اللعب الترميزي في رواية (متحف للغبار) لفارس السردار

أ‌. م. د جاسم خلف الياس

مدخل

يعدّ اللعب الترميزي من الممكنات الكتابية التي تعمّق فاعلية التلقي، وذلك بانزياح النص من كونه حاملا لمعنى مستقر إلى كونه فضاء للتأويل المفتوح، ويتجلى هذا اللعب في طريقة بناء الكتابة وتفكيكها داخل السياق السردي، إذ تصبح الرموز نفسها موضوعا للتساؤل والتقويض. ويتحقق هذا الفعل التعبيري عبر إعادة توظيف الرموز المألوفة في سياقات غير مألوفة، مما يمنحها معاني مغايرة أو متضادة، عبر إدخال رموز عائمة ترفض التثبيت، والتفسير النهائي. والسرد في هذا المستوى، يتحول إلى حقل تأويلي، يؤدي القارئ فيه دوره بشكل فعّال، فهو يشارك في إنتاج دلالاتها، وعلى هذا الأساس يجعل آيزر للعمل الأدبي قطبين، “القطب الفني والقطب الجمالي، الأول هو نص المؤلف، والثاني هو التحقق الذي ينجزه القارئ” (أيزر، 1994، ص12) وفي أغلب المسرودات يتفاعل هذا النوع من اللعب مع تقويض الهيكلية التقليدية للعلامة، إذ يلغى التعالق التلقائي بين الدال والمدلول، ويستعاض عنه بانزياحات دلالية تنتج مستويات من الإيحاءات. فيوظّف الرمز لتأجيل المعنى، وهذا ما يدعو إلى لعب ترميزي، يراوغ التفسير، ويغري بالقراءة المتعددة. ومن أجل تحقيق التوازن بين التنظير والاجراء في هذا البحث اخترنا مبحثا لعنوان الرواية، ومبحثين للمتن، نحدد فيهما بعض المقطع السردية لتكون شاهدا على هذا الفعل الكتابي في مجمل أحداث الرواية.

المبحث الأول: اللعب الترميزي في العنوان

يعدّ العنوان – كما هو متعارف عليه – أحد أهم العتبات النصية في بنية العمل الأدبي، فهو أول ما يصادف القارئ، ويعد بمثابة البوابة التأويلية التي تتيح ولوج النص، وتأطيره برؤى مبدئية تهيّئ القارئ لتلقي الدلالة. واللعب الترميزي في أي عنوان مراوغ ومؤثث بالدلالات، يؤشّر نحو التواطؤ الجمالي بين الكاتب والقارئ، فيضعهما معا داخل شبكة من التلميحات، والتأويلات، والاحتمالات المفتوحة. فيشكّل استراتيجية جمالية مقصودة، تُمارس بحذر ودهاء إزاحة المعنى المألوف من عرشه، والبحث عن قارئٍ جديد في موضع الشكّ لا اليقين؛ لأنّ (الترميز) يتحوّل إلى لغة ثانية للنص، تشبه الهوامش أكثر مما تشبه المتن، وتفتح الحكاية على أبعاد تتجاوز الواقعة لتصل إلى المجاز والتخييل اللذين يتجوهران بالاختفاء.

فارس السردار

وفي عنوان رواية (متحف للغبار) نكون أمام بنية دلالية كثيفة، تتجاوز معناها القاموسي إلى فضاء تأويلي متعدد المستويات، إذ يتكون العنوان من تركيب تعريفي (متحف) (معرّف) + (للغبار)(معرّف به)، وهذا التركيب يمنح العنوان صيغة اسمية جامدة توحي بالثبات، ولكن في الوقت نفسه ينهض على مفارقة دلالية ناتجة عن تصادم دلالتين: الأولى ناتجة عن مفردة (متحف) التي تحيل إلى مكان مخصص لحفظ الأشياء الثمينة والنادرة، للعرض والاعتبار، وهي عادة ما ترتبط بالذاكرة، والهوية، والتاريخ. والثانية ناتجة عن الـ(غبار) الذي يحيل إلى مادة لا قيمة لها، ترمز للخراب والإهمال، فضلا عن أنّ الغبار ليس شيئا يحتفظ به، بل يكنس ويزال. وعلى أساس هذا الأفق القرائي تتشكّل المفارقة الدلالية التي تضعنا أمام دهشة التساؤل: كيف يمكننا إنشاء متحف – وهو معمار مخصص للعرض والاعتراف الرسمي – لنفاية الوجود، أو رماد الحضور؛ أي الغبار؟. وينفتح الأفق التأويلي أكثر؛ ونذهب إلى الدلالة الكلية، إذ يوحي العنوان بأن الرواية تنطوي على مشروع سردي يحاول جمع ما تمّ نسيانه، أو إزاحته، أو إقصاؤه من سجل التاريخ الرسمي للأشياء؛ أي أنها تشتغل على استعادة المهمّش والمنسيّ، وتحويله إلى مادة سردية. ويلمّح المتحف أيضا إلى أنه استعارة عن الرواية نفسها، بوصفه الفضاء الذي يحتفظ ببقايا الحياة (الغبار).

