الكاتب لا ينفصل أبداً عن عمله

205

بول أوستر وباولو كويلو في رواية اللامرئي

الكاتب لا ينفصل أبداً عن عمله

مانش تيواري

في غسق الفجر عندما اشعرتني تلك الكتب بالملل والقليل الذي تُرك في داخلها جعلني افكر ملياً، لكن احساس كسول بالضجر تغلب على كل شيء حولي تاركاً حاجة غير مشروعة لتعتيم المساء بغيبوبة اتناول فيها الكحول واضعاً لا شيء فوق لا شيء سأجبر نفسي هذه المرة الوحيدة والاخيرة للدخول الى غرفتي وقد اوقعت كل شيء من حولي. عندما وصل الأمر الى الكتب ما زالت توقفني عند مسافة معينة عنها وليس بوسعي ان لا اكون محترماً بما يكفي فاتركها فوضى على الاقل غرفتي التي عكست التهور الذي كنت ابدو عليه في ذلك الوقت. عندها اخترت اربع او خمس كُتاب ممن اتصور انهم سيتعاطفون مع نوبة الجنون هذه وبشكل موفق من بين االاشخاص الذين تم الاقتراع عليهم كان هناك اسمين بارزين: بول اوستر وباولو كويلو. بعد ادراك متأخر بقيت مصراً على قراءة باولو كويلو، بسبب الاستياء لمدة طويلة من مكانته الشعبية. حتى عندما بدأت قراءة رواية “الخيميائي” كنت احاول قراءتها قراءة تهكمية ساخرة بالاسلوب نفسه الذي يتبعه كاتب عمود امريكي يتهكم على سلسلة مقالات حول “حساء الدجاج”. عند الانطباع الأول يبدو الأمر وكأنه توسعاً في الحالة الروحانية الشعبية للكاتب التي كانت في كل مكان حولنا تظهر وتختفي بالتكرار نفسه شأنها شأن كل الاشياء الشعبية.

قدرة نادرة

وعلى الرغم من ذلك كان لكلمات كويلو قدرة نادرة على الاقناع. من جانب آخر كان اوستر ينمو في ما دون الوعي خلال فترة من الزمن جلبت سحراً وحنيناً غريبان الى ذلك العالم الذي يتأثر سريعاً بالنقد والاغراء وكل ما يختفي في ارجاء متاهات شوارع بومباي المكتظة. بالتالي اصبح الكاتبان امتداداً للشي ذاته ـ فمحاولة جريئة للسؤال في اوقات حرجة تماماً مثل اسئلتنا هذه، وجراءة الطرح بكل قساوته سؤال اساسي جداً ـ من انا؟  ربما اكون فناً او ما تركته من القرون الماضية والحاضر المعروف وما يأتي عاجلاً ام اجلاً من هذا الباب الدوار ومحاولة الاجابة عليه. على اية حال، لم يقم بول استر وباولو كويلو بأي محاولة على العكس تشبثا بالسؤال، ولم يتحايلا بل تمسكا به حتى اصبح السؤال جواباً.لقد منح اوستر الكتابة فن الديمومة، او البقاء على قيد الحياة، فبقاء الكم الهائل من الكلمات المطبوعة وقائمة لا تنتهي من المطالعات الضرورية والترجمات الادبية التي تستمر في ملأ مكتباتنا ومخازن كتبنا لكنها ما زالت تترك مكاناً كافياً لكتاب واحد يرميك في الصميم. وبكل ما تعنيه الكلمة اصبح ايضاً كاتباً للكاتب متعاطفاً مع كل أولئك الذين يحاولون من بيننا ان يقصوا حكاياتهم في مجتمع يعاني غالباً من الوفرة. وليس غريباً، ان تعنون سيرته الذاتية الخاصة المختصرة بـيد على فم ـــ  عرض تاريخ الاخفاق المبكر”. كما وصفت على الغلاف ـ “قصة كفاح شاب كي يبقي مذكرات بول أوستر شائعة فهي اساساً مقالات سيرة ذاتية عن المال ـ لم تحقق ما تقصده. من عمل غريب واحد الى آخر، من جدول عمل فاشل الى آخر، يبحث اوستر التزامه العنيد بصناعة فن ويصف عبقريته، في كثير من الاحيان بانها محاولات بعيدة المنال ليواصل العمل القادم الى لاشيء”.

