الكاريكاتير السياسي في الصحافة المغربية

ينابيع المعرفة

الرباط – الزمان

صدر حديثا للكاتب والإعلامي المغربي بوشعيب الضبار، كتاب موسوم بــ “السخرية والحرية..الكاريكاتير السياسي في الصحافة المغربية” عن منشورات دار النشر “الفاصلة” بطنجة، بشمال المغرب، بدعم من وزارة الثقافة والشباب والتواصل.

ويقع الكتاب الذي يسلط الضوء على فن الكاريكاتير في المغرب في ارتباطه بحرية التعبير في الصحافة على امتداد 350 صفحة، مع تقديم مفصل وموسع بقلم الكاتب والإعلامي عبد الرحيم التوراني، وغلاف يحمل توقيع الفنان العربي الصبان، أحد رواد الكاريكاتير في المغرب.

يتكون الكتاب ذو الطابع التوثيقي من ثلاثة فصول: الفصل الأول بعنوان “مقاربات”، و هو يتطرق بتفصيل إلى تجليات نشأة الكاريكاتير كفن صحافي، يروم معالجة قضايا الشأن العام من خلال رؤية مطبوعة بلمسات ريشة السخرية وروح الدعابة.

الفصل الثاني: الصحافة في زمن الرقابة، وهو كما يبدو من عنوانه، يسلط الضوء على معاناة الصحافة في سنوات ما سمي بالجمر والرصاص، عبر بعض التجارب الصحافية الرائدة، مثل “أخبار الدنيا”، الصادرة في الستنينيات، والتي أفردت المجال واسعا لنشر الكاريكاتير، وتعرض مديرها مصطفى العلوي، بسبب ذلك، إلى سلسلة من المتاعب، قادته إلى الاعتقال والمحاكمة، وهو “أول ضحية للكاريكاتير السياسي في المغرب”، كما جاء في الكتاب.

الفصل الثالث: المرأة والكاريكاتير

بموزاة مع تطور المرأة، وانغماسها في تحمل المسؤوليات في العديد من القطاعات، أمكن لها أيضا أن تغزو بريشتها مجال الكاريكاتير أيضا، بعد أن كان وقفا على الرجال فقط، وسجلت فيه حضورا لافتا من خلال بعض الأسماء النسوية في الصحافة، والكتاب يستحضر بعض الأسماء النسوية، التي تمتهن الكاريكاتير في المغرب، وهي قليلة جدا، يكفي أن نذكر أن واحدة منهن، واسمها رهام الهور، هي الوحيدة التي تحترف هذا الفن الصحافي الساخر بشكل يومي، في صحيفة “رسالة الامة” ..

الفصل الرابع: بورتريهات

وفي هذا الفصل بالذات يستعرض الكتاب سيرا ذاتية لكل رسامي الكاريكاتير في المغرب، ويقدم خلاصات عن تجاربهم، وتسجيلا لمجمل أرائهم ومواقفهم إزاء حرية التعبير في الصحافة.

الفصل الخامس: حرية التعبير بريشات رسامي الكاريكاتير

يلح الكتاب على أن الحرية المقصودة في حرية الصحافة، هي الحرية المسؤولة، والواعية، والبعيدة تماما عن التطاول على الآخرين، وعن التجريح الشخصي، وفي هذا الفصل نماذج لرسومات حول حرية التعبير قديما وحديثا.

وكتب الكاتب والإعلامي المغربي عبد الرحيم التوراني التقديم التالي:

زمن كاريكاتوري: حقائق جارحة وأكاذيب مرحة!

“لا يمكن للسخرية أن توجد إلا حيث لا يزال الناس

يميزون الحدود بين ما هو مهم وما هو غير مهم.

واليوم، لا يمكن تمييز هذه الحدود.”

ميلان كونديرا

ليست هناك أي مبالغة إذا قلنا إن المكتبة المغربية اغتنت اليوم بصدور كتاب يعتبر من بين المؤلفات بالغة القيمة والثراء. كتاب يتناول موضوع الكاريكاتير السياسي في الصحافة المغربية، والعلاقة بين السخرية وحرية التعبير.