وهنا يتحوّل العمل السردي إلى حامل للذاكرة التي تمنح المهمل صوتا ما، فيشير (الغبار) إلى ما تبقّى من الأشياء بعد موتها أو خرابها، يشير أيضا إلى بشر أو أمكنة انقرضت، وصارت مجرّد رماد رمزي محفوظ في سرديات النسيان، ويصبح المتحف أرشيفا للخمول الواقعي، بعد أن تحجب المجوهرات ويعرض الرماد، وتحجب البطولات وتعرض الانهيارات. هذه الإزاحة في سلم القيم تنبئ بمشروع سردي يحتفي بالهامشي، والمشوّه، والمقموع، ويعكس موقفا نقديا من السرديات الكبرى. وهنا يمكننا أن نتساءل: هل الغبار هو رمز للذاكرة الجمعية المنسية؟ وهل المتحف إشارة إلى الجمود التاريخي أو الوعي المحنط؟ وهل يعرض النص سردا مضادا، حين يتحول الهامشي إلى مادة للعرض المركزي؟ وهل يمثل العنوان نقدا صريحا لبنية الأرشفة السلطوية التي تقصي (الغبار) من تاريخها. هذه الأسئلة التأويلية وغيرها، تولّدها قراءة العنوان بوصفه عتبة تنفتح على فضاء قلق، ومتعدد التأويلات، وهو سلوك نقدي، ينسجم مع ملامح كتابات ما بعد الحداثة. وبهذا التحليل، يتضح أن هذا العنوان يؤسس منذ اللحظة الأولى أفقا معقدا للتلقي، والتوتر التأويلي المكثف، وهو يشرك القارئ في عملية بناء المعنى بكل ما يحمل من كثافة رمزية وفلسفية، تدعو إلى قراءة النص بوصفه أرشيفا تخييليا.

نستنتج مما سبق أن هذا العنوان بمثابة باب خلفي ينفتح على حديقة مراوغة من المعاني، إذ تتآمر مع القارئ ضد هذه المباشرة. فـ(الترميز) يتشكّل عبر لعب مشحون بالإيحاء، يبحث عن ارتباك معرفي ينتج عن تراكم الرموز واهتزاز دلالاتها. وعلى هذا الأساس، يفهم عنوان (متحف للغبار) على أنّه كيان حيّ يختزن اللامرئي والمنسي والمبعثر، وهو أشبه بذاكرة كونية تهتم بما أهمل وطواه النسيان، ويبشر برواية تلغّم الواقع بشظايا الرموز.

المبحث الثاني: اللعب الترميزي في المتن

يفتتح السردار روايته بصوت (الأب) في استحياء بعد رجوعه من عيادة الطبيب الاختصاصي في أمراض الروماتيزم والشلل: (أنا لا أعرف أين نحن بالضبط!…الرواية ص6) وهنا يوظف التيه بوصفه رمزا لانهيار البوصلة الحضارية، فـ(الأب) في رمزيته يعبّر عن جيل كامل فقد قدرته على التوجيه والقيادة. وهنا يتوازى عجز الأب الجسدي (الروماتيزم، الشلل) مع العجز الرمزي عن الإشارة إلى الطريق وسط الانهيار المجتمعي، مما يحوّله إلى أب مكسور ومنهار، ويعدّ صوت (الأب) مدخلا لسرد أحداث تتعلق بالنحر والتفجيرات التي مورست بحق الناس الأبرياء ودور العبادة، (أنت الآن لا ترى منارة الجامع لأنهم نحروها وفجّروا معها تاريخا سحيقا من الصلوات ص6). وهنا يمثّل تفجير المنارة ذبحا للذاكرة الروحية للمدينة، فالمنارة الحدباء رمزٌ للنداء والهوية الدينية (العلاقة بالله)، والهوية الموصلية المدنية (العلاقة بالعباد) وما تفجيرها إلا إحالة إلى سقوط العمق القيمي والديني، ضمن لعبة (إزالة المعالم) التي يمارسها الطغاة بوصفها استلابا للهوية.

وبين الإرغام القسري في هجر البيوت الأصلية، والتوطين في الدور المستعارة، رزح المقموعون ما بين الجنوب وإقليم كردستان في معسكرات وحسينيات ومدارس وهياكل بيوت، في خضم أحداث مأساوية شكّلت:
“عثرة أو وهدة في حياتهم، غفلت الشمس وقتها عنها وغفلنا نحن النّينويون أيضا لأنّ عجاجا صحراويا كان قد حجب الشمس وقتها عنها وعنّا وعن مدينة السماء “. (السردار، 2019، ص8).

وهنا يتعالق اللعب الترميزي مع تقنيات المتخيل والواقعي، فيتعامل التوثيق مع التخييل، وتتكثف الرؤية السردية داخل لعبة المراوغة، وتحيل الظاهر إلى غاطس ضاجّ بالإشارات. ويستمر الراوي بتصوير حالات واقعية كثيرة، أوّلها، تطفل داعشي على نقاش جرى بين اثنين من ركاب (الكيا) حول نهائيات أبطال آسيا عام 2014، فأخذ دور المرشد:

“الدولة الإسلامية لم تعلن عن فريق كرة قدم يشارك في نهائيات آسيا. الدولة الاسلامية في العراق والشام التي أنتم رعاياها، أما العراق الآن فليس سوى حدود جنوبية مؤقتة، وأنتم تعلمون أن دولتنا تتمدد، فلم كل هذا الانفعال؟!…”. (السردار، 2019، ص9).
وعلى الرغم من واقعية الحدث، إلا أنّ استعمال كرة القدم بوصفها رمزا للعالمية العابرة مقابل خطاب داعش الذي يحصر (الرعية) ضمن منظومة (الدولة الإسلامية) يمثل صداما رمزيا بين الحداثي والظلامي، وتتحوّل الحافلة (الكيا) إلى ميتا- فضاء سردي يركّب المفارقة بين الحياة اليومية، والتطرّف الذي يفرض جدله على كل شيء. وفي حالة استذكارية وعنف لغوي يصف الراوي حالة مقززة قام بها داعشي وهو يحزّ رقبة إنسان:

“شخير ونافورة وريد مقطوع، ثم هوى على الأرض، سائل دبق ظلّ لبرهات يتلملم في بركة قرمزية فيما كان الجسد يرتجف حتى استقرّ متكوّرا على بعضه، بينما يداه لا تزالان أسيرتي حبال كانت لا تزال عصيّة على الفك. بقيت الارتجافات المنفلتة من سطوة الأربطة زمنا تعاود فعلها الارتجاجي…”. (السردار، 2019 ص11)

إنّ الرباط الذي لا يفكّ حتى بعد الموت، يرمز إلى استمرار القيد بعد الفناء، وهذا انعكاس لترميز أوسع عن العبودية الفكرية والدينية التي لا تزول حتى بزوال الجسد. و(السائل القرمزي) يمثل الذاكرة المسفوكة، التي تظل تتلوى قبل أن تستقرّ في قاع النسيان. ثمّ يفعّل الراوي المشارك في الأحداث ذاكرته أيام معارك (الفاو) في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ما يقارب (8 سنوات) وحديث الجندي (سالم) عن (أمه) ومعاناتها من شظف العيش، وكيف اتخذ (الابن) الرصيف مكانا للعمل إلى أن استقرّ به المطاف إلى فتح معمل للخياطة، ثم تعيينه (معلما) تربويا في قرية (السفينة) التابعة لقضاء الشرقاط، فيربط وجوده في تلك القرية بكتابات كل من محمود جنداري وحسن مطلك وهو يجرّهما عنوة من قبريهما، كي يأتيا بخطوات وئيدة مهما يستمعان أو يصفان أو يشاركانه بعد المسافة وقد أفاق حسن من دهشته وهو يرى (عصا محمود تلوّح في البعيد تارة بالتجاه الغروب وأخرى باتجاه الجنوب، عبّأ صدره بكل ما استطاع بالهواء وأطلق صرخة جاءت حروفها متقطعة لبعد المسافة بينهما، لم يميّز منها إلا (دا با دا.. دا با دا). هكذا تلقاها محمود، وهكذا أدركها فتيقّن أن حسن باق في الجوار وأنه لن يخذله.. السردار، 2019ص30). وتجسّد الترميز في هذه المنطقة من السرد في إحياء رمزين سرديين من الموت، وسماع النداء المتقطع (دا با دا…) يحيل إلى لعبة استدعاء الأيقونات المقموعة ثقافيا(حسن مطلك، محمود جنداري)، وهذه الإشارة المشوشة صوتيا ترمز إلى استعصاء التواصل الكامل بين الأجيال، لكن بقاء (العصا تلوّح) يمثل استمرارا للرسالة القامعة على الرغم من بعد المسافة.

ثم يتخلى هذا (الابن) بوصفه الراوي العليم بكل شيء، والمشارك في الأحداث عندما يسلّم الروي لصوت (الجد) بعد أن يغيّر ضمير الغائب (هو) إلى ضمير المخاطب (أنت) (حدّثني أنت إن كنت مصرّا على منعي من الاتيان بأي فعل.”. (السردار، 2019، ص31). واللعب السردي هنا بضمائر السرد (هو ، أنت ، أنا) يحوّل النص إلى متحف للضمائر المتغيرة، إذ لا يستقر السرد على هوية واحدة. هذا التذبذب هو جزء من لعبة ترميز أكبر: غياب الهوية الجمعية وتهشّم النسب الرمزي للسرد، فالراوي هوية سائلة كما هو (الغبار). فيتحدث (الابن) بواقعية تتناول السيرة الغيرية للدكتور(عمر الطالب) ومجلسه يوم السبت، ورواد ذلك المجلس، ورحلاته الدراسية إلى بغداد والقاهرة والمغرب، حتى وفاته مع ذكر أسماء أشخاص حقيقين (جنيد الفخري، ناهض الرمضاني، الحاج أكرم العمر… وغيرهم). ثم ينتقل إلى وصف حافة نهر (دجلة) وهي تودّع زوارها المعتادين كل يوم، وكل ما يتعلق بتلك الحافة من تنزّه أو صيد أو سباحة أو سكر(بعض الرجال كنوا يتخذون من حافة ارتطام النهر بـ(قره سراي) مكانا لجلساتهم التي تبدو بريئة.”. (السردار، 2019، ص43). وبعد أن يفتح لنا نافذة جديدة لنطل منها على الماضي القريب حيث الانشقاقات السياسية وما جرى لأبناء الموصل أيام (الشواف) و(الحرس القومي) من قتل وهروب خارج البلد، ومعاناة قاسية، وانقسامات بين (القوميين) و (البعثيين) و(جماعة جزب الاستقلال) و(الاخوان المسلمين) يتوصل (الأب) إلى قناعة مفادها أن المثقف لا يمكن أن يراوغ ويكذب، على العكس من السياسي الذي يريد الوصول إلى الهدف مهما كانت الوسيلة وهو يحدّثه عن الميكافيلية وأسلوبها الرخيص، لذا يقرر ترك السياسة، ويتفرغ للقراءة والتمحيص في إشكاليات عقائدية وثقافية، مع الاستمرار في شغف القراءة التي أخذها بدوره عن (أبيه) وأورثها لـ(ابنه). راويا التفاصيل الدقيقة التي شكّلت حياته بكل ما فيها من تعب وشقاء وفرح وحزن ومسرات، وهو ممدد على السرير في المشفى، يقارع (الابن) ويلومه على سماح العراقيين من دخول الأمريكان إلى البلاد وهم من دمّروا فيتنام وكمبوديا.