اعاد كويلو الى النشر الحديث التراث المفقود تقريباً للتصوف الغربي. إذ يتلاعب كتابه الاخير” الشيطان والانسة بريم” بالمشاكل والصراعات نفسها كما في “المحادثات مع الشيطان” للكاتب بي. دي. اوسبينسكاي  P.D. Ouspensky . في رسمته السيرذاتية “اعترافات حاج” يكشف كويلو النقاب عن مسار حياته المهنية غير التقليدية وحركة مقالاته الاولى عن تجاربه عندما كان مقيداً بالمؤسسة العقلية كونه فنان تعرض للخطف والتعذيب على يد مليشيات شبه عسكرية، وواجه السحر الأسود والمخدرات وطبيعة كتاباته ومبتغياته الروحية. تكشف في الكثير من الأحيان قصة حياته عن جوعه ليكتشف مساره الخاص كما يمكن ان يجده في قصة حياة غوردجيف، وصدى عمله في اساليبهم الخاصة، اراء جماعة الهيبي في السبعينات عندما قام كيرواك  Kerouac  و”جيل بيت  Beat Generation” بمحاولة تمييز بداية روحية تخفف قيود البنى الفوقية الرأسمالية التي اجتاحت تدريجياً كل شيء حتى الفن.

من السهل قراءة اوستر وكويلو، وأحياناً يكونان أكثر بساطة من اغلب الكتاب في عصرنا هذا. فكلاهما يتناول الاشياء المعقدة بعبارة بسيطة بينما تبدو الحبكة لديهما مصغرة ومجردة تتابع شخصية واحدة تجعل القاريء ينقل وضعه او يتنقل مع الشخصية أكثر مما يحافظ على مسافة آمنة معينة. مع ذلك، كلاهما يكشف عاجلاً ام اجلاً عن كتبه ككتاب بقدر ما هو عالم متخيل ، مرآة لشيء ما موجود في الواقع جربناه او خبرناه، لكنه ما زال على بعد مسافة لاتقوم ابداً باي محاولة عبثية لتحل محل واقعنا، لذلك تعيد لنا واقعنا المتميز لكن بلحظة المبادرة تلك التي يدخلها الكتاب وبلحظة الانفصال عندما يغادرنا. ان اوستر وكويلو كاتبان لا يمكن حقاً مقارنتهما بل يمكن فهمهما في ضوء خيال شعري راقي حسب.. ومن المشوق ان نعرف ان الاثنين ولدا في نفس العام 1947 ، وسعيا لنشر اول كتاب لهما عند اواخر الثلاثينات من عمرهما. اوستر كاتب أدبي بلا ذرائع او مبررات، ففي معظم نيويورك وضواحيها المعروفة، تلازم أدبه هالة ما بعد الحداثة في قلب امريكا الشمالية. كويلو يفعل عكس ذلك تماماً، فهو يطلق كتبه في زمن يُكرم او يقدر تقليد اعادة ابتكار الخرافات والأمثال في الكثير من الأحيان في الأرجاء البعيدة من العالم حيث الحقيقي وغير الحقيقي، والخيال والواقع والملائكة والشياطين والتاريخ والاسطورة جميعها لها حضور واضح لكن القصة تكمن في الغالب في الانسان وصراعاته الازلية. ينتمي أوستر الى امريكا الشمالية، ويمكث في بروكلين في حين ينتمي بولو كويلو الى امريكا الجنوبية ويسقر في البرازيل. والأهم من ذلك، على خلاف اوستر، ترجمت اعمال كويلو الى الانكليزية من لغته الأم، وبالتالي، كانا في بداياتهما ينتميان الى مدرستين مختلفتين في الاخبار القصصي أو السرد.