مؤلفٌ وإن تأخر وصوله، إلا أنه يبقى إسهاما واضحا ومرجعيا في مجاله، حيث أتى وفيرا بالمعلومات المدققة من محلها، ومنصفا للحقائق والأحداث،التي توثق بشكل هادئ وموضوعي لأهم المحطات التاريخية لفن الكاريكاتير في المغرب، كما يقدم بورتريهات وسِيَراً لأهم الأسماء التي أكدت ريادتها وحضورها في مجال الرسم الساخر ببلادنا منذ مطلع الاستقلال، مع عرض لنماذج منتقاة من أعمال كاريكاتورية.

كل ذلك بأسلوب جذاب وبلغة رشيقة، وبمهارة سردية استقصائية لا تهمل التفاصيل الصغيرة.

ولا غرابة في هذا، إذا علمنا أن من خلف هذه المبادرة والإنجاز، إعلامي مشهود له في الوسط الصحفي بالمصداقية المهنية، وبعمق الاطلاع والمتابعة الجادة للأحداث الثقافية والفنية، مع ذاكرة حادة.

مهني يتمتع بصفات نبيلة ومحمودة من التهذيب والاحترام، يكللها الاجتهاد والمثابرة والنزاهة والدقة والإنصاف.. وهي من أهم المعايير التي يتطلبها مجال التأريخ، وأساسا إذا المعني كان صحفيا يصبو للإدلاء بشهادته المعاشة والمهنية عن الوقائع والأحداث والأشخاص.

يضعنا هذا، أمام تداخل وظيفي يجمع المؤرخ بالصحفي، غير أن هناك أحداثا ووقائع لا يفيد في توثيقها وتدوينها مؤرخ محترف، بالقدر الذي يستطيع فعله صحفي. ألم يطلق الأديب الفرنسي الكبير ألبير كامو ذات مرة عبارته الدالة: “الصحفي مؤرخ اللحظة”؟

إن هذا أنسب ما يصح ويلائم العمل الذي بين أيدينا، وهو من إنجاز صحفي مهني كتب كثيرا عن الرسم الكاريكاتيري، وحاور أصحاب هذا الفن التعبيري، الذي ليس في نهاية التحليل سوى اختزالا مكثفا للحظة تاريخية معينة، بإمكانها أن تشكل في المستقبل مصدرا من مصادر التاريخ، وإضاءة نابعة من الماضي، تساهم ولا ريب في الوصول إلى فهم الراهن، وتتيح الاقتراب من الأحداث والاتجاهات لإدراك معنى متغيرات الحاضر.

إن أهمية هذا الإصدار تأتي أيضا من هذه الندرة الواضحة في الإصدارات والكتابات المكرسة لفن الكاريكاتير في المغرب، فما صدر منها حتى اليوم، سواء في اللغة العربية أو في اللغة الفرنسية، يبقى شحيحا ومعدودا على أصابع الكفين، بغض النظر عن التفاوت في المضمون والقيمة المفترضة.

منذ عقود، عرف بوشعيب الضبار بمصاحبته لفن الكاريكاتير، وبصداقته لعدد من ممتهني هذا الفن، سواء من المغاربة أو من العرب والأجانب. بل إن الضبار، وقد استهواه مبكرا فن الريشة الساخرة، اقترب في إحدى المراحل من أن يصبح رسّامَ كاريكاتير، وقد نشرت له بعض جرائد السبعينيات رسوما كاريكاتورية من توقيعه.

وخلال مساره المهني، سيقوده شغفه بفن الكاريكاتير، إلى رئاسة تحرير عدة عناوين ساخرة، بمساهمة فعالة لأبرز رواد الكاريكاتير، أمثال: العربي الصبان، ومحمد الفيلالي، وحميد البوهالي، ومحمد عليوات (حمودة)…

لذلك، فإن كتاب (السخرية والحرية: الكاريكاتير السياسي في الصحافة المغربية) مبادرة ثمينة، ومجهود قيم يحسب لمؤلفه، من حيث كونه يعد فصلا مهملا من سِفْرٍ ثقيل، ولبنةً تكاد منسية من لبنات صرح كبير، ما يسمح في الأخير بتقديم تلك الصورةالبانورامية لموسوعة الصحافة المغربية.

كما يعد الكتاب نافذة ممكنة تتيح للقارئ والباحث أن يطل عبرهاعلى الأحوال العامة والتحولات التاريخية الماضية في البلاد، والوقوف على أطوار حرية الصحافة وتقلبات حرية الرأي والتعبير، وحجم الحريات الفردية والعامة، وعموما على مدى احترام حقوق الإنسان من عدمها وانتهاكها.

