الكرة التاجية.. في نهائيات كأس العالم 2020- عبدالحق بن رحمون

351
عبدالحق بن رحمون

عبدالحق بن رحمون

لم‭ ‬يسبق‭ ‬أن‭ ‬تحققت‭ ‬نسبة‭ ‬مشاهدة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬القنوات‭ ‬الإخبارية،‭ ‬كما‭ ‬حققتها‭ ‬مباراة‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬العالمية،‭ ‬وما‭ ‬تسببته‭ ‬جائحته‭ ‬الصحية‭ ‬من‭ ‬أزمة،‭ ‬وصار‭ ‬العالم‭ ‬كأنه‭ ‬في‭ ‬ملعب‭ ‬التنس،‭ ‬ينظر‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬صفارة‭ ‬الحكم،‭ ‬وإعلان‭ ‬الفائز‭ ‬خلال‭ ‬الشوط‭ ‬الأخير،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الضربات‭ ‬الترجيحية‭ ‬في‭ ‬الأشواط‭ ‬الاضافية،‭ ‬لأن‭ ‬التشديد‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المنازل‭ ‬كشرط‭  ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬الفيروس،‭ ‬جعل‭ ‬الناس‭ ‬تضجر،‭ ‬وتشعر‭ ‬بحالات‭ ‬اكتئاب‭ ‬ترتبت‭ ‬عنها‭ ‬مضاعفات‭ ‬نفسية،‭ ‬وصار‭ ‬الناس‭ ‬يقولون‭ :‬‮»‬إنما‭ ‬للصبر‭ ‬حدود‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الوباء،‭ ‬حبس‭ ‬أنفاس‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬داخل‭ ‬زنازينهم‭ ‬وهم‭ ‬داخل‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي،‭ ‬جعلهم‭ ‬يتعاملون‭ ‬بحذر،‭ ‬وبمعاملات‭ ‬افتراضية‭ ‬مع‭ ‬كمٍّ‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬والأخبار‭ ‬تفوق‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬متابعتها‭ ‬العالمية‭ ‬والدولية‭. ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬اكتسبنا‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬تنخيلها،‭ ‬وغربلتها‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقي‭ ‬والزائف‭ ‬والاشاعة،‭ ‬وذلك‭ ‬تجنبا‭ ‬لإرتفاع‭ ‬منسوب‭ ‬الإدرنالين‭ ‬الذي‭ ‬يفرز‭ ‬ويبلغ‭ ‬مداه‭ ‬لما‭ ‬تحس‭ ‬بالخوف‭  ‬وترتفع‭ ‬معه‭  ‬دقات‭ ‬القلب‭.‬

هذا‭ ‬الفيروس،‭ ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬السفر،‭ ‬وقطع‭ ‬الحدود‭ ‬جوا،‭ ‬وبرا‭ ‬وبحرا‭ ‬،‭ ‬متعدد‭ ‬الهوية‭ ‬والجنسية‭ ‬يحب‭ ‬الاستهتار‭ ‬واللمس،‭ ‬والمقامرين‭ ‬بأرواحهم،‭ ‬ويضعف،‭ ‬ويتقوى،‭ ‬ثم‭ ‬ينظر‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬عماء،‭ ‬إنه‭ ‬كائن‭ ‬غبي‭ ‬وذكي،‭ ‬محتال‭ ‬ومفلس،‭ ‬كما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬مخاطر‭ ‬الفساد،‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬تجار‭ ‬الأزمات‭.‬

إنه‭ ‬كائن‭ ‬مجهري،‭ ‬جعل‭ ‬الناس‭ ‬جميعا‭ ‬مدمنين‭  ‬على‭ ‬مادة‭ ‬الكحول‭ ‬لتعقم‭ ‬بها‭ ‬أيديهم‭ ‬،‭ ‬وجميع‭ ‬أغراضهم‭  . ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬سنصبح‭ ‬أجساما‭ ‬معقمة‭ ‬على‭ ‬طول،‭ ‬كأننا‭ ‬داخل‭ ‬مختبرات‭ ‬التجارب‭.‬

يتهمونه‭ ‬أنه‭ ‬حصيلة‭  ‬وجبة‭ ‬ساخنة‭ ‬من‭ ‬الخفافيش،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أنه‭ ‬لاعب‭ ‬كرة‭ ‬تاجية‭ ‬محترف،‭ ‬ويصنف‭ ‬اليوم‭ ‬ضمن‭ ‬أقوى‭  ‬أفلام‭ ‬الرعب‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البشرية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬لمن‭ ‬يحسنون‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬وقت‭ ‬الشدة‭ ‬والأزمات‭ ‬لما‭ ‬توقفت‭ ‬فرامل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وتم‭ ‬تسريح‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬منازلها،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬في‭ ‬الملعب‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬لهم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الفيروس‭.‬

كما‭ ‬يتهمونه‭ ‬أنه‭ ‬حصيلة‭ ‬خطأ‭ ‬علمي‭ ‬سرب‭ ‬من‭ ‬مختبر‭ ‬صيني‭ ‬بمدينة‭ ‬ووهان،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬أسباب‭ ‬ظهوره،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬اعتبر‭ ‬أنه‭ ‬سلاح‭ ‬كيميائي‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الصين،‭ ‬ويبقى‭ ‬الاحتمال‭ ‬أنه‭ ‬حساء‭ ‬الخفافيش‭.‬