وكانت ذاكرته تقفز إلى الوراء لتعرض أمامه ذهابه إلى فلسطين، واعتقاله عندما تم الانقلاب على أمين الحافظ، ليصرّح بكل ثقة: (لا .. أنتم جيل خائب.. فرّط بكل ما أوكل إليه… الرواية ص73) ثمّ يخوّل الراوي هذا الجد بتذكّر وقائع كثيرة ومتشعبة، لاعناّ الزمن الرديء الذي تتجول فيه الأرتال الامريكية بوقاحة، والابن يراقب لوحة المؤشرات الإليكترونية التي تقرأ النبض وضربات القلب ودرجة الحرارة والضغط وغيرها، ليخبره بأن المكتبة التي ورثها عن (أبيه) هي للحفيد (الابن) الذي ما زال يحدق في عينيه الحزينتين جداّ “المكتبة التي في البيت هي لك كما فعل أبي”. (السردار، 2019، ص83) وتأتي المكتبة هنا بوصفها الذاكرة المشاعة، الأمل المهدى للحفيد، في زمن يعجز عن صياغة أفق جديد. ترميز المكتبة يقف على الضد من ترميز السوق (السلع والبضائع) ليشكّلا قطبي الصراع بين الروح والمعيش، بين القيمة والسلعة.

المكتبة التي احتوت روائع الكتب العربية والأجنبية، وهو يدلي بالحِكم والوصايا التي تحوم حول النجاح والكدح والدأب والامانة والمثابرة. ثم يأتي صوت (الابن) مرتين متتاليتين ليخوّله الروائي فارس السردار وصف مدخل سوق (القندرجية) و(باب السراي) و(باب الجسر) و(خان حمو القدو) بكل ما تحوي هذه الأسواق من لوازم نسائية (مكياج، صابون، عطور، قماش…..) ولوازم رجالية ( دشاديش، غتر، عقل، أحذية…..) ولوازم عمل (مطارق ودرنفيسات، وقبضات أبواب، وأقفال، وحنفيات …..) ولوازم أخرى كثيرة. وها هو الأب يوجّه كلامه إلى (الابن):

“أنت بدأت بداية أخرى تختلف عن بداياتي التي أسردها لك.” (السردار، 2019، ص119″.

كان (الابن) عصامياّ في الطفولة والمدرسة والحياة الجامعية مثل أبيه، وها هو عصامي أيضا في السوق على الرغم من كثرة الأسرار والحكايات والأحلام التي أثقلته، ولكن هذا لا يستمر حتى النهاية، فيأخذ الابن دور الراوي، لا سيما بعد أن ينفتح على اشتغاله السردي، وهنا نجد أن هذا الراوي (الابن) ما هو إلا فارس السردار ذاته بعد أن نمتلك القرائن أو المواثيق السيرية التي يخبرنا عنها مذ كان في جبهة القتال وهو يكتب في دفتر مذكراته الخواطر التي قدحت في ذهنه، ثم اتسعت مخيّلته، وأصبح للقراءة فعلها السحري، وأيقن أخيرا أن ميدانه الكتابي هو السرد وليس أي نوع أبي آخر، وفضاءه المعنى لا الشكل:

“لم أركن لأمر الشكل على الرغم من أهميته، ولأن جانبا من هوسي هو مادي صرف، ترشح إليّ من إسرافي في لعبة ما يدعى سببا نتيجة. فأدقق فيهما وابتعد عن ما هو تهويمي، لذلك أنزلت خرج الشعر من راحلتي مبكّرا، وأبقيت خرج القص/السرد ليرافق راحلتي”. (السردار ، 2019، ص 132).

وبعد أن يفعّل الميتا سرد ويوظفه في الرواية، نتأكد بما لا يقبل الشك، أن رواية (متحف للغبار) هي رواية سيرية، تناول فيها الروائي الأجيال الثلاثة (الجد / الأب/ الابن) فضلا عن (سيرة مدينة)، المدينة التي أصبحت (متحفا للغبار):
“صوت النازحين والمهجرين بات ثقيل الوطء لأنه محمل بطين الحقول وشظايا البراميل المتفجّرة، وحجارة السقوف التي ما زالت معبأة بالأحلام والأمنيات لحظة انشائها على الرغم من تناثرها الآن غبارا يرحل فوق كواهل النازحين إلى اللا أرض وإلى اللا زمن” . (السردار، 2019، ص136″.

ويستمر (الابن) في صوته الواقعي، يفرش أمامنا المواثيق السيرية بعد دخول الامريكان إلى مدينة الموصل بعد احتلال العراق بكامله، (جريدة الفاصل التي كان محررا فيها، رعد فاضل صديقه والموظف معه في النشاط المدرسي، مجلة شرفات التي كان رعد فاضل مدير تحريرها، وفارس السردار سكرتير التحرير). ولكن قبل هذا التوقيت، وتحديدا في زمن الحصار، يسرد السردار معاناة الشعب العراقي بعد أن انتهت الحرب، وفرض الحصار على العراق، ويسخر من الأعمال التي امتهنها أصحاب الشهادات التي لم تعد ذات فائدة، مثل الخياطة، والنجارة، والسباكة…. وغيرها.

وبعد أن يسرد عن القراءة ما يكفي للإشارة إلى أهميتها، يصف تولّعه بالمعنى بعيدا عن الشكل، على الرغم من أهميته. وأول عمل يقوم به بعد هذا الوعي الكتابي هو ترك الكتابة الشعرية والاتجاه نحو القص، الذي وجد فيه حميمية أكبر وتجاذبا أعمق؛ فالقصّ حياة والتماعة، ووجع ذكرى، وحلم، ونبض، وإيقاع، والقص يجاهد للاستئثار بإدراك المتلقي، وهو يتذكّر بعض مجريات الحرب العراقية – الإيرانية حين يضعه في مشاهد القسوة والبشاعة، وهو يشاهد ساحات القتل على الجانبين، ليقول بكلمات أقرب إلى الهمس:
“لقد رأيت الجثث تتكدّس في العجلات العائدة من حافات القتال… وكذلك رأيت جثث العدو تتكدّس عبر الساتر أمام أسلحتنا الأحادية والثنائية التي كنا نستخدمها في دفاعاتنا الجوية والتي نضطر للاستعانة بها لتحصدهم من شدّة تدفقهم إلى الساحات المفتوحة أمام السواتر”. (السردار، 2019، ص140).