لن نقول جديدا إذا أكدنا ارتباط الكاريكاتير بظهور الصحافة وانتشار الصحف، إلا أن الحقائق تثبت لنا أن الكاريكاتير لم يحظ بمكانته اللائقة في الصحافة المغربية، حيث لم يهتم أصحاب الصحف بتوظيف رسامين ضمن هيئات تحرير جرائدهم. وبما أن أغلب تلك الصحف كانت حزبية، فإن معظم محرريها كانوا مناضلين، وأغلب الرسامين الذين كانت تنشر رسومهم بين حين وآخر، كانوا من خارج هيئات التحرير، وبالتالي مجرد هواة متطوعين.

وإذا كان الحديث عن صحافة حرة لا يستقيم من دون الحديث عن سيادة الديمقراطية وحرية التعبير، فإنه أيضا لا يمكن الحديث عن الكاريكاتير في غياب حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير. وإذا كان من البديهي القول بأن الإعلام لا ينشأ ويتطور ويزدهر إلا في مجتمع الحريات، فإن الكاريكاتير لا يمكنه أن يحيا ويستنشق غير أوكسجين الحرية، وبغياب هوائها النقي يبقى معتلا، منذورا للاختناق والاندثار.

يحدد المؤرخون تاريخ ظهور أولى الصحف في المغرب في سنة 1820. حدث ذلك في شمال البلاد أولا، في مدينتي سبتة ومليلية وطنجة، وبعدها في مدينتي تطوان ثم فاس، وفي وقت لاحق، مع مستهل القرن العشرين، سيتوالى صدور الصحف في كل من العاصمة الرباط والدار البيضاء.

كان لافتا أن هذا التأسيس حصل على يد أجانب من غير المغاربة. ففي ما يتصل بالجرائد التي صدرت باللغة العربية، جاء تأسيسها على يد مواطنين شوام.تشير الأبحاث التاريخية إلى بعض الأسماء، منهم: عيسى فرح وسليم كسباني، صاحبا أول جريدة يومية طبعت في المغرب بطنجة، (والمدينة زمنئذ تحت الوصاية الدولية)، وفرج الله نمور وأرتور نمور، والشيخ نعمة الله الدحداح، وغيرهم من اللبنانيين والسوريين.

ففي المنطقة الشمالية، الخاضعة لاسبانيا، كان طبيعيا أن يتولى اسبانيون إصدار أول الجرائد بها بلغة سيرفانتيس. وكذلك الأمر فيما يخص باقي المناطق المستعمرة من قبل فرنسا، إذ أن فرنسيين هم من كانوا وراء إصدار جرائد باللغة الفرنسية في المغرب. هذا دون أن ننسى صدور جريدة باللغة الانجليزية في طنجة على يد صحفي انجليزي. ولما اتخذت سلطات الإقامة العامة الفرنسية قرار إصدار يومية باللغة العربية، تحت اسم “السعادة” (1904)، عينت على رأسها لبنانيا مديرا مسؤولا عن النشر (وديع كرم)، وشخصا جزائريا مديرا لتحريرها، (إدريس بن محمد الخبزاوي).

كان من الطبيعي أن تحفل صحف ومجلات تلك الأيام برسوم كاريكاتيرية، إلا أن جميعها كانت من إنجاز رسامين أوروبيين، تناولوا مواضيع مغربية، ولا يذكر لنا التاريخ بهذا الصدد أي اسم مغربي.

غير أنه منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ ينتظم وصول الصحف والمجلات المشرقية إلى المغرب، (من مصر ولبنان والعراق)، على يد متعهدين من مناضلي الحركة الوطنية، وكانت تلك الدوريات المشرقية تحتوي صفحاتها وأغلفتها على رسوم كاريكاتورية وتوضيحية (Dessin d’illustration) ممهورة بتوقيعات الرواد الأوائل لهذا الفن بالعالم العربي، حيث استأنس القراء المغاربة بأعمالهم وحفظوا أسماءهم، وفي مقدمة هؤلاء نذكر: محمد عبد المنعم رخا، وزهدي العدوي، وحسين بيكار، وأحمد طوغان، وألكسندر صاروخان، وهذا الأخير رسام أرميني عاش في القاهرة وكان من مؤسسي الكاريكاتير في مصر…

