الكاتبة نزيهة ابراهيم

521

الكاتبة نزيهة ابراهيم

مدن الإغتراب.. ذاك المكان المتورّم بالذاكرة

كاظم المقدادي

ربما كانت لا تدري تلك الشابة القادمة من قرية البرتقال في الطارمية.. ان مواسم  قطف البرتقال لم تعد كما كانت .. فلا رائحة البرتقال كما هي ، ولا طعم البرتقال  ظل كما كان .

في كتابها ( رسائل وخواطر من شرفة الغربة)  تنقش بالحجر كلمات ليست كالكلمات ، انها نفثات امرأة عراقية تستسلم لقلبها المكلوم ، في وطن  مهزوم.. وذاكرة تئن على صفيح ساخن من المعاناة المختزلة  لدرب الآلام .

يوم  اصدرت ديوانها الشعري البكر ( اريج الذكرى) كانت فرحة جذلة ، وما كان لها من رغبة سوى اهداء  النسخة الاولى الى الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة التي كانت تدرس مادة النحو في الثانوية المركزية للبنات .

لكن المعاناة في كتابة القصيدة ، تحولت الى معاناة في كتابة قصيدة الحياة ، كيف لا وهي الأم التي ثكلت بموت زوجها الدبلوماسي ، وبجريمة ملجأ العامرية ثم لتجد فيما بعد وقد تحول العراق من بلد آمن الى مشروع هروب بعد ان احتلت امريكا العراق وألغت دولته وهويته ومستقبله.. وحلت العتمة التي جسدتها بهذه السطور المؤثرة :

( انه مساء يوم الرحيل ، لنا نحن المتسللين في عتمة الظلمة وبغفلة من عيون القتلة ، قاطعين طريق الخوف الفارين من عصف الكوارث ووطأة الامتهان الشديد لكل المشاعر الانسانية التي تأبى ان تظل ترسف بأغلال الذل والتهديد .. انها رحلة المخاطر  والمفاجآت غير  السارة، حيث تتوزع على طول مسارات الطريق عصابات الطريق وكتائب الإعدام التي ترغم المسافرين على مغادرة سياراتهم ثم تبدأ بالاصطياد حسب الهوية ومدلولاتها … ) .

ولكن هذا الهروب نحو مدن الاغتراب ، لم يعد باستطاعته انهاء معاناة الذاكرة المتورمة التي تختزل تفاصيل المكان ذاك الكائن الحي الذي ما انفك وهو يحاور صاحب الدار وذكريات هندسة بنائه واختيار أثاثه وتلك الحديقة التي امتلات بأشجار البرتقال والورود والتي اريد لها ان تكون بستانا صغيرا من بساتين الطارمية .

هذا الدار الذي مات فيه الببغاء وحيدا دون ان يردد كلمة الوداع .. صار بيتا لذاكرة معطبة وحزينة ، وهنا نعثر على سطور اخرى تختزل هذا الحزن الكبير :

وبعد حرب 2003، تركنا الدار مرغمين بعد ان ساءت الحالة الامنية الى درجة شديدة .. وأحسست ان عيون الدار قد تحولت الى سياط من نار تلهب ظهري وتجلدني .

وتتابع بلهفة القابض على الجمر وانا  اتوارى هاربة باولادي ، ابتعد عن مكامن الخطر والموت المحتم واحتفي في عتمة الدروب ..

الى ان تصل الى  ذروة الاحساس بقيمة هذا الدار الذي كان خيمة العائلة لتهمس بصوت خافت كسير و مجروح  :

واحسست بعدها ان للدار روح وعيون ترقبنا وتشتاق لنا كما نشتاق لها ، وتاكدت بان بعض الجمادات كالدور تتحول الى كائنات حية تحس وتضطرب لرؤية ساكينيها يرحلون ) .

