الكتابة موهبة.. رسالة ومسؤولية – لويس اقليمس

410

الكتابة موهبة.. رسالة ومسؤولية – لويس اقليمس

لا يولد الإنسان كاتبًا موهوبًا بالفطرة، بل تتنامى هذه الموهبة مع الزمن بالمراس والرغبة وتوالي المثابرة على النهم من وسائل الاستماع والقراءة والمشاهدة. قد تولد شذراتٌ من موهبة الفنّ بأنواعه مع ولادة الإنسان، لكنها هي الأخرى تبقى فطرية بحاجة لمواجهة دائمة مع إمكانية تطويرها عبر المحاولة والجهد والتدريب والاستكشاف والتعلّم من تجارب الغير. ويمكن أن تكون هذه جميعًا عرضة لمخيلة الفرد وترويض خياله في مسألة تنميتها وتطويرها والارتقاء بها لتصبّ في نتيجة إيجابية تجعل من الفرد المغمور كاتبًا ذا شأن في يوم من الأيام. في الغرب، كما في بلاد العم سام، يمكن أن نعثر على مكاتب متخصصة تأخذ بأيدي المبتدئين من محبّي القلم، مهمتُها توجبه كتابات هؤلاء نحو تعزيز الثقة بأنفسهم وتشجيعهم لاحتلال مكانة في عالم الكتابة والتحرير، تمامًا كما هي الحال في تدريب الأشخاص الذين يشعرون بموهبة الفنون الأخرى كالرقص والموسيقى والتمثيل والرياضة وما سواها. فكلّ هذه لا تتطور ولا تصل مستوى عاليًا في الأداء إلاّ عبر التضلّع من الأساسيات التي لا بدّ من توفرها من أجل إثبات الذات والكفاءة وعرض الفكرة وإبداء الرأي بحرية واستقلالية. ونعني بها اللغة، سواء كانت لغة الكتابة أم لغة الفنّ التي تأخذ زمنًا من الممارسة والخبرة. ومَن يقول بغير ذلك، فهو يخشى قول الحقيقة ويجافي الواقع.  الكتابة لدى البعض، لا تقلّ قداسة عن قدسية الإيمان في حقيقة مثالية شاخصة أو معتقد أو فلسفة يخشى الكاتب الصادق إخفاءَها تمامًا مثلما يحزّ في نفسه عدم البوح ببنات أفكاره حتّى لو كانت قاسية أو جارحة في بعض تلابيبها. فهو يريد قول الحقيقة فيما يكتبه ويستعرضه، وفقط الحقيقة التي يؤمن بها هو وتشغلُ حيّزًا في مخيلته وفكره وكنه كيانه. فحين يكتب، يُفرغ ما في حناياه من خلجات تنخر فطره وكيانه ويكشف عمّا في جعبته من أسرار تكتنفُ ذاته وروحَه. لكنه يأبى نشرها كاملة مرة واحدة، بل يسعى لنقلها إلى الملأ وإلى عشّاق آرائه وأفكاره مع تطور الحدث والزمن، بل وفق المكان والزمان الذي يرتئيه هو نفسه. لكنه في كلّ الأحوال لا يستطيع إبقاءَها طيّ الضمير والعقل والفكر. والكاتب المجتهد، هو الذي يحدّد متى يكتب ومتى يسكت، وكيف يكتب ولِمَن. فطباعُ القارئ أو المتلقي الحضري في الغرب أو الشرق قد لا تتطابق مع سواهم من بني جنسهم في الزمان والمكان. ذلك أنّ مسألة تلقّي الفكرة أو الوصول إلى غاية الكاتب والدخول في أعماق ما يقول ليس سهلاً. فهذا يعود لخبرة القارئ وقدرته على فهم المقصود ممّا يُكتَب. وهناك احتمالات كثيرة في عدم فهم عمق ما يطرحه الكاتب أو المؤلّف. ففي كتابات بعضهم أسرارٌ خلف السطور عبر فنّ التلاعب بالألفاظ والمفردات. ذلك فنّ الكتابة. عندما أكتب، تراودني أحيانًا أفكارٌ متباينة عن حقيقة مَن يقرأُ لي وكيف يقرأ ويفهم ما أريدُ إيصالَه من فكرة أو ظاهرة أو رأي. بل أحيانًا، أجد نفسي أمام سيلٍ من الهواجس بشأن إمكانية إيصال الفكرة التي تعتمر عقلي ونفسي وجعبتي. وهكذا، كثيرًا ما أضطرٌّ للإقرار بصدقية مَن ينقل لي رأيًا بصدد ضرورة تحديث الفكرة الفلانية أو إجراء تصحيح في مقالة أو موضوع يهمّ فئة معينة من المجتمع، قد لا أكون ملمّا بكلّ تفاصيلها ودهاليزها أحيانًا كثيرة أو قد تفوتني سرعة الأحداث وركض الزمن. لذا قد أقبل راضخًا تصحيحات الجهات ذات العلاقة