هل‭ ‬وجبة‭ ‬خفافيش‭ ‬رخيصة،‭ ‬قلبت‭ ‬طاولة‭ ‬مواعيد‭ ‬وجبات‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬المطاعم،‭ ‬وأجبرت‭ ‬زعماء‭ ‬دول‭ ‬،‭ ‬وحكومات‭ ‬وعمداء‭ ‬المحافظات،‭ ‬على‭ ‬أن‭  ‬يتجندوا‭ ‬ويغادروا‭  ‬مكاتبهم،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬استثنائية‭. ‬يتحدثون‭ ‬وهم‭ ‬مكممون‭  ‬عبر‭ ‬التواصل‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬مع‭ ‬فريق‭ ‬عملهم‭ ‬عبر‭ ‬تقنيات‭ ‬التواصل‭ ‬الحديثة‭.‬

كما‭ ‬عمل‭ ‬هذا‭ ‬الفيروس‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬وجيز‭ ‬على‭ ‬إخلاء‭ ‬جميع‭ ‬الملاعب‭ ‬الرياضية،‭ ‬ومكاتب‭ ‬الدوائر‭ ‬الحكومية،‭ ‬والمساجد‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقام‭ ‬فيها‭ ‬الصلوات‭ ‬الخمس،‭ ‬وأغلق‭ ‬المطارات‭ ‬ومحطات‭ ‬المسافرين‭.‬

وبقي‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬الأمامية‭ ‬العالم‭ ‬المغربي‭ ‬منصف‭ ‬السلاوي،‭ ‬اللاعب‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬ملعب‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬ليعينه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬رئيسا‭  ‬لفريق‭ ‬العلماء‭ ‬لتطوير‭ ‬لقاح‭ ‬ضد‭ ‬كورونا‭ ‬كوفيد‭ ‬19‭ .‬

إذن،‭ ‬الآن‭ ‬الأنظار‭ ‬متوجهة‭ ‬إلى‭ ‬ملاعب‭ ‬المختبرات‭ ‬والتحاليل‭ ‬،‭ ‬ومتوجهة‭ ‬إلى‭ ‬حصيلة‭ ‬الاصابات‭ ‬اليومية،‭ ‬والصحف‭ ‬والقنوات‭ ‬ومحطات‭ ‬الاذاعات‭ ‬التي‭  ‬كانت‭ ‬تخصص‭  ‬منتوجاتها‭ ‬الاعلامية‭ ‬للاعبي‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬والأغاني‭ ‬الرخيصة،‭ ‬هاهي‭ ‬أدارت‭ ‬ظهرها‭ ‬لذلك‭ ‬وصارت‭ ‬تخصص‭ ‬ملفات‭ ‬وبرامج‭ ‬وتقارير‭ ‬للعلم‭ ‬والعلماء،‭ ‬وللجيش‭ ‬الأبيض،‭ ‬وكل‭ ‬جنود‭ ‬الصفوف‭ ‬الأمامية،‭ ‬فاختفت‭ ‬سهرات‭ ‬ومهرجانات‭ ‬الميوعة‭ ‬والأغاني‭ ‬المباشرة‭ ‬الساقطة‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬منصات‭ ‬الحفلات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يحييها‭ ‬نجوم‭ ‬يكلفون‭ ‬مع‭ ‬متعهديهم‭  ‬خزينة‭ ‬الدولة‭  ‬أموالا‭ ‬باهظة‭.‬

الجميع‭ ‬اختفى،‭ ‬وحدهم‭ ‬العلماء‭  ‬يقفون‭ ‬الآن‭ ‬فوق‭ ‬منصات‭ ‬الصفوف‭ ‬الأمامية‭ ‬،‭ ‬وعندما‭ ‬يتحدثون‭ ‬أمام‭ ‬الميكروفون‭ ‬عليكم‭ ‬الاصغاء،‭ ‬ولايمكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬الاصغاء‭ ‬لأي‭ ‬مهرجان‭ ‬أو‭ ‬فنان‭ ‬من‭ ‬محترفي‭ ‬الغناء‭ ‬الهابط‭ ‬لنشر‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬،‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬يخشى‭ ‬من‭ ‬عباده‭ ‬العلماء‭.‬

الكل‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬صار‭ ‬مغلقاً‭ ‬؛‭ ‬محلات‭ ‬بيع‭ ‬الملابس‭ ‬الجاهزة،‭ ‬الملاهي‭ ‬الليلية‭ ‬الكازينوهات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحصد‭ ‬الملايير‭ ‬،‭ ‬وأيضا‭ ‬ملاعب‭ ‬خيول‭ ‬الحظ،‭ ‬والخمارات‭. ‬وحدهم‭ ‬الآن‭ ‬العلماء‭ ‬والخبراء‭ ‬يسلط‭ ‬عليهم‭ ‬الاعلام‭ ‬الضوء‭ ‬كنجوم‭ ‬وأبطال‭ ‬يسارعون‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬العلمية‭ ‬،‭ ‬يجرون‭ ‬تداريب‭ ‬وتجارب‭ ‬لتطوير‭ ‬لقاح‭ ‬كوفيد19‭ ‬للاعلان‭ ‬عن‭ ‬البلد‭ ‬الفائز‭ ‬في‭ ‬ايجاد‭ ‬اللقاح‭ ‬الذي‭ ‬سيسلم‭ ‬في‭ ‬نهائيات‭ ‬الكرة‭ ‬التاجية‭ ‬لكأس‭ ‬العالم‭.‬

عبدالحق‭ ‬بن‭ ‬رحمون

مشاركة