هذا الاندماج مع الجمادات ، يفسر معنى ان يكون المكان كائن حي يتخطى المسافات ويدخل عالم الارواح عبر معاناة الذاكرة المتيقظة . وتعود مرة اخرى الى تشتت العائلة وقدر الاغتراب وتبعثر الاماكن التي ألهبت مفاصل حياة عائلة لا تدري اين المستقر لتكتب سطورا اخرى على وتر الألم :

وكنت افكر وانا أراقب شريط حياتي يمر من امامي وانا أطل من شرفة الغربة ، وأحاول ان اجلو صدأ الذاكرة وانعش افكاري وانظر الى وضعي الحالي وقد اصبحت ك( الجسد المنسوف ) كل عضو اصبح بمكان .. فاولادي الخمسة قد تبعثروا على اركان الارض الاربعة .

لكن حنين ومواساة الكاتبة نزيهة ابراهيم لم يقتصر على عائلتها الصغيرة ، بل تعدى ذلك ليشمل الاصدقاء والمقربين وحتى الذين لا تعرفهم .

فهي وفي الصفحة 69 تتحدث عن معاناة العراقيين في الحصول على الاقامة

في سوريا :

انه مشهد يذكر العراقيين بطريق قدومهم الى سوريا ومعاناتهم من اجل الاستحصال على وثائق الاقامة الشرعية فيها .. عوائل يتبع بعضها بعضا مكونة من نساء منهكات واطفال صغار  يتباكون وتجرهم  الأمهات جرا .. تتعالى الأصوات وتمتد الايادي ملوحة بالهواء بملفات المعاملات الرسمية وتتطاير احيانا منها بعض الاوراق والصور .. ونتوسل الجموع بموظف الدائرة بان يفتح شباك المراجعة لتوصيل الملفات .

وتستفز ذاكرة الكاتبة  نزيهة .. جملة مشاهد مؤذية تأبى الا وان تذكرها  متمسكة بخيط الوفاء للمكان الذي بدأ بولادتها في الطارمية  المحاطة ببساتين  كبيرة من البرتقال كانت ملكا لعائلتها ..الى مكان الصبا في العطيفية الاولى ، الى مدن عربية دمشق ، وعمان الى مستقرها الاخير للعلاج في امريكا ..فنراها تكتب بألم عن استاذة جامعية  تعمل في تنظيف عمارة ذات عشرة طوابق ، الى  شاب طبيب ينتهي به الى تصليح انابيب المياه في الشقق السكنية .. ثم تتذكر المهندس المغترب محمد العائد الى بلده بعد إقامته الطويلة في بريطانيا  ، وكان يروم خدمة وطنه في زمن العسرة ، مثل غيره من الاف العراقيين المغتربين .. لكنه تلقى رصاصة

 في الرأس مكافأة على حبه وإخلاصه للعراق الوطن الام .

ويظل معين الوفاء لهذه المرأة العراقية ، المزحومة  بذاكرة قوية شاهدا على عمق المأساة  .. فقد اتجهت هذه المرة نحو زملاء الحرف النبيل وحقول الادب الخصب ، وثراء المعرفة.. فكتبت الى صديقتها القاصة عالية ممدوح ( ص 43 ) تقول:

تذكرتك وانت الطائر الحر الطليق الذي يكره القيود، ويعشق الحريةحيث ساحته السماء .. لقد طرت الى منفاك الاختياري ( فرنسا ) وكنت حينها أرافق زوجي الموظف الدبلوماسي ، حيث كانت مدننا انا وانت تتشاطأ ضفاف المتوسط.

وفي صفحة اخرى تكتب رسالة الى جار العمر في العطيفية( كاتب السطور ) تقول فيها:

انه  الجار الوفي ورجل الشدة .. تذكرته ونحن ي منافي الغربة ، حيث تتسمر انظارنا كل يوم خميس نحو الشاشة الصغيرة ، فالكل على موعد مع الدكتور المقدادي وكان حديثه بلسم لكل مجروح .

وتعود الى حقول الورد ، وأريج الذكرى ، لكن  بنفس ملتاعة حزينة .. وكأن الحزن صار لها ظلا وصديقا :

انا أتألم لكل شيء

وأحزن لكل شيء

ولا اعلم نهاية لاي شيء

وقد بت مسكونة بالخوف والرعب اعان من شيخوخة الذاكرة  المبكرة.

مشاركة