في هذا المقطع، توظّف الحرب بوصفها علامة ترميزية تنفتح على دلالات العبث واللاجدوى. فـ(الجثث المتكدّسة) تمثل تحوّل إلى رمز لتراكم الخراب، وكأن الأرض تغمر تدريجيا بجثث لا تنتهي، في دورة موت لا فكاك منها. أما تعبير (العدو المتدفق) فيعمّق هذا الترميز، والمقاتلون الأعداء يقدّمون مثل (سيل بشري) لا يرد، بلا أسماء أو ملامح، ما يجعلهم رمزا طوفانيا للشرّ أو للاجتياح المجرد. ويوظف السارد الأسلحة “الأحادية والثنائية” في غير موضعها الطبيعي (الدفاعات الجوية) ليعكس انقلاب الوظائف، ويحوّل أدوات الحماية إلى أدوات إفناء أرضي، ما يشكل لعبة ترميزية تحيل إلى انهيار النظام القيمي والمنطقي، فالسلاح الذي يفترض أن يحمي من الخطر العلوي، يوجّه نحو الإنسان الأرضي، في مفارقة لاذعة. واللافت للنظر هو أن السارد يعتمد نبرة تقريرية محايدة، خالية من الانفعال، وهو خيار سردي رمزي بحد ذاته، إذ يبرز تحييد الحساسية الإنسانية، وكأن السرد بات لعبة بصرية باردة، تحوّل المأساة إلى مشهد متكرر لا يثير إلا البلادة، على الرغم من تكثيف الصورة التكرارية (الجثث/الساتر/السلاح) التي تولّد دلالة دوران الزمن وتراكم العدم، وانزياح الوظائف، وتحويل الجسد إلى دال بصري رمزي على الخسارة الإنسانية الجمعية، وبذلك، يغدو النص نصّا ما بعد- واقعيا، يخفي تحت سرده التقريري لعبة رمزية تفكّك الثنائيات وتكشف قسوة الحرب بوصفها آلة رمزية لإنتاج الفناء لا الحدث. وفي خضمّ هذه القسوة، ترجع الذات السارد إلى الماضي، وتعود به الذاكرة إلى الطرق الملتوية في (أبو سيف)، ومعالم سكّة حديد القطار العابرة من فوق الطريق بوصفها جزءا معلّقا. ثم ترجع به الذاكرة إلى زمن أقرب، هو زمن الحصار، والابتكارات التي فرضتها حاجات الناس من أجل العيش. ثم يسخر من بعض تلك الابتكارات:

“وهذا لم يتأتّ إلا بعد ارتقاء معرفي، وضّح معنى أن تدور ماكنة هنا في عمارة الأغوات المطلّة على مدخل فضاء باب البيضفي مشغل يتألف من ست مكائن خياطة نوع برذر يابانية الصنع موديل بداية ثمانينات القرن الماضي وفي زمن الحصار الذي اعترض طريق الدواء والغذاء فكيف بالملابس ووسائل الانتاج وما يتبعها”. (السردار، 2019، ص 145).

في هذا المقطع ينهض السرد على الترميز والسخرية المريرة؛ ليعيد تقديم مشهد من مشاهد الحصار في بنية رمزية تتعالق فيها المفارقة مع اللعب الدلالي، فما يبدو للوهلة الأولى توصيفا لورشة خياطة صغيرة في (عمارة الأغوات)، يتحول سريعا إلى مشهد رمزي في هوّة الحاجة. السرد يبدأ بعبارة (ارتقاء معرفي)، وكأننا بصدد منعطف حضاري أو وعي فلسفي، ثم ينحدر عمدا نحو توصيف مادي شديد التفاصيل لستّ مكائن خياطة في تلميح ساخر، تتحول فيه الماكنة إلى علامة رمزية على ما تبقى من مقاومة الإنسان العراقي في مواجهة نظام الحصار؛ خيطٌ رفيع يخيّط به ما تمزق من الحياة. في زمن يعجز فيه الجسد عن الوصول إلى الغذاء والدواء، تصبح الخياطة مفارقة وجودية تختصر واقعا أكثر قسوة مما تحتمله اللغة.

ثمة سخرية مبطّنة في الترتيب السردي الذي يمنح أهمية قصوى لنوع الماكنة وتاريخ صناعتها، ما يوحي بقيمة شبه عسكرية تضفى على ما هو منزوع الفاعلية في جوهره. وكأن السارد يقول بلغة رمزية: إن معركتنا مع الحصار لم تكن بأسلحة تقليدية، بل بما تيسّر من مكائن نسجٍ وخياطة ومهارات نسوية قديمة، جعلها الجوع أسلحة رمزية لدرء الفناء. إن هذا التناقض بين شدة القسوة وضآلة الوسيلة هو ما يجعل اللعب الترميزي حاضرا بقوة، حيث تقلب المعادلات، فالمكان يفقد قدسيته، والأدوات تفقد هويتها الأصلية، ويغدو الإنسان محاصرا بعبث النجاة ذاتها. ثم يأتي صوت الجد، وهو يخاطب الأب:

“أنا من رأى الغابة قبلك، خبرتها، ما أردته هو إبعادك عنما فيها من غدر، وشوك، وعيون مترصدة تتسلل من جوف العتمة لأني أعرف أنّ مثلك لا يطعن إلا من خلف، ثمة جوهر في داخلك كنت أراه يلصف وأخشى أن تستدرج من خلاله”. (السردار، 2019، ص149″.
يتأثث هذا المقطع بأفق ترميزي تتكثّف فيه المشاعر الإنسانية المعقّدة – كالخوف والحماية والخيانة – ضمن بنية رمزية تنقل التجربة الوجودية من سطح السرد إلى عمق التأويل، مستندة إلى لعبة ترميزية دقيقة، تتوسل الغابة بوصفها فضاء مجازيا للتيه والخطر والاحتمال المزدوج: الفتنة والهلاك. وتعبير(أنا من رأى الغابة قبلك) بضمير المتكلم المتفوق زمنا وخبرة، يشير إلى سلطة التجربة، والغابة هنا حقل مزدوج البنية، في ظاهرها مكان طبيعي، وفي عمقها مجال للتحذير من غوايات الحياة، ومجاز عن المجتمع والعالم، ومسرح رمزي للكمين والافتراس والمجهول، لذلك تأتي (العتمة)، و(العيون المترصدة)، و(الشوك) أدوات دلالية تدعم هذا الحقل الرمزي، وتثبّت صورته في الذهن بوصفه فضاء محفوفا بالمخاطر المتخفية، إذ لا يرى الخطر إلا بعد فوات الأوان.

والتعبير التركيبي (لأنّي أعرف أنّ مثلك لا يطعن إلا من خلف) تصعّد من اللعب الترميزي عبر تأطير الخيانة بوصفها حدثا ينتج عن السذاجة لا الشرّ، عن الطيبة لا الخبث. إنها خيانة لا تأتي من رغبة في الأذى، بل من ضعف في الوعي، من (جوهر يلمع) في الداخل، وهو تعبير مجازي دقيق يصور الداخل الإنساني على هيئة معدن لامع، لكن هذا اللمعان هو ما يثير الخطر أيضا؛ لأنه يعرّض صاحبه للاستدراج، أو للإيقاع به من قبل آخرين يرصدونه من الظلام. وهكذا يركّب اللعب الترميزي في هذا المقطع من ثلاثة مستويات: الأول يمثّل الغابة بوصفها فضاء للخطر الطبيعي، والثاني الغابة بوصفها استعارة للمجتمع المعقّد والخادع، والثالث: الغابة بوصفها رمزا نفسيا لما هو داخلي في الإنسان من قابلية للاستدراج بفعل النقاء أو البراءة. وفي كل ذلك، يتبدّى اللعب الترميزي واضحا وعميقا في آن، إذ تستبدل اللغة التقريرية بلغة إيحائية تحوّل التجربة من واقعة إلى تمثيل رمزي كثيف، يجعل من العلاقة بين (الذات) و(الآخر) في تلقي (المجهول) مسرحا للمعنى المتعدّد والدلالات القابلة للتأويل باستمرار.

وبعد نقاش طويل حول معمل الخياطة، يؤكد له الجد عدم معارضته ويتوقّع له النجاح، ويأتي دور الذاكرة في انسحابها إلى العاملات، وكيفية العثور عليهن، وتعميق العلاقة معهن ومع أسرهن، ومجيئهن من تلكيف مرورا ببعويزة، وانتهاء بباب البيض، حيث تتوقّف سيارة الاشتراك التي تقلهنّ بباب المشغل. وصولا إلى قناعته بأنه لم يعد رقما عابرا وسط هذه الجموع التي طأطأت رأسها لإرادة التعطيل، إذ أنتج (124) ألف قطعة ملابس، وهذا يعني أنّه استطاع أن يترك علامة على وجه الحياة في زمن الحصار.

وتبقى الذاكرة تشدد من معاناته وهو يعيد كثيرا من الأحداث التي مرّت في حياته، ولكن الحدث الذي زلزل كيانه، تمثّل في احتلال أمريكا للعراق والتفاصيل التي رافقته، فالجميع توقّع تلك النهاية بسبب الغطرسة الدولية، وتخطيط أمريكا لاحتلال العراق، فأخذت المدينة أثداءها – على حد تعبير السارد- أن تنهش وتقطع جذور صبرها، وتتعرى كعاهرة، تستبيح جسدها كمسخ، كان المشهد موجعا، ومثيرا للفزع والتقزز، ويمر على ما قاءته البنوك، وحرائق المكتبة الوطنية، والجامعة، والناس مثل موجة جراد اكتسحت مباني ومؤسسات الدولة، ليشبّه بلعب ترميزي عال هذه الأفعال الدنيئة بالعاصفة حين تكنس ورق الأشجار اليابس وتجعله يدوّم في الهواء مع الورق الأخضر.

ويستمر صوت الأب وهو يكتب عن سيرته الذاتية بعد أن يعالقها بخصائص الرواية الفنية، بدءا من جريدة الفاصل، مرورا بمجال الشرفات، وانتهاء بأصوات القصف وتراجع الجيش عن أحياء المدينة الغربية، وهو يتّجه إلى داخل السور بعد دخول داعش إلى مدينة الموصل، ونزوح العوائل، وانطفاء الكهرباء، وانتشار مقاتلين بلا هيئة منظّمة، و(شفلات) تفتح الشوارع وتزيل (السواتر والسيطرات) التي كان الجيش والشرطة الاتحادية قد أقاموها، وهي تخنق الحركة في المدينة. ويستمر (الأب) في تقديم توصيف للواقع المأساوي الذي عاشه أبناء الموصل في نهاية الرواية، والروائي بهذا الفعل الكتابي أراد أن يجعل سرد الرواية بأكمله دائريا، فبدأ باحتلال داعش للموصل، وانتهى بتوصيف ذلك الاحتلال. ويبدو لي أنه بأّر كل أفكاره التي تشتت في الرواية في هذا المقطع الترميزي:

“غالبا ما تتعرّض الأشجار في الغابةِ للريحِ العاتيةِ التي تعبث بأغصانها، فتتقاذفها، وبعد انجلاءِ الصخبِ نجد أنّ ما ضحّت به من أغصانٍ وأوراقٍ شيءٌ كثيرٌ، حتى إنّ بعضها قد يقتلع من جذوره، هذا يحدث في الأعلى، وبفعلِ الريحِ العاتية، أمّا ما يحدث في الأسفل، فنخرٌ للتربةِ من قِبلِ الجرذانِ والنملِ الأبيض، والأصماغِ المنساحةِ على طولِ اللحاء، وقضمٌ للجذورِ من قِبلِ ديدانٍ ثعبانيةٍ تمتصّ رحيق الجذورِ وتقطعها، ودائما ما يكون هناك ثمّة ربيعٌ يبقى قادما. الأشجار قد تزاحم بعضها البعض، فتحجب أغصانها في الأعلى الضوء عمّن هو ما زال يافعا ويحلم بالتسلّق، بينما جذوره تكافح في زحمةِ الأسفل، متشبّثة للوصولِ إلى بعدٍ ما يمكنها من التغلغل، وكلّ ما هو مبالغٌ فيه، أنّها تنثر بذورها في الأرجاءِ بنمطٍ من العزلةِ والفردانية، هكذا تحمي نوعها وتواجه مصيرها وحدها. الذئاب تحرص على أن تدخل المعركة مجتمعة، ووحدها من تأكل جرحاها، لأنّها تدرك أنّ فرصتهم في النجاةِ ضئيلةٌ أو مستحيلة، ولكن هل هذا الافتراس مبرّرٌ لمعنى البقاءِ الحقيقي؟”. (السردار، 2019، ص17).

وهنا استطاع هذا المقطع أن يمارس النص توازيا رمزيا بين الريح العاتية (القوة القادمة من الأعلى) التي تمثل الكوارث المفاجئة، الفقد، الخيانة، الانهيار الظاهر، والكائنات الخفية تحت الأرض (القوة القادمة من الأسفل) التي ترمز إلى التآكل الداخلي، التهديدات الصامتة، الخراب البطيء. واللعب هنا قائم على مفارقة القوّة المدمّرة بين العنف الظاهر والخراب الخفي، وكأنّ النص يقول: لا تنهار الشجرة فقط حين تعصف بها العواصف، بل حين تنخرها عوامل لا ترى. حتى أنّ الأشجار تتكاثر بذريا عبر فعل فردي، لا عبر نظام جماعي، والذئاب تتحرك مثل قطيع، لكنها تلتهم جرحاها؛ أي أن تكافلها ظاهري، تحكمه الضرورة لا الرحمة. وهنا يشتغل اللعب الترميزي على قلب المعاني، فعلى الرغم من عزلة الأشجار لا تفترس، لكنها تفشل في التضامن، وعلى الرغم من اجتماع الذئاب، إلا أنها تمارس افتراسا داخليا مشروعا ضمن (أخلاقيات البقاء).

أما الأشجار الكبيرة فتحجب أشعة الشمس عن الأشجار الصغيرة، وهذا الحجب ليس عدوانيا صريحا، لكنه ينتج عنه منع النمو، ومن ثمّ الإقصاء، فيقوم اللعب الرمزي هنا على الإزاحة، إذ من الطبيعي أن تنمو الأشجار، لكن (الطبيعة) ذاتها تصبح نظاما احتكاريا. فيخفي النص (الاحتكار) داخل آلية طبيعية تبدو محايدة. والطبيعة لا تحمي الجميع، ومن لا بجرؤ على المواجهة، يترك للسقوط. والتمثيل الرمزي يعيد مساءلة معنى (الربيع)، هل هو وعدٌ لكل الكائنات؟ أم فقط لأولئك الذين نجوا بوسائل قاسية؟ وهنا يتجلّى اللعب الترميزي مفارقة: هل النظام الطبيعي يحاكي نظاما أخلاقيا؟ الجواب غير محسوم، مما يمنح الرمز قابلية التأويل والانفتاح.

إنّ هذا المقطع يتحرّك من الشتاء/الانهيار إلى الربيع/الأمل، لكن هذا الربيع ليس نهاية سعيدة، بل مجاز مفتوح، وميدان اللعب الترميزي هنا هو في قلب الوظيفة الزمنية إلى وظيفة تأويلية، فالزمن لا يحدث تحوّلا عضويا، بل تحوّلا في التلقي والتأويل. وهكذا تكمن خلاصة اللعب الترميزي في المقطع الذي بين أيدينا بأنّه مجرّد عن وصف حالة طبيعية تمرّ بها الأشجار في الغابة، وإنما هو استعارةٌ كبرى لحياة الكائنات، ولا سيما الإنسان، في صراعه الوجودي على مستوى الفرد والجماعة، وفي مواجهة مصائر لا يمكن التنبؤ بها ولا توقّع نتائجها، سواء جاءت من الأعلى كقوى ظاهرة مدمّرة، أو من الأسفل كقوى خفيّة تنهش ببطء. إذ يبدأ النص بوصف الريح العاتية التي تعبث بأغصان الأشجار، فتتساقط الأوراق وتتكسّر الأغصان، وقد تقتلع الأشجار ذاتها من جذورها. هنا لا يقدّم الكاتب مشهدا بيئيّا، بل يقدّم تمثيلا رمزيّا لقوى الحياة المفاجئة، غير المتوقعة، التي قد تأتي في هيئة فقدٍ أو صدمةٍ أو خيانةٍ أو كارثة، تتجاوز قدرة الكائن على المقاومة، فتسقط منه ما يظنّه صلبا، وتتركه في العراء.