اوستر ــــــ في تعليق مقتضب عن الاسلوب والنبرة الغريبة: لقد وجد النقاد اوستر يردد صدى مجموعة من الكتاب من ميلفيل الى صامويل بكيت (1906 ـ 1989) . في سبيل المثال، عند قراءة “موسيقى الحظ” شعرت ان الشخصية الرئيسة “جيم ناش” قريبة جداً من “جون ابديك” هارب من الطبقة العاملة في “الارنب، هرب”. على اية حال، يشعر اوستر انه انبــــــــثق من (لا ـــــ مكان) كما يفعل شخصياته أحياناً في معظم اعماله. وكانت المقارنة متوافقة مع بكيت ايضاً لكن اي شخص قرأ اوستر مرات عدة سيفهم الوضوح العاطفي الثر الذي يغلب على كل اعماله خلافاً لبكيت الذي يحافظ على طابع الفطنة والإيجاز الخاص به قبل كل شيء. انها مسألة، نادر ما يُجاهر بها، في المساعي الادبية الجادة. والمسألة كانت فيما اذا كان الفكر سيسود السرد او الصدق العاطفي الذي يمكن ان يكون مسموحاً له ان يحيط بالموضوعي والنقدي لكن من الواضح ان اوستر يذهب الى النقدي. بينما قراءة “ثلاثية نيويورك” عبارة عن مشهد لمنهاتن يظهر ويختفي وربما يسلط الضوء على الاخفاقات التي تظهر في المجتمع نفسه حيث مر نصف قرن، ورواية أخرى ربما تكون الأولى والاخيرة في نوعها تقترب من رواية “الحارس في حقل الشوفان” ( Catcher in the Rye) لـ “جي. دي. سالينغر” اثناء توضيح وجهة نظره حول الجدارة الادبية في “سيمور: مقدمة ترفض تقريباً فلوبرت كونه مثالي يترك الفطنة الادبية تسود رواية” مدام بوفاري” فيفسد ما يمكن ان يكون كتاباً استثنائياً (الامر ليس كذلك، انه لا يعد استثنائياً لدى النقاد). ان هو قرأ “ثلاثية نيويورك” سيجد كاتباً يجاهر بتهور فيغرق فيها أكثر مما يصبح كاتباً يعمل من أجل الفطنة الادبية او المفهوم النقدي. وربما للاسباب ذاتها، تمكنت “ثلاثية نيويورك” من تحقيق مكانة راقية الا انها في المصطلحات السردية لها طابع ادبي وتتعمق في عالم الخيال أكثر من الواقع. يعتقد اوستر نفسه انه الاقرب الى الكُتاب الامريكان القدامى، هوثورن وميلفيل وثورو. وهو بين الحين والآخر يعترف لهم بالفضل من خلال ايصال ما كان تقريباً منسياً للحياة. ثلاثية نيويورك ـــــ الأشباح ـــــ ” ليلة واحدة، وكذلك الازرق تتحول اخيراً الى نسخته من والدن  Walden  (كتاب امريكي اول ما نشر بشكل ملاحظات كان يتناول “الحياة في الغابات”، كتبه هنري ديفيد ثوريو). فقال لنفسه، حان الوقت، وان لم يكن ليبذل جهداً الآن، فهو يعرف انه لن يفعل أبداً. لكن الكتاب لم يكن عملاً بسيطاً. (……. السير خلال المستنقعات والعليق، متعالياً على الاسرار القاتمة والمنحدرات الغادرة، يشعر وكأنه أسيراً، يسير مجبراً……) فصول كاملة يتتبع هذا الاسلوب، وعندما يصل الى نهاياتها يدرك انه لم يبقي على شيء منها. لما يريد كل انسان الذهاب الى الغابة والعيش فيها؟ (…… لكن هذا كان ليس اكثر من ثرثرة ولغو لا نهاية له عن لا شيء البته. ….. وقد يكون من غير المنصف لومه، على ايه حال………….) وليس أقل شخصية من ايمرسون الذي كتب ذات مرة في صحيفته ان قراءة ثوريو تجعله يشعر بالتوتر والبؤس. في صدق رواية الازرق، لم يستسلم ……. ففي الفصل الثالث وصل عبر جملة ما الى ما جعله يقول اخيراً له شيء ما ـــــ يجب ان تقرأ الكتب باتقان وتحفظ بالقدر الذي كتبت فيه ــــ وفجأة ادرك ان الحيلة هي ان تمضي ببطيء، أبطأ مما كان يمضي مع الكلمات سابقاً.