لكن بدايات الكاريكاتير في المغرب تبقى شبه مجهولة، وفي حاجة ماسة للبحث والتقصي، ولمن يجلو عن أرشيفها العتمة وينفض عنه الغبار. والمؤكد أن الكاريكاتير لم يبرز في الصحافة المغربية بشكل واضح إلا مع بدايات عقد الستينيات، وقد أدى الصحفي مصطفى العلوي المدغري دورا هاما في إنشاء أكثر من منبر صحفي اعتنى بالكاريكاتير.
وكان لافتا ما خلفته بعض تلك الرسوم من أصداء قوية شدت انتباه القراء، مقابل ردود فعل متحفظة لدى الجهات الرسمية، حيث كان الرسامون يلجؤون إلى تشويه وجوه الفاعلين السياسيين، من وزراء الحكومة وزعماء الأحزاب. ولم يتم استثناء الزعيم علال الفاسي، الذي نشر له رسم بالزي العسكري، فوق رأسه قبعة ضابط وعلى كتفيه نياشين جنرال.
كان لهذا الرسم تأثيره المباشر والسريع، حيث خلف وقعا مثيرا وجدالا كبيرا لدى فئة واسعة من القراء والمواطنين، الذين تعامل معظمهم مع ذلك الرسم كحقيقة وليس كرسم متخيل. بل إنه سيتم استغلال الرسم والزج به في هجوم ساحق ضد حزب الاستقلال، وتوظيفه في جدل تضمنه كتاب “التاريخ المفترى عليه في المغرب” (1969)لمؤلفه عبد الكريم الفيلالي، المسؤول السابق في الخزانة الملكية، (توفي سنة 2013).
ولا يمكن اليوم فهم أصداء هذا التأثير إلا باستيعاب حجم الصراع السياسي الذي كان في تلك الفترة الحرجة المحتدمة، ومعرفة وزن زعيم ومفكر كبير مثل علال الفاسي.(أما صاحب ذلك الرسم فاسمه الصادقي مكوار من مدينة فاس).
كما حصل أن تم توظيف الكاريكاتير محل الافتتاحيات وأركان الجرائد الحزبية في معارك و”بوليمك” الأطراف السياسية. (كمثال، ما جرى في الثمانينيات بين جريديتي “الميثاق الوطني” الموالية، و”المحرر” المعارضة).
واحتجاجا على اعتقال الرسام ابراهيم لمهادي، فضل مصطفى القرشاوي، رئيس تحرير يومية “المحرر”، الرد في الزاوية التي كان يكتبها تحت عنوان: “بصراحة”، بكاريكاتير للمهادي نفسه.
كما تسجل لنا الوقائع والأحداث ردود أفعال تجاوزت حدود انزعاج بعض الشخصيات العمومية التي تناولها الكاريكاتير بأسلوب يفضح ممارساتها، أو يسخر من ارتكابها لسلوكيات معينة، من مسؤولين يفتقدون للتسامح ولروح الدعابة، ليتحول الموضوع إلى ردهات المحاكم وما يتبع ذلك من تداعيات.
لكن الخوف من الكاريكاتير والهجوم على “مقترفيه” وعلى منابره، سيعرف منعطفا دراماتيكيا غير مسبوق في عام 1989، عندما أفصح ملك البلاد، المرحوم الحسن الثاني، عن عدم قبوله للكاريكاتير، وذلك في مقابلة أجراها معه صحفيون فرنسيون داخل قصره بالرباط، لفائدة برنامج اشتهر باسم “ساعة الحقيقة”، كان يبث على القناة الثانية الفرنسية (أنتين 2)، فجوابا على سؤال للصحفي ألان دوهاميل، قال الملك: “الكاريكاتير لدينا يكاد يكون محظورًا بالإجماع الوطني”.

وكانوراء هذا التصريح المنزعج، إقدام الأسبوعية الباريسية الساخرة الشهيرةLe Canard enchainé على نشر كاريكاتير للملك.

وبالرغم من أن فعل “كاد” الوارد في جواب الملك، هو فعل غير قطعي، بل هو فعل ماضٍ ناقص، من أفعال المقاربة، حيث يعني الوشوك والاقتراب ليس أكثر، إلا أنه في اليوم التالي اختفى الرسم اليومي الذي كان يعده العربي الصبان وينشر في أعلى الصفحة الأخيرة من “العلم” لسان حزب الاستقلال. وجاء رد مدير الصحيفة عبد الكريم غلاب، برفقة رئيس التحرير عبد الجبار السحيمي، بالأسلوب ذاته الذي كانت تواجه به “العلم” وصحف الحركة الوطنية سطوة الرقيب زمن الاستعمار، لما كانت الصحف تصدر بمساحات بيضاء، مكتوب عليها عبارة (حذفته الرقابة). هكذا سيعتاد قراء أقدم صحيفة مغربية واصلت الصدور منذ 1946، ولفترة طويلة على مساحة خالية تعوض الكاريكاتير اليومي لـ”مهماز”، شخصية الرسام العربي الصبان. وهناك من أطلق على هذا الأسلوب الرافض لقمع حرية التعبير: “فصاحة البياض”، وهي فصاحة مدوية توازي الاحتجاج بواسطة الصمت.

