الكلام والصمت

482

 الكلام والصمت

عبدالرزاق الكرم الحميري

اعلم عزيزي القارئ الكريم : ان الكلام ترجمان يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر عن مكنونات السرائر، لايمكن استرجاع بوادره، ولايقدر على رد شوارده، فحق على العاقل ان يتحرز من زلـله ، بالامساك عنه. او الاقلال منه .

وقال بعض العلماء الاجلاء ( من اعوز ما يتكلم به العاقل أن لا يتكلم إلا لحاجته أو لحجته، ولا يتفكر الا في عاقبته او في آخرته )، وقال بعض البلغاء : (ألزم الصمت فإنه يكسبك صفو المحبة، ويؤمنك سوء المغبة، ويلبسك ثور الوقار، ويكفيك مؤونة الاعتذار ) .

وقال بعض الفصحاء ( اعقل لسانك الا من حق توضحه او باطل تدحضه، او حكمة تنشرها او نعمه تذكرها،

شروط الكلام

ان للكلام شروطا لا يسلم المتكلم من الزلل الا بها ولا يعرى من النقص الا ان يستوعبها، وهي :

1- أن يكون الكلام لداع يدعو إليه ، إما في اجتلاب نفع او دفع ضرر.

2- أن يأتي به في موضعه، فيتوخى به إصابة فرصته.

3- أن يقتصر منه على قدر حاجته.

4- أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.

 فهذه اربعة شروط متى أخل المتكلم بشيء منها فقد اوهن فضيلة باقيها. وهناك تعليل لك شرط منها:

1- هو الداعي الى الكلام فلان ما لا داعي اليه هذيان، وما لا سبب له هجر، ومن سامح نفسه في الكلام إذا عن ولم يراع صحة دواعيه، وإصابة معانيه. كان قولاً مرذولاُ، ورأيه معلولاً وقال بعض الحكماء ( عقل الانسان مخبوء تحت لسانه).

وقال بعض البلغاء ( احبس لسانك قبل ان يطيل حبسك، أو تتلف نفسك، فلا شيء أولى بطول حبس من لسان يقصر عن الصواب، ويسرع الى الجواب).

2-  فهو يأتي في موضعه، فإن الكلام في غير حينه لايقع موقع الانتفاع به.

3- وهو أن يقتصر منه على قدر حاجته.

4- وهو اختيار اللفظ الذي يتكلم به فلان اللسان عنوان الانسان، يترجم عن مجهولة، ويبرهن عن محصوله ، فلزمه ان يكون بتهذيب ألفاظه حريا وبتقويم لسانه مليا.

البلاغة في الكلام

وليس يصح الكلام الا لمن أخذ نفسه بالبلاغة، وكلفها لزوم الفصاحة، حتى يصير متدربا بها، معتادا لها، فلا يأتي بكلام مستنكره اللفظ، ولا مختل المعنى، لان البلاغة ليست معاني مفردة، ولا الفاظ عارية وإنما البلاغة ان تكون المعاني الصحيحة مستودعة في الفاظ فصيحة، فتكون فصاحة الالفاظ مع صحة المعاني هي البـــــــــلاغة.

وقد قيل لليوناني : ما البلاغة ؟ فقال : إختيار الكلام وتصحيح الاقسام وقيل للرومي : فقال : حسن الاختيار عند البديهة، والغزارة يوم الاطالة ، وقيل : للهندي: فقال : معرفة الفصل من الوصل . وقيل للعربي : فقال : ما حسن ايجازه وقل مجازه ، وقيل للبدوي : فقال : ما دون السحر ، وفوق الشعر، يفت الخردل ، ويحبط الجندل وقال ابن المقفع : البلاغة قلة الحصر ، والجرأة على البشر.

آداب الكلام

اعلم عزيزي القارئ الكريم : أن للكلام آداباً إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه.

وطمس بهجة بيانه، ولما الناس عن محاسن فضله، بمساوئ أدبه وعدلوا عن نشر مناقبه، بذكر مثالبه. فمن آدابه :

1- أن لا يتجاوز في مدح ، ولايسرف في ذم، وان كانت النزاهة عن الذم كرما، والتجاوز في المدح ملقا يصدر عن مهانة، والسرف في الذم انتقاما، يصدر عن شر، وكلاهما شين وان سلم من الكذب.

2- لاتبعثه الرغبة على الاسترسال في وعد، أو وعيد يعجز عنهما ولا يقدر على الوفاء بهما فان اطلق بهما لسانه وارسل فيهما عنانه. ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل صار وعده نكثا ، ووعيده عجزا.

3- أنه اذا قال قولا حققه بفعله واذا تكلم بكلام صدقه بعمله.

4- يراعي مخارج كلامه ، بحسب مقاصده وأغراضه فان كان ترغيبا قرنه باللين واللطف، وغن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف. فان لين اللفظ في الترهيب ، وخشونته في الترغيب خروج عن موضعها. وتعطيل للمقصود بها، فيصير لغوا، والغرض المقصود لهوا.

5- ان لايرفع بكلامه صوتا مستكرها، ولا ينزعج له انزعاجا مستهجنا. وليكن عن حركة تكون طيشاً، وعن إشارة تكون عيا فان نقص الطيش اكثر من فضل البلاغة .

6- ان يتجافى هجر القول ، ومستقبح الكلام، وليعدل الى الكتابة عما يستقبح صريحه، ويستهجن فصيحة، يبلغ الغرض ولسانه منزه وادبه مصون .

مشاركة