            الى جانب ذلك، لدى شخصيات أوستر هاجس مركزي واحد حول الكتابة والتسجيل او التدوين، يمثل صدى الفنان المتخبط الثقيل بصراعه العاطفي للحفاظ على هويته الخاصة التي غالباً يفقدها عند مواجهة ضغوطات متعددة الجوانب من المعرفة والتقاليد المكتسبة من المدينة. في مذكراته يذكر أوستر الشخصيات الحقيقية التي تشكل الآن وفيما بعد جزءاً من الهروب الأدبي لأوســــــــــــتر ـ (“… انه أتخذ طاولة في الزاوية الخلفية وبدأ يشرب مشروبنا. أحياناً تلتقي اعيننا في الظلام، أحد اصدقائي كان يراقب “دوك” جالساً وحده في الزاوية المقابلة من المكان. ذهب إليه ودعاه لينضم إلينا، وعندما جلس الرجل الملتحي الأشعث الغامض الى حد ما الى جانبي، متمتماً بشيء ما عن جين كروبا وماذا فعلت الجحيم بهذا المكان، ادرت نظري بعيداً عن الراقصات للحظة لاصافح الروائي الاسطوري المنسي أج. أل. هوميز، كان أحد مؤسسي مجلة باريس في الخمسينات، نشر كتابين ناجحين في وقت سابق (مدينة تحت الأرض ويموت الرجال)، وبعدها وكما بدأ تماماً قام بتكوين اسم لنفسه، اختفى عن الانظار. وقد أُسقط تماماً من الخارطة الادبيــة ولم نسمع عنه مرة أخرى ……. وقد اخبرنا انه جاء الى نيويورك في مهمة. وفي جيبه خمسة عشر الف دولار، وإذ كانت نظرياته عن المال والانظمة الرأسمالية صحيحة، سيكون قادراً على استخدام ذلك المال في اسقاط الحكومة الامريكية”). (“كان المفقود والمنسي بداخلنا بقدر ما هو خارجنا. ثلاثية نيويورك ـ مدينة الزجاج ـ “اليوم كما لم تكن من قبل ابداً، المتشردون والمعوزون، وسراق حقائب تسوق السيدات، والتائهين والمدمنين ….. بعض التوسل بما يشبه الفخر. اعطني هذا المال، يبدو انه يقول ذلك، وسأرجعه لك قريباً مع ما تبقى عندك، اندفعت جيئة وذهاباً في جولاتي اليومية …… الأخرون لديهم موهبة حقيقية ….. بالمناسبة، حتى وان اصبحت عبقرياً، كما فعلت انا اليوم ……. ألعب بخفة وذوق باشكال تتلوي وتلتف فيّ بطريقة بسيطة ……. مطوقاً بالعالم الذي ابتكره، لن يبحث ابداً عنه مرة اخرى …………… ليبقى داخل تلك الموسيقى، التي يمكن استخلاصها داخل دائرة تكراراتها: ربما هذا هو المكان الذي يستطيع المرء الاختفاء فيه في نهاية المطاف”). ومرة اخرى في مذكراته ـ يد على فم ـ (“هناك شيء الزامي حول الخطوات التي اتخذتها، والرغبة الجامحة للطواف خلسة لأتيه مثل شبح بين الغرباء، وبعد اسبوعين تحولت الشوارع الى شيء شخصي تماماً بالنسبة لي، خارطة تضاريسي الداخلية لسنوات لاحقة، في وقت اغلق فيه عيناي قبل ان اذهب للنوم، ارجع الى دبلن ……… شيء مرعب، اعتقد، بعض المفتونون بي يصطدمون باعماقي. كأني في وحشة تلك الايام التي كنت فيها انظر الى الظلام وارى نفسي لأول مرة”). في ثلاثية نيويوك ـ مدينة الزجاج ـ (“في كل مرة كان يسير فيها، يشعر كأنه يترك نفسه وراءه، من خلال التخلي عن نفسه لحركة الشارع ومن خلال تصغير نفسه في عين الناظر، كان