القيادة الإدارية

علم وفن وإبداع

القيادة الإدارية

يقول (برنارد شو) : (ليس في العالم كله ما هو أهم من المال).. ولعل في هذا القول شيء من المبالغة لكنه أكثر تجاوباً مع متطلبات الحياة الجديدة التي نعيشها اليوم  إذ لا ينكر احد أن السعادة العائلية والمجتمعية تكاد تعتمد إلى حد كبير على نظرتنا إلى المال  أو بالأحرى على المبدأ الذي نعتمده في الإنفاق فمهما كان العمل الذي نؤديه  فنحن جميعاً في حاجة إلى اعتراف معقول بجهودنا سواء كان في صورة مدح أو أشارة طيبة أو مكافأة نقدية…..أو مجرد كلمة تقدير من مدير الدائرة أو المسؤول المباشر.

منذ بضع سنوات طلبت أحدى شركات البترول الكبرى من مجموعة من المديرين والفنيين أن يذكروا الأسباب الشائعة للسخط بين زملائهم العاملين في تلك الشركة فكانت أغلب الردود التي قدمت هي:- (عدم التقدير  أو عدم الاعتراف بجهودهم).

أن الكثير من مسؤولينا يحجمون عن المدح خوفاً من أثارة الغرور في قلوب الذين يتولون أمورهم ولكن هذه الطريقة قليل ما تنجح لأنه لا شأ يقتل الثقة مثل استمرار الضغط أو الاستهانة بجهود الآخرين.

أن المديح الصادق والربت على الظهر في ود…مكافأة طيبة لعمل أحسن أداؤه وحافز طيب للثقة بالنفس ولكننا يجب ألا نعتمد عليهما بشكل مطلق حتى لأنقع في عادة العمل من أجل الحصول على التصفيق والمديح  وعلينا أن نتعلم بدلاً من ذلك أن نقدر قيمة عملنا وسوف نحظى بارتياح داخلي بعد ذلك.

أما النجاح السريع ولاسيما للشباب الذين اعتلوا كراسي المسؤولية الوظيفية وهم في مقتبل العمر فكثيراً ما يسكرهم ويسبب لهم الغرور والكسل والصلف أحيانا وقد ينتهي بهم المطاف إلى نكسة محطمة ربما تنتهي بخسران المركز الوظيفي الرفيع الذي يشغلون  وقد صدق الكاتب الانكليزي الشهير (كولدين سميث 1774 – 1728) حين قال:-

((أن النجاح السهل سوء حظ كبير ! فلا تحسدوا من ينجحون بسهولة وبلا عقبات لان سقوطهم سيكون سريعاً بعد حين))…

وكما يقال القيادة علم وفن  وهو مبدأ يجعل القيادة ليست حكراً على فئة معينة  ولكن يجعلها باباً مفتوحاً لكل من تثبيت مواهبه واستعداداته وخبراته وتحصيله العلمي التخصصي  والأشخاص الذين يظهرون مثل هذه الأنواع من السلوك والى درجة واضحة هم الذين يوصفون بالمبدعين .

وقد تساءل الناس لماذا كان الإبداع دوماً امرأ نادراً ؟ حيث قدر العلماء نسبة المبدعين ومنذ فجر التاريخ لا تتجاوز اثنين في المليون. كما تساءل الناس :- لماذا ينشأ الكثير من العباقرة من بيوت متواضعة .. ولماذا كان الترابط بين العبقرية والتربية والتعليم ضعيفا في كثير من الأحيان؟ ولماذا لم يزيد عدد المتميزين في دوائرنا الحكومية إلا عند توزيع الحوافز والإرباح السنوية؟ أن هذه الأسئلة وسواها أسئلة جادة تستحق التفكير والبحث من قبل المسؤولين عن الإنتاج والإنتاجية. ففي دنيا الإنتاج أصبح الموظف المنتج هو المحور الذي تدور عليه نظم الصناعة والإنتاج أيا كان نوعه ولهذا تولي الدول المتقدمة في شؤون العلم والمعرفة اهتمامها البالغ في تحسين ظروف العمل وتقديم الخدمات للعاملين من سكن مريح وخدمات ترفيهية وتسهيلات مالية وتأمينات صحية ومعاشيه التي تجعل الفرد لا يفكر بالمستقبل فحياته مكفولة أذا مرض وإذا كبر مقابل مبلغ قليل يستقطع من راتبه كضمان صحي للمستقبل لما في ذلك من اثر واضح في سعادة الفرد أولا وفي زيادة الإنتاج وتحسينه ثانياً.

وتعتبر القوى العاملة في الأمم الراقية ذات الحضارة المادية بمثابة جيوش التصنيع التي هي خط الدفاع الأول عن الوطن في كل امة  إذ لا تستطيع الجيوش العسكرية القيام بأعبائها في الدفاع عن الأوطان  دون تمويلها من المصانع. ولا يمكن للمصانع أن تلعب دورها على أكمل وجه دون أن تستقيم الحياة الصحية لجيوش التصنيع.

أما عندنا فمن الصعب على الموظف أو احد أفراد أسرته أن يتعرض لمرض مستعص أو مرض طارئ في الوقت الحاضر  لان دخله الشهري غير كاف لسد نفقات العلاج المكلفة رغم أن موظفينا اليوم محسودون على الراتب الذي يتقاضونه مقارنةً بغيرهم ممن لم يحصلوا على وظيفة حكومية حتى ألان  لكون الفقر يعتبر عائقا دون النجاح  ولكن ذلك الاعتبار تلاشى اليوم  لان مئات ممن كانوا فقراء سابقاً تمكنوا من البروز إلى الصفوف الأولى في المجتمع لأنهم عرفوا كيف يعقدون العزم على أن لا يظلوا فقراء واستطاعوا الحصول على شهادات علمية عالية فأصبحوا مهندسين ومحاميين ومحاسبين وأصحاب مهن فنية وإدارية ….الخ ويلعبون اليوم دوراً فاعلاً في المجتمع الجديد .

شاكر عبد موسى الساعدي – ميسان