الكرسي وآليات التحكم في المجتمع – عبدالكريم يحيى الزيباري

الكرسي وآليات التحكم في المجتمع – عبدالكريم يحيى الزيباري

ظهر الكرسي في كتب السيرة، بوصفهِ رمزاً وأداة للسلطة، كان يوضع لعبد المطلب فِراشُ في ظِلِّ الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له. كان حفيده الغلام محمد صلى الله عليه وسلم، يجلس عليه، فيمنعه أعمامه، فيقول عبد المطلب: دعوا ابني، فوالله إنَّ لَهُ لشأناً؛ ثم يجلسه معه. ولآلاف السنين ظلَّت هذه بنية الكرسي المؤسساتية القاعدية لاحترام الكبير والموروث! احتراماً للذات والسلطة.

كرسي سيد قريش ينطوي على أربعة افتراضات: الحق في الجلوس عليه، اغتنام الفرصة لتنفيذ الإرادة، والقدرة على فعل الخير، وقبول المحيطين بالجالس على الكرسي. ومصدر قبولهم: كفاءة الكرسي وعلمه وحلمه ونزاهته وإخلاصه وسيرته، ولم يطالبهم بالطاعة العمياء، في دار ندوة يطرحون الأسئلة والاقتراحات ويتلقون الإجابات.

في أحد مشاهد مسرحية الملك لير، يدخل محمولاً على أكتاف الخدم، جالساً على كرسي! وحين يتنازل عن كرسيه لبناته الثلاثة، تندلع الحرب الأهلية. كحرب ورثة جنكيز خان، وورثة الاسكندر، وورثة هارون الرشيد، لعدم مراعاة الحق في الجلوس على الكرسي.

يزعُ الله بالكراسي ما لا يزعُ بالقرآن، وإذا صلحت الكراسي صلح النَّاس، وإذا فسدت فسدوا، والناس على دين كراسيها. و(دَخَلَ عُمَرُ بنُ حَوْشَبٍ الوَالِي عَلَى سُفْيَان الثوري فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَأَعْرضَ عَنْهُ فَقَالَ: يَا سُفْيَانُ نَحْنُ، وَاللهِ أَنفعُ لِلنَّاسِ مِنْكَ، نَحْنُ أَصْحَابُ الدِّيَاتِ، وَأَصْحَابُ الحمَالاَتِ، وَأَصْحَابُ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَالإِصْلاَحِ بَيْنَهُم، وَأَنْتَ رَجُلُ نَفْسِكَ. فَحَجَّهُ الوالي وأَقْبَلَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ). الذهبي، سير أعلام النبلاء، دار الحديث، القاهرة، 2006? ج6- ص630. ويقصد أنَّ صَلاح الوالي أخطر من صَلاح العالم.

الحروب والأزمات سببها، بعض الحمقى والمغفلين من الساسة، منحوا الكراسي لمن يدفع الثمن، كأوربا العصور الوسطى المظلمة بالحروب الأهلية والجهل والمرض والفقر! فساد العالم ليس بهين، هل يصلح العالِم لكرسيِّ السلطة؟ يقول سُفْيَانَ الثوري (المَالُ دَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَالعَالِمُ طَبِيْبُ هَذِهِ الأُمَّةِ فَإِذَا جَرَّ العَالِمُ الداء إلى نفسه فمتى يبرئ الناس) الذهبي، سير أعلام النبلاء، دار الحديث، القاهرة، 2006 ج6ص630.

مَنْ هو السيد العالِم أم الحاكم؟

(قال أعرابي لأهل البصرة من سيدكم؟ قالوا: الحسن البصري. بِم سادكَم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم). ابن رجب، جامع العلوم والحكم، دار المعرفة، بيروت، 1987 ص301. السيادة الحقيقية بالعلم والحكمة والسَّخاء، لا بالكراسي!

على الفائزين في انتخابات 2021 تعويض الخاسرين، حَفَاظاً على الأمن والسلامة! فلماذا ننفق ملايين الدولارات لنتائج معروفة مُسبقاً؟ بأيَّة كراسٍ سيتم تعويضهم؟ مقاعد التشريع محسومة، لذا سنضطرُّ للبحث عن كراسٍ تنفيذية؟ يَطوفون رَغْبَةً ورَهْبَةً حول الكرسي، يُسبِّحون بحمده بأفعالٍ وأقوال ينسبونها له، والجالس النَّشوانُ يَتَرَنَّحُ، ولا يتذكر خطورة الأمانة التي يحملها.

اختلف مصدر السلطة، والكراسي عُرِضت للإيجار، والمصدر يعكس القدرة على فعل الخير، إلى قدرة على السيطرة وخدمة الأغراض الشخصية بفعل الشر، بشتَّى الطرق والأساليب الملتوية التي تؤمن المبلغ المُتَّفق عليه ثمناً لجلوسهِ على الكرسي.

كيف نجمع بين تشاؤم المثقف الذي يصرخ كالمجنون: هذه الكراسي ليست مراجيح أطفال! وبين أصحاب السلطة والقرار: لا ضَيْرَ إنْ استمتعنا قليلاً، لا ضَيْر!

مشاركة