قادراً على الهرب من الالتــزام ليفكر …….. من خلال الطواف دون هدف، أصبحت كل الاماكن متشابه لديه ولم يعد يهم اين هو. في افضل مشاويره، كان قادراً على الاحساس انه غير موجود في اي مكان. وهذا، في النهاية، كل ما كان يطلبه من الاشياء: ان يكون في لا مكان. ونيويورك هي اللامكان لقد بنى سوراً حول نفسه، ثم ادرك ان لا نية له في مغادرته ثانية ابداً”). الكاتب لا ينفصل أبداً عن عمله ـ ففي ثلاثية نيويورك ـ مدينة الزجاج ـ نقرأ: “في الماضي، كان “كوين” طموحاً جداً. كونه شاب نشر كتب عدة في الشعر، وكتب المسرحيات والمقالات النقدية، وعمل على ترجمة عدد من المقالات الطويلة”. نحن نعرف أن ما نقرأه ليس حقيقياً بل خيال عن واقع الخيال. انه ليس القفز الى داخل اشياء غير معروفة لكنه محاولة للنظر في اشياء معروفة، لكنها مفقودة ومنسية حتى الآن، عالم فيه كل واحد منا يتيه كل يوم بشكل غير تقليدي في اعماقه الخاصة وعلى الرغم من ذلك، نحن ملزمون بالعيش، تعزينا غاياتنا او الأهداف التي نربو اليها. في هذه الثلاثية؛ “لاحقاً، عندما كان لديه الوقت للتأمل في تلك الأحداث، نجح في ترقيع حالة الصدام مع المرأة، لكن ذلك كان من عمل الذاكرة، وقد تذكر الاشياء، وعلم كما تذكر ميله الى تخريب الاشياء. وبالتالي، لم يكن بوسعه ان يكون متأكداً من أي منها”. فما يزال هناك براءة تستبدل في كثر من الأحيان بالجنون. “انا (بيتر ستلمان)، تقريباً أنا الآن شاعر، كل يوم اجلس في غرفتي واكتب قصيدة أخرى. ارتب كل الكلمات بنفسي، بالطريقة التي اعيش فيها في الظلام تماماً، أبدأ بتذكر الاشياء بالطريقة نفسها، كي اتظاهر انني اعود في الظلام مرة أخرى. انا الوحيد الذي يتذكر ماذا تعني الكلمات. فهي لا يمكن ترجمتها، هذه القصائد ستجعلني مشهوراً. ستصيب كبد الحقيقة، يا، يا، يا، قصائد جميلة، جميلة جداً كل العالم سيبكي عندما يسمعها. لاحقاً، ربما سأقوم بشيء آخر، بعد ان عملت شاعراً، وعاجلاً أم أجلاً سأرهق نفسي بالكلمات، كما ترى. كل شخص ليس لديه سوى عدد كبير من الكلمات بداخله. وبعدها اين سأكون؟ اعتقد سأرغب بان أكون رجل اطفاء عندئذ. وبعد ذلك سأكون رجلا يسير على الحبل. وعندما اصبح كبيراً في السن واكون على الاقل تعلمت كيف اسير مثل الآخرين. عندها سأرقص على الحبل، وسيندهش الناس، حتى الاطفال الصغار. وهذا ما ارغب به. الرقص على الحبل حتى اموت. “كي اتعلم كيف اسير مثل الآخرين، اختفي من دون ان يراني أحد، دون ان أكون موضوعاً للإزدراء او الفخر، ان اكون قادراً على العيش مثل اي شخص آخر، هذه الأشياء المتنوعة صعبة بالنسبة لشخصيات اوستر بالطريقة ذاتها كما هي في عالم الواقع. العالم في عجالته في تمرير الاحكام ووضع العلامات والمحاولات الذكية لتحديد خسارات مقدرتها لتقييم الفريد والاصلي وحتى في الاوساط الاكاديمية وصالات التألق هناك دائماً مناقشة لكن القليل من الاحترام للروح الاصيلة.

