفتهم المقلبه له والمأوله ويعدها من اساسيات ومستحسنات وجوده الاول. وقد ازدخرت نصوص المجموعة “غبار الأسئلة” على هذا الفعل الايحائي للغتها الشعرية، كما في نص “بحث”ص23أحث الخطى ،استعجلها المسير ./أتبع ظلاً إِعْتقدْتُ إنه يشبهك /اللهاث الذي يرافق حركتي/لن احس به/ يمدني بقوة إضافية /لان البحث عنك /مزية ترافق العشاق تزيح عنهم التعب/الحقول التي امر بها منشغلة بالغناء وهنا يتضح قوة الانبعاث الشعري المميز في اسباب حث الخطى واستعجالها في ظنه واعتقاده بوجود ظل يشبه الحبيبة ليذهب مجبولاً للسير خلفه،وهذا من البواعث المتصاعده لذلك العشق حتى غمرته بلهاث البحث وقد صيرت الجملة الشعرية  حسن الشعر.  ويبقى الشعر رافضا للرؤى المحاصرة لحدوده والمقصرة لفعله بل يريدها تعبر الحدود الكتابية له وحدود سلطة الشاعر وفق ولادة التلقي لشعرية النص. ولا تتوقف نية الشعر في خاتمة النص ولم تكن الخاتمة نهائية له كما في الايحائية الممتدة واشاراتها في السردية الشعرية هنا في نص “اسرار”… رأسي  الذي يبتكر طرقا اخرى للنسيان /يحافظ على اتزانه رغم الصور القلقة /يعد الخسائر ,الانكسارات /الايام التي غادرت بدون رغبة منه /يتبرأً من الهزائم /يمشط ما تبقى له /بأحلام الوقت /ابواب الخمول لازمها الصمت /اي شيء يحمله الصمت ,/بعد ان ختمت العتمة على تلك الابواب ,/وطوقت الحب بسياج الظلام /واصطادت عصافيره بشبكة المحرمات /الفأس التي تحاول قطع الريح /اتعبها الوهن /استسلمت لغفلتها/دثرت خيبتها بالغبار المتطاير من ساق الريح /الاقاويل تتناسل ,تنتشر كموجة /تأخذ بطريقها السحب المتراكمة من الاشاعات /ترغب في تفكيك الاسرار/الاسرار لغز في بئر الكتمان /نرمي دلاءنا لها ومن استراتيجيات التلقي هي مواطن التأثير في القاريء، وبما يمكن ان يسهم في كشف مميزات العمل الفني والأستلذاذ الجمالي بها، وهي استراتيجية مشروطة بعبور القراءة الانطباعية حيث الأماكن إلمرتبطة بالتحليل والتأويل والاستقراء لبنى اللافتة في مكونات بناء النص الشعري ونسيج اللغة وانساقها وتجاليسها. . وقد نشط وتجسد كثيرا في النص “مخاض”ص66القصائدُ التي يحاصرها الطلقُ/ترمي حجارةَ الكلماتِ/ على الافكارِ الغافية/تفززُ خمولَها/تثيرُ المخاوفَ……القناعةُ التي نبحثُ عنها /بين ثنايا الاسئلةِ/تَعْبرُ على اطرافِ الحذر/تحاولُ ايجادَ فرصةٍ للتأملِ/تأخذُها الدهشةُ/حين ترى الحروفَ تتساقطُ كالأوراقِ/بعد ان اتعبَها الانتظار.وهنا نحس بشدة المخاض من عملية ولادة الى ما يمكن احضاره ليكون “ولادة الاجوبة” ومن غفوة وخمول الافكار راحت لتصيح بكلمات بمثل حجاة ترميها،ومع الانتظار الامجدي تتفكك الكلمات الصائته  كأصوات منادية الى حروفها وتتساقط وكما في وصف النص الطبيعي لسبب تعب الانتظار. ومن اتسامات بناءات نصوص المجموعة ميلها الكثير للمحاكاة الشعرية او مثولها لبعض شغل الشاعر في المجموعة،كما في النموذج من نص السابق “بحث”الحقول التي امر بها منشغلة بالغناء /الأصوات المنبعثة منها /تؤشر باتجاه العصافير/التي جففت اجنحتها من بلل التحليق ./الفضاء المتسع /تضيق اتجاهاته حين لم أجدك فيه وفي غيرها ينبعث هذا النفس الشعري الذي ادخله الشاعر في عموم الاسلوب المميز والمكون لنصوص المجموعة.

اضافة الى ميل الشاعر لما يمكن تسميته بالسرد الشعري لبعض الانساق المتوزعة والظاهرة هنا وهناك في النصوص، حيث لم تقترن ولم تنحصر السردية في بدايات ظهورها كإشتغلات في الادب عند الرواية ومنها القصة،بل راحت لتظهر في حالات عامة او عرضية للزوم في بناء النص الشعري ، وقد اشتغل عليها الشعراء اخير كلجوء اسثماري لها داخل البناءات،خاصة بعد الازدهار اللافت لقصيدة النثر.

وكما في النصوص المختارة من المجموعة في مقالنا. كما في قراءاتنا لنص”غبار الاسئلة”ص30 ظلي الذي لم يرغبْ في رحلتي المعتادة/ودعته مرغماً/لان الشمس اختفت خلف حجب الغيوم/وتركتني وحيداً/يشغلني التفكير..ويليها…قطيع الافكار الراكض باتجاهي/يثير غبار الاسئلة وكما يتضح الفعل الشهري هنا من اسباب وداعه لظله وما في دالة اختفاء الشمس حتى ليكون مشغولاً بالتفكير بوحده،هذه الافكار التي غدت قطيعا هائجا يذكر بعنونة المجموعة ومن خلال اثارته لغبار الأسئلة بلا ترك لتلك الرمال لسطح الاسئلة هذهِ. واستطاع الشاعر  “حبيب النايف” أن يجد اللغة الملائمة لإمتثال إحاسيسه ونقلها داخل النص، وهذهِ اللغة مائز البصمة اللغوية الخاصة به وتفرد شغله الكتابي للشعر، وقد استطاع البلوغ بها لتحقيق قناعته وقبوله في البناءات الشعرية له.

مشاركة