في ظروف مثل هذه لم يكن هناك مجال لانتعاش فن الكاريكاتير وتطويره، أو لظهور فناني كاريكاتير جدد، بل إن بعضهم اختفى، كما حدث مع رسام “المحرر” اليومية المعارضة، الفنان ابراهيم لمهادي، الذي بعد اعتقاله والتحقيق معه وتعرضه للترهيب في كوميسارية المعاريف بالدار البيضاء (1980)، إثر رسم له أزعج السلطات العليا، قرر التحول من رسم الكاريكاتير إلى الرسم الزيتي والتخصص في رسم القصبات الجنوبية واللوحات التي يطلق عليهاوصف “الطبيعة الصامتة”.

ومن الصدف أن بعض اللوحات الزيتية لابراهيم لمهادي ستجد طريقها إلى رحاب القصر الملكي، بعد أن اقتناها من محل صغير لبيع اللوحات في الدار البيضاء، مكلف باقتناء الأعمال الفنية لفائدة أحد المولعين بالمجموعات الفنية، ولم يكن غير ولي العهد، الملك الحالي محمد السادس،الذي مع بدايات عهده، سيعود لمهادي لنشاطه في مزاولة رسم الكاريكاتير.

في السنوات الأولى للملك الجديد، بدا أن الإعلام في المغرب سيقوم بدوره المطلوب في التحول الديمقراطي، بعد ما عرف بـ”سنوات الرصاص” المشؤومة. إذ تم إحياء فن الكاريكاتير، ساعد في ذلك ظهور منابر صحفية جديدة، وبروز جيل جديد من الرسامين الساخرين المتمكنين من مهارات جمالية ملحوظة ولديهم نفس أكثر جرأة. وانتعشت حرية التعبير مع قدوم شباب متحمس اختار أن يعبر عن ذاته بواسطة الريشة الساخرة، انطلاقا من قناعته بإمكانية تفوق الرسم الكاريكاتيري على سيف الرقابة والمنع.

غير أنها كانت فترة جميلة سرعان ما انقضت وتسربت كماء بين أصابع الكف.وكنا نشعر أنها لن تمر، لكنها مرّت، وهذه الأيام أيضا ستمر.

ولا تفوت الإشارة إلى أنه في سنة 2018تم الإعلان عن إنشاء جائزة للكاريكاتير ضمن جوائز “الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة”، لكنها حتى اليوم لم تكن من نصيب أي اسم، وظلت لجن التحكيم المتعاقبة تتوارث فيما بينها العبارة الجاهزة المحنطة: (… وفي ما يتعلق بجائزة الكاريكاتير، فقد قررت لجنة التحكيم حجب هذه الجائزة لعدم الاستجابة للشروط المطلوبة).

بينما الحقيقة هنا هي التي تعاني من الحجب، ونحن في زمن عصف إعلامي بلا حدود، قد نجدنا أمام عصف بلا شروط من “الأكاذيب الحميدة” أو “المشروعة”، التي يلجأ إليها مصاب بالخوف من “الحقائق الجارحة”. والحقيقة الكاريكاتورية غالبا ما تكون جارحة، وليست دائما موضع ترحيب واستقبال. ولا بأس إذا ما وصفنا تلك العبارة الجاهزة بـ”الأكاذيب المرحة” ما دمنا بصدد الحديث عن السخرية وعن الكاريكاتير، وعن الحقيقة وجراحاتها.

السخرية التي قال عنها الكاتب ميلان كونديرا إنها”أكثر قسوة، فهي تكشف لنا بوحشية تفاهة كل شيء”. من هنا يأتي الحذر والخوف من السخرية، فهي “الصدأ الذي ينخر كل ما يلمسه”.

***

وقبل الختام، نود هنا أن نوجه تحية خاصة لأسماء فنانين مارسوا الكاريكاتيروسقطت أسماؤهم سهوا، ليتحولوا إلى جنود مجهولين،وكأنهم لم يكونوا.