“لنتذكر كيف تشعر عند ارتداء ملابس الاخرين، لنبدأ بذلك، اعتقد، افترض يجب عليّ، العودة للايام الخوالي، ثمانية عشر، عشرين عاماً مضت، عندما لم يكن لدي مال وكان الاصدقاء يمنحونني اشيائهم لالبسها. في سبيل المثال، كان جي يمتلك معطفاً قديماً في الكلية. والاحساس الغريب الذي شعرت به عند التسلق الى جلده. وتلك كانت على الارجح بداية”.

” بعدها، الاهم من ذلك كله، ان اتذكر من انا، ان اتذكر من يفترض ان اكون. لا اعتقد ان هذه لعبة، من جانب آخر، لا شيء واضح، في سبيل المثال: من انت؟ واذا كنت تظن انك تعرف، لما تواصل الكذب حول هذا الموضوع؟ ليس لدي اجابة، وكل ما يمكنني قوله هو هذا: استمع لي، اسمي بول اوستر، هذا ليس اسمي الحقيقي.

باولو كويلو ــــ إدانة روحية في مطبوعات ما بعد الحداثة: ان نضع باولو كويلو في بحث ادبي يبدو خطأ كبيراً، لأن كويلو قد يكون واضحاً جداً في العالم الحقيقي لنشر الكتب الأكثر مبيعاً، وليس لديه اي اتصال ملموس بمصطلحات ادبية تولدت فيما بعد الحداثة.

واقع تفصيلي

ترجمت كلماته من البرازيلية الى الانكليزية وكانت تتحدث عن عالم بُنيَ في بدايته الأولى من دون الكثير من مظاهر الواقع التفصيلي فهو بالاحرى لجأ الى التراث القديم الذي يتضمن الخرافات والامثال. ومع ذلك، ارغب بدراسته في سياق ما بعد الحداثة لأنه يفتح الباب لتأويلات تشبه في الكثير منها تلك التأويلات التي يفتح الباب لها اوستر واي شخص ينتمي الى حركة ما بعد الحداثة (إذا كان هناك مثل هذه الحركة). على الرغم من انه من الصعب مناقشة اعماله من دون قبول القيم الروحانية عندما تكون فكرة التوحيد وراءها. إلا ان هذه القيم نفسها عرضة للتأويلات ونحن لسنا على خلاف مع التعاليم المسيحية او مع تلك التعاليم المهمة لأي دين. إذ يعترف كويلو بتنشأته الكاثوليكية واستخدامه لقصص من الكتاب المقدس لكنه يتركها مفتوحة للتأويل. لقد اصبحت المسيحية والكاثوليكية رمزاً لعصر محاكم التفتيش وأوربا الإمبريالية. في السياق الاوسع لجميع الاديان في العالم في مرحلة ما من الوقت حيث تجاوزنا الوضع الأمبريالي والاستغلالي الذي يحدد أسلوب الحياة. وما زلنا نعاني من الصراع لمنع الدين من ان يتظاهر بأنه هيكلية عظمى ولذلك ودون ما ارادة منه يمنح طريقاً لرأسمالية عظمى معتقداً انها ستكون أهون الشرور. هناك عصر جديد يحاول اعادة تعريف القيم الروحية بعيداً عن الفوضى القمعية التي تتصف بها الأمور الدينية. مع ذلك، يتجنب باولو كويلو كل ما يشبه مثل هذه التعقيدات ويضع سردياته بأقتناع، وهذا نادر جداً. وينصب التركيز على المسعى الشخصي من دون ردة فعل من الماضي المرعب للبشرية بل قبوله بإتزان بكل المحاسن التي أضفيت عليه. وهي لن تحقق حقاً الكثير من الفائدة إذا نحن واصلنا الصراع في معارك لن تنتهي على جبهة سياسية للغرائز الجنسية والاجناس والجنسية القومية والهوية والدين بدلا من ان يكون هناك حرية للتصرف او للاختيار تُترك لنا مع تفهمنا الشخصي الخاص. كما روي عنه تعرض باولو ثلاث مرات للدخول الى المصحة العقلية وعندما اصبح في السابعة عشرة… واصل الهروب. كانت المصحة العقلية بالنسبة له مكاناً خطراً، لأن هنا ولفترة من الزمن فقط اصبح باولو راضٍ جداً عن مستقبله، ومع توفر الكثير من الوقت أخذ يتسأل عن سلامة عقله. “ما اكتشفته خلال الوقت الذي قضيته في المصحة العقلية كان انني استطيع اختيار الجنون واقضي كل حياتي دون عمل، لا اقوم بشيء، متظاهراً بالجنون، وكان هذا إغراء قوي للغاية، قدر كبير من هذه التجربة يمكن ايجاده في “فيرونيكا تقرر الموت”، على هذا الأساس كان يبني كتبه. كانت كتبه تقوم بما ينبغي ان يقوم به الفن، ومصدر الهام لجعل اي اختيار شخصي فعال دون منح أية مواعظ، وأية ارشادات توجيهية رسمية بل بالاحرى هي استحضار الروح وكبحها عن اي شيء خارجي مفروض عليها. من الممكن ان نراه من خلال كتبه لكن ما الشيء الذي يجعل كتبه الأكثر مبيعاً، ربما صدقه في مشاركتنا الحلم الذي نخفيه جميعاً بداخلنا خوفاً من تعرضنا للتجريح ان أشركنا فيه الاخرين. لذا، ان كتاب مثل “فالكيريس” يصبح منشوراً نجاحاً وسيرة ذاتية لحساب بحث عن بعض نقاط الضوء الغامضة التي ستقنعه بالتغلب على ماضيه المظلم. فربما يلتقي به الملاك في ما يمكن ان يكون حلماً بالنسبة للغريب لكنه يصبح حقيقة بالنسبة للشخص الذي يبحث وهنا يكمن الخط الرفيع عن الايمان وكل ذلك ساحر في الحياة، والشخص مجبر على ان يكون بداخله. ان المعركة الميتافيزيقية بين الخوف والشك بالذات التي تضع بصمتها على كل حياتنا كانت الدافع المرضي في كل اعماله وكل قصصه إذ انها كلها تضع في مستوى واحد علامة لهذا الصراع الاساسي. الا ان ادبه لا يتظاهر بأنه يقول شيئاً جديداً أكثر مما يحث القارئ على ان يلتفت الى نفسه كخطوة أولى لفهم العالم من حوله.