بتعديلات في شكل المقالة وفي تحديد رؤوس نقاطها أو حتى في المضمون إن ركنتُ جانبًا كبرياء قلمي عند اقتضاء الضرورة والقناعة. وهذا نابعٌ من إيماني بأنّ القارئ غير الذي يكتب، ومنه يأتي الاختلاف في وجهات النظر في الشكل، وأحيانًا في المضمون أيضًا، ولو بأقلّ خسائر في طرح الفكرة. ولكنّي متفهمٌ تمامًا أن أسلوب الكتابة يختلف بحسب الموضوعات والظرف، زمانًا ومكانًا وقرّاءً. فمَن يكتب عن الحُب والعاطفة مثلاً، غير الذي يكتب عن السياسة أو الفن أو المطبخ أو أية أشكال أخرى في الأدب والفلسفة والعلوم. فلكلّ مجالٍ أسلوبُه وظرفُه، تمامًا كما يُقال “لكلّ مقامٍ مقال”. هناك فئة تكتب بهدف الكتابة فقط والتعبير المحدود عن الذات، أو للاستهلاك الشخصيّ في نطاق العمل والبيت. بالمقابل، نجد فئة تسبح في مخيلة الكتابة وهلوسة الشعر ليلَ نهار. فيما يحزّ فيها هاجسُ عدمِ نشر ما تكتب أو تجد صعوبة في تحقيق حلم العرض والنشر، سعيًا وراء إبراز ما يحملُه  مثل هذا النفر المغمور من أفكار ونصائح وآراء في مجالات وميادين وأحداث يراها صائبة وممكنة القبول والطرح والتداول. وهذه الفئة تعدّ الكتابة رسالة مقدسة تستحق الاحترام والتقدير. قد يكون الإلهام أحيانًا حافزًا للإبداع وتطوير الذات إذا تمّ استغلالُه بطريقة صحيحة وملمّة. ولكن بالتأكيد، لا يمكن القبول بكون أداة الوحي لوحدها قادرة على خلق كاتب ماهرٍ ومؤثر في وسط القراء، إلاّ إذا كان تحت رعاية مَن يمتلك خبرة الكتابة، تمامًا كما يرعى “شيف المطبخ” متدربيه ويحثهم للقبول بنصائحه من أجل تطوير أدائهم والحصول على رضى زبائنهم وتحقيق المكسب والشهرة معًا. أي بمعنى آخر، إنّ الكتابة فعلٌ إبداعيّ لا يقلّ أهمية عن نقل أية فنون أخرى للجمهور والمتقبِّل والمتلقّي والقارئ والمشاهد. فالكاتب في الكثير من الأحيان ينقل ما في لواعجه من أفكار وطروحات يشعرُ أنها ستمسّ دواخل القارئ وتدغدغ مشاعرَه. وبهذا تنزل الراحة والطمأنينة إلى قلبه لكونه استطاع إيصال الفكرة لأكبر عدد من المتلقّين والقرّاء بالأسلوب الذي ساقه واستخدمه. وهذا أهمّ طموح لكلّ كاتب مثابر ومجتهد إن استطاع إيصال رسالته.نخلص للقول، بأنّ الكتابة ليست فنّا وموهبة فحسب، بل هي مسؤولية كبيرة نابعة من روح الرسالة التي يحملها في طيات نفسه . وهذه الرسالة لا تخلو البتة من مخاطر. فهي تتشارك مع السلطة الرابعة في نقل الحقيقة، حتى لو كانت مرّة، هذا إذا كانت نابعة أساسًا من صدقٍ في نقل الفكرة أي الرسالة عبر التشخيص والتعبير والانتقاد أو بهدف الإصلاح والنصح وكشف الحقيقة أو في كيفية تمييز مواقع الخلل في الشارع أو المجتمع أو مكان العمل. أن تنقل فكرك ولغتك وآراءك الشخصية إلى القارئ، فتلك تجربة رائعة ومشروع ناجح في الحياة وفي السيرة الذاتية. فتلكم هي أروع ما في هذه الرسالة التي تستحق المغامرة حين ينقل الكاتب الصادق تجاربَه في الحياة ويترجم ما في حيّزه الخاص من فكر ورؤية عن الأحداث وفق مخيلته الناضجة حيث يريد أن يسبح حرّا في مثل هذا الفضاء الواسع. تحية لكلّ كاتب رأى في اليراع علامة للخير ونشر رياحين المحبة والسلام والإصلاح. وتحية لكلّ مبدع رأى في هذه الرسالة الموهبة وسيلة شريفة لنقل الحقيقة وفي التعبير عن الخلجات الإنسانية التي لا تقلّ تأثيرًا عن أية مشاعر يكنّها الحبيب تجاه حبيبته. فالفكر والقلم علامتان صارختان لتقويم المجتمع وبناء الأوطان وتطوير الإنسان. ومَن يخرج عن هذا السياق كان الخذلان رفيق يراعه المثلوم.

مشاركة