
عبدالكريم البليخ
أقف مندهشاً حول الآلية التي يتمّ من خلالها قراءة ومعرفة بعض الصور التي أجد أنّها تظل اليوم بحاجة إلى وقفة صريحة عندها، وتقشير ما أمكن منها حتى يتسنى لي ولغيري من الوقوف عليها وقراءتها بوضوح وبدقّة متناهية، وهذا ما يفسّر لنا مدى الصدق والتعاطي معها، مع هكذا أمور وأشياء طالما تحصل أمامنا، وبصورة يومية في بلاد الاغتراب التي نعيش فيها.
في الواقع صار أغلب الأصدقاء والشباب المهجّرين في الدول الأوربية، على وجه التحقيق، يتغنّون بالفشل الذريع الذي لحق بهم في بلاد النعيم التي وصلوا إليها هرباً من الديكتاتوريات العربية وغيرها، لا سيما من حيث عدم توافر الأعمال التي تناسب قدراتهم التي يمكن لها أن تكون أداة مساعدة، بلا شك في شق طريق الحياة القاسية التي يعانون، وما مدى تعاطيهم في إشكالية توافر العمل للجادين منهم في إيجاد الفرصة التي تتيح لهم الالتزام بها، والبحث الاستقرار عن الهدف بعيداً عن اقتصارها عن تقديم المساعدات التي تقوم الدول بدفعها للاجئين، وهذا ما جعل الأغلبية منهم ماكثاً في بيته تُلجمه الاشتراطات التعجيزية في تأمين العمل المناسب وغير ذلك من الأعمال التي لا تناسب الأغلبية منهم رغم البحث المطول عنها، وتحت ظروف قاسية، وتوافرها يظل ليس بالأمر السهل! ما أستغربه أن دول مثل النمسا، ألمانيا، السويد، هولندا، فرنسا وغيرها من الدول الأوربية التي اهتمت بإيواء اللاجئين ورَحَّبْت باستقبالهم، وآوتهم ودعّمت إقاماتهم، لم تحاول يوماً تسهيل الإجراءات بتوافر العمل الذي يناسب قدراتهم، على الرغم من الدعم المادي الذي لم تقصّر في دفعه كمساعدة سواء للأسر اللاجئة أو للشباب منهم، واكتفائها بإلزامهم بتعلّم „كورسات“ اللغة، والتي يظل فيها خلط كبير وكبير جداً..!إنّ الغالبية من الخاضعين لأمثال هذه الدورات صدم في الواقع من التقيّد بالاشتراطات الملزمة، لا سيما أنَّ الكثير من اللاجئين الذين فرّوا من بلدانهم ولجأوا إلى الدول الأوربية، كان الهدف الأساس هو طلب الاستقرار والأمان والعيش بكرامة، وليس البحث عن تعلّم اللغة وتكريس الوقت لأجل خاطر عيونها، وخاصة بالنسبة لكبار السن الذين تم إلحاقهم بها، ومنهم من استفاد بحدود ضيّقة جداً، وظلّت الفائدة تقتصر على أشياء بعينها، حتى أنني أعرف الكثير من الأصدقاء والزملاء والمعارف، من حملة الشهادات الجامعية في الحقوق والاقتصاد والآداب والطبّ والهندسة، ممن سبق لهم أن اتبعوا دورات تعلم اللغة وتعديل شهاداتهم، وبإلزام من الجهات المسؤولة عن دمج اللاجئين، إلّا أن مستوى الغالبية منهم في تعلم اللغة ومداركها ما زال أدنى من المطلوب، رغم قضاء سنوات في اتباع دوراتها، وهذه معاناة كبيرة ظلت تلازمهم، ولكن ما هو الحل؟ الحل يكمن في اتباع التعليمات والاشتراطات الخاصة بهم وإلّا ستلجأ الجهات المسؤولة إلى قطع ما هو مخصص لهم من مساعدات رمزية تصرف مع أوّل الشهر، والأنكى من ذلك، وهذا ما لمسناه، أنَّ هناك نسبة عالية من اللاجئين، ممن تجاوز عمره الستين عاماً ونيّف، أميين بالفطرة، لا يعرفون ألف باء القراءة والكتابة في لغتهم الأم، ومطلوب منهم الالتزام بدورات تعلم لغة الدولة المضيفة وإتقانها، في الوقت الذي يعرف الكثيرون أنّهم لا يدركون أيّ شيء عن لغتهم الأم، ويجهلون حروفها قراءةً وكتابة تماماً! وبرأي الشخصي، بالنسبة للأميين منهم، ممن يجهلون القراءة والكتابة، من المفروض اعفائهم كلية من اتباع أمثال هذه الدورات التعليمية التي تظل بلا فائدة منها! لا شك أنَّ اللغة ودورها كبير وكبير جداً في المعرفة، وإدراك المحيط الذي نعيش فيه، ولكن ليس على حساب هدر الوقت وضياعه بدون فائدة بالزام اللاجئين بدورات اللغة، وتحت تهديد قطع ما هو مخصص لهم من دخل مالي يساعدهم على المعيشة، وفي الجانب الآخر، وما يؤسف له، هو عدم توافر العمل الذي يحاول اللاجئ الاعتماد عليه بصورة مستمرة في معيشته .. وسبق لأحد اللاجئين من حملة الشهادة الجامعية أن طلب من احدى المسؤولات عن احتضان اللاجئين رغبته في العمل كعامل تنظيفات، فقوبل طلبه بالرفض؛ والحال كذلك في أعمال البناء، وإن كانت أعمال شاقة إلّا أنها هي الأخرى ظلت حكراً على فئة بعينها!. إنّ مشكلة توافر العمل بالنسبة للاجئين في الدول الأوربية ظل همّ دائم يعاني منه الأغلبية منهم. وكل ما هو مطلوب من اللاجئين هو الالتزام بدورات تعلم اللغة على حساب البحث عن العمل التي لا تشجع الدول الحاضنة للاجئين الانخراط فيه، بل ابقائهم بين مطرقة اتباع دورات تعلم اللغة، وسندان المعونة الشهرية!
النمسا



