المقتطف التالي مآخوذ من مقابلة وجدت على صفحات سجلات دليل العالم ما الذي يعنيه كويلو عندما يقول:

“كابين: إذن، هناك عالم آخر يحتاجه الناس بصدق وهم يحاولون الانتباه إليه، أكثر من حاجتهم لهذا العالم الدنيوي الذي نراه امامنا: ساعات كثيرة جداً من العمل يومياً، ومسؤوليات كثيرة جداً، وتعقيدات كثيرة جداً في حياة معظم الناس. لكن، لم يحدث ذلك في اي وقت . . انا اقصد، ان كتابك يحظى بشعبية كبيرة، فـ “رواية الخيميائي” تحظى بشعبية كبيرة في كل انحاء العالم بشكل لا يصدق. لكن لم يحدث لك ان… ، وبدأ كل شخص الانتباه لهذه الاشياء، لهذا العالم الآخر، لتلك البيوت التي تتفكك، والاسر التي تتحطم، وعشرات الالاف من الناس الذين يفقدون وظائفهم اذا سعوا للحصول على هذا المطلب؟

كويلو”: نعم! انهم سيفقدون وظائفهم، وستكون لديهم مشاكل، لكن هذا هو الخيار الوحيد لأنه في كل الاحوال انت مجبر على دفع ثمن احلامك.