غير أنّ هذا العصف العلوي لا يكتمل إلا بما يجري في الأعماق، حيث تتآكل الجذور ببطء، من دون ضجيج، بفعل كائنات صغيرة، لكنها ذات أثر كبير: الجرذان، والنمل الأبيض، والديدان الثعبانية. هذه الكائنات تمثّل الرموز الخفيّة للهدم البطيء، كالأفكار المسمومة، والتواطؤات الصغيرة، والانهيارات الصامتة داخل الكائن أو المجتمع، تلك التي تضعف البنية التحتية لكل ما هو ظاهر. وسط هذا المشهد، تتجلّى مفارقة أخرى، وهي أنّ الأشجار تزاحم بعضها البعض، فتحجب ضوء الشمس عن الأشجار اليافعة، التي ما تزال تحلم بالتسلق نحو الضوء. وهذه إشارةٌ إلى الصراع الطبقي أو الوجودي بين الأجيال أو بين الأفراد في بيئةٍ تنافسية لا تعترف بالضعف ولا تمنح فرصا عادلة. فبينما تكافح الجذور في الأسفل للتشبّث، تحجب عنها إمكانيات الحياة في الأعلى، ويترك اليافع معزولا بين عجز الجذور واحتكار الأغصان. ومع ذلك، تظلّ الأشجار تنثر بذورها في الأرجاء، لا بتكاتفٍ أو تنظيمٍ جمعيّ، بل بنزعة عزلة وفردانية، وكأن البقاء مرهونٌ بأن تحمي كلّ شجرة نوعها بحدودها الخاصة، دون اعتمادٍ على مجتمع أو سياق.

ثم يتعمّق اللعب الترميزي، فتأتي صورة الذئاب، التي تشكّل نقيضا صارخا للأشجار. فالذئاب لا تجسّد هنا وحشيّة غير مبرّرة، بل نظاما صارما للبقاء: تدخل المعركة مجتمعة، ثم تأكل جرحاها، ليس بدافع القسوة، بل كخيار واقعيّ لفهم حدود النجاة. وهنا يطرح السؤال الأكثر عمقا: هل هذا الافتراس مبرّرٌ لمعنى البقاء الحقيقي؟ وهل البقاء بحدّ ذاته قيمة، أم أن الطريقة التي نصل بها إليه تحدّد أخلاقيته وإنسانيته؟ هذا النص، إذن، لا يبحث في شروط البقاء فحسب، وإنما يتساءل عن معناه، ويضع أمامنا مفارقة أخلاقية وإنسانية: هل حماية الذات تبرّر العزلة؟ هل التكاتف الذي ينتهي بأكل الجرحى هو تكافل حقيقي أم انتهاز جماعي؟ وهل ما تقوم به الأشجار من حماية فردية لبذورها هو حكمة وجودية، أم عجز عن الانخراط في منظومة أوسع للبقاء؟ في خضمّ هذه الأسئلة، يبقى ثمّة ربيع قادم، كأنّه الأمل الوحيد الذي لا يشيخ، والمجاز الأخير الذي يبرّر للوجود مشقّته، للشتاء عنفه، وللسقوط احتمال النهوض من جديد. والنص، في جوهره، هو تأمل عميق في معنى الحياة والموت والبقاء والانهيار، يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والبيئة، بين الداخل والخارج، بين القوة والعزلة، في منظومة رمزية تفتح على قراءات متعددة، لكنها تبقي سؤال (معنى البقاء) مفتوحا، لا إجابة نهائية له، سوى ما يصنعه الإنسان من تأويل لحياته ذاتها.

وهكذا يستمر الراوي المشارك في الأحداث باللعب الترميزي حتى وإن كان السرد ينتمي إلى السرد السير-ذاتي؛ لأن رواية (متحف للغبار) تمثل أرضا خصبة لدراسة تداخلات الذاكرة بالخيال، إذ يعيد الراوي تشكيل ما حدث عبر أدوات هذا اللعب، فيتحول (الغبار) من مادة للفناء إلى شفرة للبقاء. وهذا اللعب ليس ترفا جماليا، بقدر ما هو ضرورة لترميم الذاكرة المتشظية التي استطاع الراوي بواسطتها تجاوز المرجعية الواقعية، والتحرر من (فخ) التسجيل ليصعد إلى رحاب (التأويل). فالأشياء في المتحف رموز مكثفة تحيل إلى ضياع الهوية والبحث عن المستقر. وأدّت المفارقة في دور الراوي دورا فاعلا في جعله حارسا ولاعبا في آن واحد؛ فهو يحرس الذاكرة من النسيان، لكنه يتلاعب بترتيبها الزمني ودلالاتها الرمزية؛ ليخلق واقعا موازيا يمنحه القدرة على مواجهة قسوة الماضي. أما الرمزية المكانية، فتكمن في تحول (المتحف) في الرواية من حيز فيزيائي إلى فضاء استعاري، إذ يمثل العقل البشري الذي يرفض التخلي عن حطام الحكايات، معيدا تدويرها؛ لتكتسب معان جديدة تتجاوز لحظة حدوثها الأولى. ونخلص في الآخر: إن اللعب الترميزي في رواية (متحف للغبار) هو الذي منح النص شعريته الخاصة، محولا السيرة الذاتية من (بوح شخصي) إلى (رؤية كونية) للإنسان في مواجهة الزمن والخراب. ونجح الراوي في جعل (الغبار) مرآة تعكس وجوهنا جميعا، بوصفنا الشهود الأحياء على صيرورة الوجود.

 

كلية التربية/ جامعة النور