نستحضر منهم الفنان الراحل عبد اللطيف الصيباري، أستاذ الفنون التشكيلية بمدينة الدار البيضاء، وكان أحد أعضاء الأسبوعية الساخرة “الانتهازي”،وقد أبان عن حرفية عالية في ما أنجزه من رسوم مميزة، يمكن قياسها ومقارنتها بأعمال فنانين عالميين في المجال.

والصحفي والرسام إبراهيم مبشور، الذي نزح إلى الـ”فيس بوك”ليحول صفحته إلى منبر للسخرية اللاذعة والتعليق على الأحداث رسما وكتابة، ويحظى بمتابعين ومتجاوبين بحماسة معه.

والفنان التشكيلي المعروف بوشتى الحياني، الذي عمل فترة طويلة كرسام لمجلة “الأساس” بالفرنسية، التي كان يصدرها صديقنا الراحل الأستاذ أحمد الكوهن المغيلي.

والفنان الراحل أحمد الجوهري، خطاط “المحرر” ودار النشر المغربية، خريج المدرسة العليا للفنون ببراغ في تشيكوسلوفاكيا، الذي اشتهر كمصمم أغلفة وملصقات، أهمها ملصقات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، والمركزية العمالية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. وللذكر، فإن بعض ملصقات اليوم العالمي للعمل (فاتح ماي)، كانت أحيانا عبارة عن رسم كاريكاتير يسخر من الباطرونا.

والرسام محمد قادة، وكان يعمل بمجلة “جون أفريك” ومجلة “الوطن العربي” الباريسيتين، كما مرّ فترة بمجلة “ضفاف” التي كانت تصدربالرباط، عن مؤسسة الحسن الثاني للجالية المغربية المقيمة بالخارج. ما يقودنا إلى أن بالمهجر الأوربي يوجد عدد من فناني الكاريكاتير المميزين من أصل مغربي.

والتحية لفنانين تشكيليين وأدباء مغاربة رسموا الكاريكاتير في فترات من حياتهم، وأخص بالذكر التشكيلي فريد بلكاهية، والأديب والناقد مصطفى المسناوي.

التحية أيضا لرسامين عرب مرُّوا بالمغرب وعملوا في صحفه، أو نشروا بها أعمالا كاريكاتورية، مواضيعها محلية مع تعليقات مصاحبة بالدارجة المغربية، منهم: الفلسطيني- السوري صلاح الدين برهان كركوتلي، والمصري بهجت عثمان، والمصري جورج بهجوري، والجزائري منور مرابط (سليم)، والجزائري رشيد قاسي، والتونسي عبد المجيد الوسلاتي، والتونسي الشاذلي بالخامسة… وغيرهم ممن يجب النبش عن أسمائهم في “مقابر”أرشيف الصحف القديمة.

***

اليوم، مع تغير المشهد الإعلامي، حيث نتابع كيف يهاجر الكاريكاتير مهده ونشأته الأولى، عابرا شاشة التلفزيون، وسواها من الوسائط التقليدية التي أضحت متجاوزة، معتليا صهوة الانترنيت، ممتطيا شبكات التواصل الاجتماعي، ليصبح في متناول الأيادي والأبصار في العالم المسمى بالافتراضي، متحديا سيوف الرقابات ومشانقها وأحكامها القراقوشية.

بالرغم من كل هذا، لا يسعنا سوى التأكيد بأن أمامنا مسافة طويلة لبلوغ أرض لا تناقش فيها حرية التعبير كمعضلة أوإشكالية، ولا يتغنى تحت سمائها بالحرية الموعودة.. مسافة يصل فيها الناس إلى الأرض التي يتنفسون فيها نسائم الحرية ملء الصدور، ويمارسونها بصفة طبيعية…

أكيد أن الأجيال القادمة ستصاب بالاندهاش وسيأخذها العجب العجاب، عندما ستسمع عن معارك الصراع وحكايات الاضطهاد من أجل نيل أبسط حرية للتعبير، حرية الكلمة والصورة والرسم…

سيستعجبون أكثر وأكثر! كأنهم أمام رسم كاريكاتوري قد يجدون أنه مبالغ فيه بعض الشيء…

وربما هي الحقيقة الساطعة، إذا ما أدركنا أن معنى كلمة “كاريكاتور” هو فن المبالغة.