من جانب آخر، انا لن افصل العالم الدنيوي عن العالم الروحي، لأنه بقدر ما تنتمي الخيمياء، (إذاً هذا هو فن الاسقاط على هذا العالم)، الى العالم المادي، وكل متطلباتنا الروحية، اذن علينا مزج هذا بدلاً من فصله، وقيادة حياة لا ترتبط بالروحانية. ما اتوقعه هو اننا سنكون شجعان بما يكفي ونترك العمل، وننقض بعض الاتفاقات، ومن ثمَ، بعد اوقات عصيبة، سندرك ان هناك معنى وان هذا الكون في الواقع تآمر ليضع كل قطعة من هذا اللغز مع الآخرى من خلال منحنا، كما تعرف، مفتاحاً لنتابع مصيرنا. لكن لا اتوقع ان هذا سيكون كما تعرف طريق سهل جداً.  انه الطريق الذي يضم كل المشاكل كالطريق الذي لا يتبع فيه المرء احلامه. على اية حال، فان ثمن سترة تناسبك، هو نفس ثمن سترة فظيعة لا تناسبك، او حجمها أكبر من حجمك. اذن، حسناً، يجب ان نكون مهيئيين لدفع الثمن ثم بعدها اي صعوبة ستفيدنا. من ناحية آخرى، اذا لم تتبع احلامك، اي صعوبة هي مجرد صعوبه، انها مجرد لحظة صعبة، ولا يمكن الأفادة منها”.لنمضي خطوة ابعد، انه يتحول تقريباً الى متنبأ لكن شخص ما يقول نعم بقناعة، القناعة التي تكون نادرة حتى وان كانت المشاعر تتكرر بكثرة ـ “فالخيمياء بشأن السعي الى متطلباتنا الروحية في العالم المادي كما تمنح الينا. وليس القول ان جميعها سيئة، علينا ان نحلق في الهواء ، ونذهب الى منطقة التبت، حيث لا تدخين ولا شرب ولا علاقات حب. انه عالم الـ “لا، لا، لا” وليس ما تمثله الحياة هو كل شيء بشأنها. فالخيمياء هي فعل تحويل هذا الواقع الى شيء مقدس، من خلال المزج بين المقدس والمدنس”. الكلمات مألوفة وقد تكون محكية سابقاً لكن الأدب له ارضية جديدة أوصلت الى عصرنا المطلوب من الاشياء الموثوق بها او التي يمكن تصديقها بخسارة كبيرة في الثمانينات والتسعينات الكارثية . باولو كويلو مهم جداً لأنه هنا يصبح مرة آخرى كاتباً، ومؤمناً وفناناً يسعى الى “روحانية شاملة” من دون التشبث بالصياغات البوذية، ومن دون الانغماس في المخدرات والدولارات المخدرة، ومن دون التكفير الشديد، ومن دون النقاء الكاثوليكي، ومن دون ممارسة الخطاب السياسي الذي يبدو انه يثقل كاهل أوقاتنا بسلسلة من الشدائد الانتحارية. الملاحظة الكونية في عمله تجيء لأول مرة بالثقافات مجتمعه من دون نقل مؤلم لمستنقعات فكرية، لجلب ثقافات كحلفاء محتملون. ربما هذه الكونية هي التي جعلته “الأكثر مبيعا” في ايران وربما كان هو الكاتب الغربي الوحيد الذي سُمح له بزيارة البلد بعد الثورة. واستمر ليكون  “الأكثر مبيعاً” في بلدان مختلفة مثل اسرائيل وفرنسا وايران وايطاليا وتايوان. اخشى ان يكون هذا مقدمة موجزة تركز على الكاتب أكثر مما تركز على عمله، لكن هذا امر أساسي، لأن عمله منظم جداً وصعوبته تكمن في تحديده للعبارات والتراكيب. انه اخبار قصصي اساساً حيث يكون القاريء مشترك غالباً في الحوار وان ذلك ربما يحدد بشكل قاطع كتب كويلو. انها حوارات وتأملات بسرد بسيط يتلولب صعوداً حتى ترى نقاط الارتفاع والعمق ليس فقط في الشخصيات في كتبه بل في كيان الشخص الذي يشترك فيها كقاريء.

الخاتمة:

ان تقديم كاتبين مع مجموعة متنوعة من القراء، من أمثال كويلو وأوستر يبدو وكأنه ضرب من الخيال الشعري الجامح. مع ذلك، هما بالنسبة لي شخصياً قوتان موجهتان في الاتجاه نفسه، فهما دائماً يشيران الى الاتجاه الروحي بطريقة دنيوية، والاساس كذلك الفعل النهائي في الممارسة الابداعية. مع هذا هناك فرق، يأخذنا اوستر مرة تلو المرة الى ذلك الفراغ الذي يحدث عند افتقار اي معنى (روحياً). فهو يسلط الضوء على الاماكن الشاغرة مراراً، من خلال العمل الفني الذي يذكره بتكرار في اعماله، من خلال فعل الاختفاء الغامض، ومن خلال القصص القديمة التي يعيد سردها، ومن خلال الشوارع في نيويورك والطرق السريعة في المدن الامريكية الكبيرة، ومن خلال المستوى العالي او الواطيء في خسارة يمكن التعرض لها في لعبة لا يرغبان لعبها. من جانب آخر يدخل باولو كويلو الفراغ المتروك من خلال الاحلام التي تختفي بسرعة، الى وعينا عندما نفتقد نحن الحماسة والشجاعة للحلم، في النوع الاخر هذا من الفراغ الروحي حيث نتمسك نحن بمباديء المجتمع لكننا نخفق في ايجاد اي معنى غير تلك المعاني التي تفرضها التقاليد والمفاهيم الاقتصادية في الحياة. فهو يأخذ على عاتقه التحدي ويأخذنا الى حالة الهروب الداخلي التي هي اساساً لدينا ويجبرنا على الوقوف ثانية ومواجهة الواقـع بالاحلام. هل ان الامر واحد والشيء نفسه؟ بما يتعلق بالجدليات فربما الامر لا يكون واحداً، لكن في الواقع الذي يُحاكى في الادب ربما نعم يحدث. فكلاهما يدخلان العالم غير المرئي والعالم الروحي، وعالم الفراغ كذلك.